للباحث والناقد التونسي الطاهر الأمين أعمال متنوعة الاهتمامات، تجمع بين الأدب وعلم الاجتماع والفلسفة والسياسة؛ بينها “بؤس الثورة”، “بؤس الثقافة”، “بؤس الهوية”، “الأفق النقدي الجديد”، “الإسلام النقدي: المثقف النقدي والمسألة الدينية”، “متسوّل الموت: بيان من أجل الموت العربي”، “خطابات الإسلام التونسي”، “متسوّل العشق”، وسواها.

في كتابه هذا يطرح السؤال مركزي: لماذا إدوارد سعيد؟ ويجيب عبر أكثر من 23 فصلاً، تتناول مسائل مثل فلسطين التاريخية: صراع الحضور والتأويل؛ جرح الهوية (وضمنه مناقشات الاستشراق)؛ تحرير الذات من نظام التمثيل الاستشراقي (غرامشي، فوكو، الدنيوية، فرانز فانون، فرويد…)؛ وقول الحقيقة أمام السلطة (الماركسية، الحاجة إلى بديل يساري، الوصايا من أجل ولادة المثقف النقدي العربي، سياسة الهوية، محمود درويش، جوليان بيندا…).
هنا فقرات من مقدّمة المؤلف:
“الثقافة زمن تاريخي، أي ممارسة تاريخية، لذلك لا يملك المثقف النقدي إلا أن ينخرط في زمنه الثقافي، أي أن يتورط بشكل نقدي في قراءة “أرشيف الحاضر”. المثقف النقدي لا يتعامل مع النقد بوصفه نظريات داخل سلسلة “الما بعد”، التي كانت تثير سخرية إدوارد سعيد. النقد فعالية وسلاح لاختبار المعرفة والمراهنة على خطّ المقاومة الثابت.
أن أكتب عن إدوارد سعيد، هو بمعنى أساسي، أن أظلّ محتفظاً بصورة المثقف الذي كان “يراهن بكينونته كلها على حسّ نقدي”، من أجل أن يرتفع رنين صوته شاهداً على قيم الحقّ والتنوير والحرية والعدالة، وأن أسهر على وصاياه بعيداً عن “خيانة المثقفين” الغارقين في مستنقع “فساد البلاغة” وفي أوحال “مدن الملح” التي يلطخ نفطها الرخيص راياته السوداء بدمائنا داخل إسلام تاريخي ترفض بربرية البداوة إعلان موته. وأخيراً، أن أقيم في ظلال خطابه العلماني (الدنيوي)، من أجل الخروج من ظلّ دولة القمع ومن ظلّ اللاهوت والانحطاط. إدوارد سعيد الذي ربط حياته كلها دون قيود بواقع الحركة الفلسطينية (رغم نقده القاسي لمنظمة فتح وزعيمها عرفات، واستقالته من عضوية المجلس الوطني احتجاجاً على انحرافها عن ثوابت الحقّ الفلسطيني)، وطموحات شعب منفيّ داخل “المجاز الصهيوني”، وعجز العروبة المستقيلة هو درسنا الثقافي ــ السياسي في زمن عربي مفرغ من الثقافة ومن السياسة معاً. وهو، أخيراً، درس بطولتنا الباحثة عن آفاق تمرّدها الإنساني وأبعاد غضبها الأخلاقي، من أجل أن نشهد بصدق على قضايانا الإنسانية والأخلاقية.
إصدار شخصي، تونس 2018