تستعصي على الفهم، سواء وافقنا على تسميته انتصاراً أم لا، مشاهد الطبل والزمر في اللحظة التالية لوقف إطلاق النار في غزة. إنه بلد منكوب، مدينة جريحة، فقدت من أبنائها 248 شهيداً، بينهم 66 طفلاً، وأصيب ما لا يقل عن 1900 جريح، دمّرت أبراج، وآلاف الوحدات السكنية، ما يعني آلاف الذين بلا مأوى، ومع ذلك ستجد المشاهد والصور الأولى أقرب إلى مشاهد الدبكة الانتصارية!
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ممنوع أصلاً اسمٌ آخر غير النصر. ليس مسموحاً للفلسطيني، حتى وإن كانت بيده المنابر كلها، في باريس أو برلين أو نيويورك أو لندن، أن يقول شيئاً آخر، فما بالك بالغزيين!
ألا تسأل الشاشات والكاميرات من هم هؤلاء الضحايا، عائلات الأطفال، مدارسهم، كيف يفتقدهم زملاؤهم، هل دفنوا بشكل لائق، هل يوجد بينهم واحد، واحد فقط له رأي آخر في الحرب؟! حتى في حرب تموز 2006 في لبنان وجد هناك من يعترض على ما أسمي بالنصر الإلهي حينذاك، وبأن الناس تركوا من غير ملاجئ، ومن غير حماية تليق بمن يحتضن المقاتلين.
كل ذلك ممنوع حتماً في مدينة النصر النهائي، لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ممنوع أصلاً اسم آخر غير النصر، ليس مسموحاً للفلسطيني، حتى وإن كانت بيده المنابر كلها، في باريس أو برلين أو نيويورك أو لندن أن يقول شيئاً آخر، فما بالك بالغزيين!
الزمامير، وبعضها يأتي على هيئة كتابة، وبعضها الآخر على شكل استعراضات عسكرية، ولا ندري ما فائدتها ما دامت الصواريخ قد قالت كل شيء! الزمامير هي سيدة اللحظة، وجدت من أجل أن تخفي كل ذلك الألم. لكن يستحيل أن يكون بين النافخين مشرد لا يلوي على ماء للشرب، أو سقف وفراش دافئ يأويه، فما بالك إن فقدَ حبيباً!
حتى وأنت تراهم يساقون إلى المهزلة الانتخابية منقادين من أنوفهم، ترغيباً أو ترهيباً، لن تأخذك الشفقة بالفنانين السوريين وهم يطلّون على جمهورهم مؤكدين اختيارهم لـ «الدكتور» بشار الأسد رئيساً مقبلاً لسوريا، لأنه، قال، صمدَ عشر سنوات أمام الحرب، وكأن لديه خياراً آخر في الأساس، وكأن لديهم، أي الفنانين، خياراً آخر حقيقياً غير بشار!
أفكر بنموذجين على وجه التحديد؛ الممثلة نادين خوري، وهي اسم محترم، لا تدلق نفسها وتبتذلها عادة في إطلالات إعلامية منافقة، أو يبدو لنا ذلك على الأقل. فمن أين جاءت بكلمات مثل «الربان الحقيقي الذي قاد سوريا إلى برّ الأمان. الذي لم يتأخر في الوقوف إلى جانب الجيش العربي السوري. الذي ظهر في أماكن خطيرة على خط النار. الذي لم يغادر البلد لعشر سنوات..»؟ وستعرف الجواب حين ترى أنها كررت الكلمات نفسها تقريباً التي يقولها الآخرون، مثل أيمن زيدان في مقابلة سابقة، وكأن ورقة واحدة وزعت على جميع الفنانين، كتلك التي توزع على خطباء المساجد أيام الجمع.
لن تأخذك الشفقة بالفنانين السوريين وهم يطلّون على جمهورهم مؤكدين اختيارهم لـ «الدكتور» بشار الأسد رئيساً مقبلاً لسوريا، لأنه، قال، صمدَ عشر سنوات أمام الحرب، وكأن لديه خياراً آخر في الأساس!
لن تأخذك شفقة بهكذا نموذج (انظروا عبقرية العبارة وفرادتها: لم يتأخر في الوقوف إلى جانب الجيش!) وستعرف أن هذا هو السرّ الذي يجعل ممثلة عديمة الموهبة تماماً، تستمر لعقود في أفلام ومسلسلات من دون أن تتذكرها في دور بارز ومؤثر وخاص.
النموذج الثاني هو ميساك باغبودريان، قائد الفرقة السمفونية الوطنية، وللحق، فإن الرجل قال كلاماً لم يقله خطباء المساجد، أي أنه غرّد كمايسترو عن حق وحقيق. قال باغبورديان: «نحن أوركسترا، مجموعة آلات مختلفة، لكنها مجتمعة تعطي الانسجام، تظهر المقطوعة بشكل جميل. حين يختفي صوت أو آلة، المقطوعة ما بتطلع منسجمة، الأوركسترا بتفشل… حتى ينجح المجتمع، من الضروري نعطي أصواتنا ونشارك بالانتخابات».
