الطبعة السيستانية لولاية الفقيه!

حجم الخط
0

الطبعة السيستانية لولاية الفقيه!

عبد الحسين شعبانالطبعة السيستانية لولاية الفقيه! زار عادل عبد المهدي نائب الرئيس العراقي واشنطن في زيارة غير رسمية، والتقي الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، الذي كان قد تحدث قبل أيام من الزيارة عن الفاشية الاسلامية ، وروج لمشروع الشرق الاوسط الجديد ، الذي دشنت التبشير به وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس. وجاء تعليق الرئيس الامريكي الغاضب والمتسرع والذي لم يستطع اخفاء مشاعر الكراهية، بعد محاولات تفجير طائرات في مطار هيثرو متجهة الي الولايات المتحدة، في 15 آب (اغسطس) 2006. سبب زيارة المسؤول العراقي كما نقلت وسائل الاعلام الامريكية والعالمية، يتلخص في نقل رسالة سرية من السيد علي السيستاني آية الله العظمي الي الرئيس بوش بخصوص الستراتيجية الامريكية الجديدة في العراق ، واستطلاع الرأي بشأن موضوع الفيدرالية التي ظل السيد عبد العزيز الحكيم يلوح بها. لم يكن اذن سبب الزيارة فتح ملف التصعيد الامريكي ضد المسلمين او مطالبة واشنطن بتحمل مسؤولياتها ازاء العدوان الاسرائيلي علي لبنان، أو الاستيضاح بشأن الاتهامات حول انفلات العنف الطائفي.وقد اثارت هذه المسألة تساؤلات كثيرة بخصوص دور المرجعية ولماذا يُراد لها تخطي مؤسسة الدولة؟ وما هو المركز القانوني للمرجعية ازاء الدولة؟ وكيف اذا كانت قيادات الدولة وملاكاتها الاساسية تمتثل لرأي المرجعية؟ وماذا لو تعارضت مرجعية الدولة مع المرجعية المذهبية؟ كل تلك اسئلة ما تزال تقال همساً او تلميحاً او تصريحاً احياناً، سواء من موقع العداء او التشكيك او من موقع المعلومة والاستيضاح، خصوصاً وان الدستور العراقي وان كان قد اشاد بدور المراجع، الا أنه لم يتحدث عن ذلك الا باعتبار دورهم ارشادياً وأدبياً وليس دوراً قانونياً او مُلزماً، لكن المسألة تثار حين يتولي من يؤمن بدور المراجع ويمتثل لاوامرها وتعليماتها، المسؤولية الاولي او المسؤوليات الاساسية، بما يُحدث نوعاً من الاشتباك والارتباك القانوني والسياسي والديني، بحيث تختلط المهمات ونكون أمام ثنائية عجيبة، فأيهما أسبق وله القول الفصل: المرجعية المذهبية أم الدولة؟ والي أي حدود يمكن التمايز!؟ الحدث الثاني الذي ترافق مع ما حمله عادل عبد المهدي في الرسالة السرية الي الرئيس بوش، رغم انه تم نفي وتكذيب ذلك، الا ان الزيارة الغامضة والمبهمة وما رافقها من اشارات كافية لان تقول ان ثمة امراً ما حصل خلال هذه الزيارة، ستكون مرجعية السيستاني معنية به. ونعني بالحدث الثاني هو زيارة نوري (جواد) المالكي رئيس الوزراء العراقي للنجف، ولقائه بالمرجع الشيعي الاعلي (السيستاني) وتصريحه بانه حصل علي مباركته لخطواته واستمع الي توجيهاته وارشاداته، وهو ما اثار ردود فعل عراقية شديدة في بعض الاوساط، خصوصا موضوع علاقة المرجعية الدينية بالدولة. وكان مثل هذا الامر قد ُطرح عند حصول الدكتور ابراهيم الاشيقر (الجعفري) علي مباركة السيستاني لرئاسة الوزراء، تمهيداً وخطوةً كان لا بد منها بالنسبة للائتلاف الشيعي، لكي تعرض علي بقية القوائم الانتخابية الفائزة ويتم اقراره في البرلمان لاحقاً.والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن التوفيق بين مقلدٍ يري علاقته بالله من خلال نائب الامام (وكيله) اي فقيه الامة في حال غياب الامام (المقصود الامام الثاني عشر، المهدي المنتظر صاحب الزمان ) وبين مسؤولياته في الدولة بما ترتبه الاولي والاخيرة من استحقاقات واولويات وآليات.. وفي حالة التعارض لمن ستكون الغلبة؟ وكيف السبيل لفك الاشتباك او التعارض!؟واذا كان السيستاني لا يتبني مسألة ولاية الفقيه حسب الطبعة الخمينية او الايرانية، مثلما ورد في كتاب الخميني الحكومة الاسلامية ، الا انه من الناحية العملية يضع نفسه بالمقام الذي يكون فيه ولي الفقيه دون تحديد او توكيد، بل بطريقة مرنة ودون اكراه، ولكنها لا تخلو من محددات بما فيها الدعم والمساندة وبالتالي افتراض الامتثال والطاعة.