من الضروري أن نذكّر المايسترو، الوحيد في البلاد الآن، أن سبعة ملايين سوري على الأقل غائبون عن الأوركسترا اليوم، آلاف المعتقلين في السجون (من حسن الحظ أن البرنامج الانتخابي لأحد المرشحين الرئاسيين: «من أجل الإفراج عن معتقلي الرأي». أي ليس بإمكان ميساك إنكار ذلك). ألا يفسد غياب كل هؤلاء لحنكم الأوركسترالي؟!
لنعترف؛ ما يغيّر في وعينا، وربما في سلوكنا وتجوالنا اليومي، ليست الأحداث العظيمة الجمعية، حتى لو كانت من وزن مجازر إبادة جماعية، فلطالما تكررت هذه مرات كثيرة عبر التاريخ البشري، من دون أن تعلّمنا شيئاً يذكر. ما يغيّر حوادثُ أقل شأناً، تبدو وكأنها تخصّ أفراداً بعينهم. بالنسبة لأي عاقل عاش زمن اغتيال الصحافي جمال خاشقجي لا يمكن أن تمرّ الجريمة عليه بسهولة، حتى لو لم يكن المرء معارضاً لأي نظام في العالم، إذ من كان في إمكانه أن يتخيل تقطيع صحافي معارض في سفارة بلاده في بلد كبير كتركيا! من له هذه الجرأة على قوانين الدول الراسخة؟!
لم تعد السفارات آمنة، إذ إن شبح المنشار لا يغيب، وها هي الطائرات، وسيلة النقل الأكثر أماناً في العالم، باتت مهددة بقطاع طرق دوليين. من أين الطريق!
كذلك الأمر بالنسبة للصحافي البيلاروسي المعارض رومان بروتاسيفيتش (26 عاماً) رئيس تحرير سابق لمحطة «نيكستا» المعارضة البيلاروسية، وقد اختطفته سلطات بلاده أمس بعدما أجبر سلاح الجوّ البيلاروسي طائرة ركاب مدنية قادمة من اليونان ومتجهة إلى ليتوانيا بدعوى إنذار بوجود قنبلة على متن الطائرة يهدد أمنها.
فوق ذلك سيجهد إعلام الطاغية لوكاشنكو أن يجادل غداً إلى ما لا نهاية مندّداً بـ «اتهامات لا أساس لها» من جانب الدول الأوروبية التي تقوم بـ «تسييس» الحادثة!
بإمكان أي منّا أن يرسم السيناريو الخاص به للنجاة من إبادة جماعية محتملة، أساساً لا يمكن لمخيلتك أن ترسمك قتيلاً، تعمل المخيلة لابتكار طرق للنجاة لا للموت.
في حالتيْ الصحافي السعودي، والصحافي البيلاروسي، وحالات أخرى غيرها بالتأكيد، المصيبة أن هذه الحوادث تستهدف بالذات ممرّ النجاة المبتكر، الحيلة الوحيدة التي تمنح الناس الأمل بالحياة بعد الهروب من الأنظمة المتوحشة. حتى الآن، لم تعد السفارات آمنة، إذ إن شبح المنشار لا يغيب، وها هي الطائرات، وسيلة النقل الأكثر أماناً في العالم، باتت مهددة بقطاع طرق دوليين. من أين الطريق!
قالت فرفة «الراحل الكبير» اللبنانية الغنائية الساخرة إن موقع «يوتيوب» حذف أغنتيها الجديدة «قوم خد لك شقلة» وهي عن «الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلّة» حسب بيان الفرقة، بعد أقل من ساعتين من بثها مواقع التواصل الاجتماعي. وأبلغ «يوتيوب» الفرقة بأن محتواها «غير مناسب».
بعد التواصل مع يوتيوب، جاء الرد بأن السبب الاشتباه بدعم لـ «منظّمات إرهابية». «الراحل الكبير» أوضحت، في بيان على فيسبوك، بأن «اتهام الفرقة التي عرفت بأغانيها الساخرة من تنظيم الدولة الإسلامية والتشدد الديني والاستبداد السياسي في العالم العربي، هو بحدّ ذاته اتّهام مثير للسخرية، وأن محتوى الأغنية، من حيث الكلام والمشاهد المصوّرة يخلو من أي دعوة للعنف أو الكراهية، بل هي تستعرض بشكل ساخر ممارسات الاحتلال التي يندّد بها القانون الدولي والأمم المتحدة، في الوقت الذي تعمل جهات وأصوات في المنطقة على تلميع تاريخه وإلقاء اللوم على الضحيّة».
بعد الجدل، رفعَ يوتيوب الحجب عن الأغنية، وعادت «الراحل الكبير» تصدح في فضاء مواقع التواصل. لعل هذا السعي نموذج لضرورة عدم التسليم لرقابة مختلف المواقع، وأقساها فيسبوك، ودائماً بذريعة العنصرية وبث الكراهية والتحريض على العنف، وبالاتكاء، على ما يبدو، على رقابة برامج لا تميز تماماً فحوى، ومنحازة غالباً إلى ثقافة المنتصرين.
كاتب فلسطيني سوري