الفارق بين الطبعة الخمينية والطبعة السيستانية لولاية الفقيه، هي ان الاول سعي اليها بنفسه وطالب بها ونظر لها ودخلها من باب السياسة متحملاً النفي والتشرد. في حين ان الثاني ظل صامتاً وهو جالس في مهجعه لا يبارحه، وهو يريد علي نحو غير مباشر ان تأتي الولاية بنفسها اليه لا ان يذهب هو اليها. هكذا علي طريقة المرجعية التقليدية: لم يكن يصرح او يلتقي الناس او يظهر علي الملأ او في وسائل الاعلام (الا اضطراراً)، مضيفاً نوعاً من الكارزمية والغموض مضافاً اليه أعلميته وزهده وورعه وتقواه وخصائصه الشخصية الاخري، واذا ظهر من يصرح باسمه لمن ينوب عنه بين الحين والآخر، فانه يحصد ردود الافعال، لينفي او يكذب او يهمل ما يقال من الاحاديث التي تنسب اليه. ولعل مرجعية النجف تاريخياً لم تتبن مسألة ولاية الفقيه او تتحمس لها، أشير بالذكر الي مرجعية محمد تقي الشيرازي وشيخ الشريعة والسيد ابو الحسن الاصبهاني والسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي اضافة الي السيد السيستاني وعدد من المراجع العليا، خصوصاً وأن علاقتهم بالدولة لم تكن ودية، في حين كانت المرجعية الايرانية وبخاصة ايام الدولة الصفوية وما بعدها تتسم بالايجابية، فالمرجعية تدعم الدولة، والدولة تضفي عليها نوعاً من القداسة والعصمة، ويعتبر المساس بمكانتها وكأنه خروج علي اجماع حتي وان كان مصطنعاً. ويدعي بول بريمر الحاكم المدني الامريكي في العراق في كتابه عام قضيته في العراق ايار (مايو) 2003 ـ حزيران (يونيو) 2004، انه تلقي من السيد السيستاني اكثر من 30 رسالة، الا انه لم يفصح فيما اذا كانت الرسائل مكتوبة او شفوية! وحسب اعتقادي ومن معرفة بالمرجعية وآليات حركتها وحذرها، انها كانت رسائل شفوية ينقلها من أسماهم بريمر القنوات السرية اليه وهم: الدكتور موفق الربيعي (مستشار الامن القومي)، والسيد حسين اسماعيل الصدر (الكاظمية) وعماد ضياء (الخرسان) المسؤول عن ملف اعادة الاعمار والذي جاء مع وصول الجيش الامريكي الي بغداد.ويقول بريمر انه ارسل عماد ضياء الخرسان اكثر من 10 مرات بطائرة خاصة الي النجف لاستطلاع رأي السيستاني، الذي لم يحبذ اللقاء المباشر السيستاني لا يمانع الاجتماع مع الائتلاف (الدولي) بسبب عدائه، بل انه تجنب الاتصال معه … وانه قد يفقد صدقيته في اواسط المؤمنين اذا تعاون علناً… ونحن نتقاسم الاهداف نفسها… .. (ص 213 ـ 214) ويضيف بريمر انه لم يلح عليه أيضاً لكنه كما ينقل، كان ذا فائدة أكبر لمساعينا المشتركة… ويبدي اعجابه بالديمقراطية، وببريمر شخصياً كما يذكر!وبغض النظر عن احتمال فبركة هذه المعلومات او الافتراء في بعضها او المبالغة فيها بهدف ادعاء دور أو انساب موقف (ولكنها تبقي احدي الروايات للحدث وعلي الاخرين أن يصححوا حقيقة ما ورد في هذا الكتاب المهم خصوصاً الذين وردت اسماؤهم)، الا ان المرجح في تردد السيستاني في لقاء بريمر والمسؤولين الامريكان الكبار، هو الخوف من تصدع صدقيته ومكانة المرجعية، لكن ذلك لم يكن بمعزل عن حضوره كفاعل سياسي من الدرجة الاولي ومحاولة قوي الاحتلال التعامل معه لدعم العملية السياسية.واذا كان العديد من مراجع الشيعة لا يدعو الي ولاية الفقيه، بل يعتبرون أن لا اساس لها في الفقه الشيعي الجعفري (نسبة الي الامام جعفر الصادق) فان البعض ما يزال ليس بعيداً عنها. وقد انقسم حزب الدعوة الاسلامية بسبب ذلك واضطر احد زعمائه الروحيين (الشيخ الآصفي) الي التخلي عنه (ويمثل الجناح الايراني كما يقال) بدعوته الصريحة والواضحة لولاية الفقيه ممثلة بالسيد علي الخامنئي، في حين كان الجناح البريطاني ـ السوري (النسبة جغرافية) ممثلا برئيسي الوزراء الجعفري ـ المالكي يبتعدان عن الفكرة وان لم يعارضاها علي نحو شديد، حاولا الاستفادة منها لاحقاً.حاول السيستاني بعد الاحتلال مباشرة ان يحول المرجعية من صامتة الي ناطقة، فاتخذ عدداً من المواقف، لعل ابرزها دعوته الي الوحدة الوطنية وحق الشعب العراقي في تقرير المصير واجراء انتخابات حرة وكتابة دستور بأياد عراقية، لكن اعلان تأييده لدور متميز للشيعة باعتبارهم اغلبية احتسبه البعض باعتباره طرفاً من الاطراف، حيث لم يعد بعضها يري فيه مرجعاً جامعاً ، وهو ما يفسر تصريحات عدد من قادة جبهة التوافق و هيئة علماء المسلمين و جبهة الحوار ناهيكم عن رأي بعض القوي والشخصيات السياسية غير الطائفية (القائمة العراقية الوطنية) او التي تدعو الي فصل الدين عن الدولة.ان اعتبار المشاركة في الانتخابات واجب شرعي، ثم امتد هذا الواجب لتأييد قائمة الائتلاف الشيعية، والتي حصلت علي اغلبية كبيرة يرتب مسؤوليات واستحقاقات ذات قيمة خطيرة، خصوصاً وان خطواتها لم تؤدِ الي تحقيق الوحدة الوطنية، بل اتسعت في ظل حكمها الهوة الطائفية والاحتراب المذهبي وازداد الاحتقان والتوتر لدرجة الحرب الاهلية والتطهير والاجلاء، بحيث اصبح الناس يُقتلون علي الهوية وتنتشر ظاهرة الجثث المقطوعة الرؤوس والمجهولة الهوية، في حين لم تستطع المرجعية بما فيها السيد السيستاني ان تفعل شيئاً او تحرك ساكناً، اللهم الا اذا استثنينا نداءات وعظية وتصريحات ارشادية، لم يكن لها التأثير المطلوب ولم تستطع ايقاف حرفة الموت اليومي المجاني!وقد زجت قائمة الائتلاف الشيعية باسم المرجعية السيستانية وصورها خلال الحملة الانتخابية لاهدافها السياسية، ووظفت ذلك علي نحو ناجح جداً، والشيء نفسه حصل عند مباركة رئاسة وزارة الجعفري وفيما بعد المالكي، بما أخذ البعض ينظر اليها باعتبارها الغطاء الروحي أو السقف الايديولوجي ذا الوزن الثقيل للتيارات الشيعية، وقد يحملها المسؤولية في ذلك، ولم يصدر اي ايضاح من المرجع ذاته او بتوقيعه وختمه كما يقال لفك هذا الاشتباك، وهو ما يُفسر الامر باعتباره درجة معينة من درجات ولاية الفقيه غير المعلنة او ربما الصامتة، اذ ان مجرد اعلانها او التمسك بها سيؤدي الي معارضة شديدة، من الحكمة تجنبها وفقاً لهذه الصيغة المرنة.واذا كان السيد السيستاني لا يسعي الي ولاية الفقيه لادراكه بتعقيدات الواقع، فان الجماعات السياسية الشيعية هي التي تسعي لتتويجه، بهدف الاستفادة من مكانته ودوره، لكن الامر سيلحق ضرراً كبيراً بمستقبل المرجعية اذا حصل او استمر هذا التماهي بينها وبين المجموعات السياسية الشيعية، خصوصاً وان الآخرين سيتعاملون مع المرجعية كطرف مؤثر بل ومسؤول في الصراع، خاضع للمصالح والتوازنات، في حين يفترض في المرجعية التنزه عن أغراض وحاجات الدنيا، ببلوغها درجة من العلم والمعرفة تؤهلها في استنباط الاحكام او القول برأي او ترجيح وجهة نظر بحكم الخبرة والكفاءة، وفي كل الاحوال يبقي المرجع بشراً غير مقدس، يخطئ ويصيب ولعل مثل هذا الامر عند الانخراط في السياسة سيكون معرضاً للنقد بل والتجريح باختلاف المصالح والاهداف.ان موقع رجال الدين من الفريقين ( الشيعة والسنة) بل بشكل عام مسلمين ومسيحيين وغيرهم هو المساجد والجوامع والكنائس ودور العبادة والعلم بشكل عام، وليس الانخراط في العمل السياسي، ذلك ان الاستمرار في التدخل بالشأن السياسي وبخاصة اليومي وربما الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي وغيره، سيفقده المكانة التي ينبغي ان يكون فيها باعتباره مرجعاً وليس طرفاً او داعماً لطرف في محاولة لابتلاع الدولة من جانب المؤسسة الدينية او توجيهها! ولا يمكن بالتالي للدولة الا ان تكون دولة أو ستكف عن ذلك كلما تماهت مع المؤسسة الدينية، فالدولة هي التي لا بد لها ان تحمي المرجعية من كل الالوان والاشكال والاديان والتوجهات، وتساعدها في القيام بدورها التوجيهي الارشادي ـ الادبي لا ان تحل المرجعية، مهما عَظُمَ شأنها، محل الدولة او تكون فوقها او خارج حدود رقابتها!!حقوقي وأكاديمي عراقي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية