الطبيعة تحتج وترفع البطاقة الحمراء ضد ثقافة الجشع وتخريب البيئة

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

اختلطت ردود فعل العرب على غضب الطبيعة بين ثلاثة تيارات، الأول يتبنى نهج الأخذ بالأسباب، والثاني يعبئ قواته لمطاردة المجرمين الذين يضرمون النيران عمدا! والثالث يستعين على الحرائق بالدعاء. تيار الأخذ بالأسباب وجد طريقه للعمل مبكرا، حيث اتخذت بعض الحكومات العربية إجراءات للتحول إلى الطاقة النظيفة، فأعلنت مصر على سبيل المثال تأجيل إنشاء محطة لتوليد الكهرباء بالفحم، وهو الوقود الأكثر تلويثا للبيئة، المسؤول الأول عن جريمة تغير المناخ. أما تيار تحويل غضب الطبيعة إلى قضية أمنية، وتصوير الحرائق على أنها جريمة يرتكبها أفراد يجب القبض عليهم ومحاسبتهم، فقد برعت فيه حكومات تركيا وتونس والجزائر، لدرجة أن المواطنين في ولاية تيزي وزو الجزائرية قبضوا على شخص، وأحرقوه حيا بزعم مشاركته في إشعال الحرائق، رغم أن الضحية، وهو فنان جزائري، ذهب إلى الولاية للمشاركة مع أهلها في إخماد الحرائق، حاملا تبرعات استطاع أن يجمعها لهم، فراح ضحية للهستيريا التي أشعلتها الحكومة بالإصرار على ترويج نظرية مفادها أن إرهابيين هم يضرمون النيران في الغابات. وبين هذين التيارين اتسع نطاق نظرية «غضب الله» والدعوة لمواجهة الحرائق بالدعاء، لأن الدعاء يطفئ الحرائق، وذلك طبقا لحديث ضعيف أو مختلق، الله أعلم، روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول فيه «إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه» وفي قول آخر «يطفئ النار» على اعتبار أن النار من عمل الشيطان، وهو حديث راج على منصات التواصل الاجتماعي. ومن حسن الحظ أن الأهالي الذين يشاركون في إطفاء الحرائق في الجزائر وتركيا وتونس ولبنان وغيرها من بلاد المسلمين، لم يستغنوا عن العمل بالدعاء، وإنما راحوا يأخذون بالأسباب، باستخدام مضخات المياه ووسائل الإطفاء المختلفة، كما أن الحكومة الجزائرية تعاقدت مع الاتحاد الأوروبي على استئجار طائرتين متخصصتين في إطفاء الحرائق. ومع ذلك فما تزال نسبة كبيرة من الناس تعتقد أن ما يشهده العالم من فيضانات وسيول وحرائق هو غضب من الله سبحانه وتعالى، فهل يأخذ بالأسباب من يجهلها أو ينكرها؟!

ثقافة البذخ

الحرائق التي تجتاح غابات العالم شرقا وغربا، هي مجرد مظهر من مظاهر تغيرات المناخ بسبب الأنشطة البشرية الحمقاء، التي تعمل ضد الطبيعة وليس معها، وتقتص منها بدلا من أن تحافظ عليها. ويرتبط تغير المناخ بظواهر أخرى تشتد حدتها منذ أواخر ستينات القرن الماضي، وتتخذ صورا حادة مثل الجفاف والمجاعات وموت الآلاف من البشر والأحياء الطبيعية، وزيادة حدة التصحر وتآكل الشواطئ، وذوبان الكتل الجليدية التي تكونت عبر آلاف السنين. وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات بدأت مبكرا، فإن تجاهلها دفع الطبيعة إلى مستوى آخر من الإنذار، فرفعت البطاقة الحمراء ضد البشرية، كما عبر عن ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرش، الذي قال إن البشرية وصلت إلى الخط الأحمر في علاقتها بالطبيعة. غضب الطبيعة لا يعرف الحدود بين الدول، ولا يعترف بها، ومن ثم فإن مواجهته يجب ألا تكون مقيدة بحدود سياسية، لأن حرق غابات الأمازون يؤدي إلى جفاف ومجاعات في أفريقيا، كما أن ذوبان الثلوج في القطب الشمالي وسيبيريا يترك آثاره المدمرة في الجزائر وأريتريا وميانمار وبنغلاديش وزيمبابوي وناميبيا وغيرها.
إذا تعرض رئيس دولة لمحاولة اغتيال فإن الدنيا تقوم ولا تقعد، إلا بعد القبض على الجاني والقصاص منه، لكن إذا تعرض العالم لعملية اغتيال، فإن حكامه يصمون آذانهم، ويغمضون عيونهم، ويصمتون عن الكلام، بل ويحدث أكثر من ذلك بأن يشارك بعضهم عمدا في ارتكاب الجريمة، كما فعل ترامب عندما قرر سحب بلاده من اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ، وفتح الباب للتنقيب عن النفط والغاز في الغابات والمحميات الطبيعية. وكذلك يفعل بولسونارو رئيس البرازيل حتى الآن، بتشجيع تخريب غابات الأمازون أكبر مصدر لإنتاج الأوكسجين في العالم، التي تمثل وحدها 40 في المئة من الغابات الاستوائية. لكن الحكام ليسوا وحدهم شركاء في الجريمة، بل يشاركهم رجال الأعمال، الذين يقيسون نجاحهم بمقدار ما يحققون من أرباح، حتى لو كانت الأرباح عن طريق تخريب البيئة والأخلاق، فأصبحت الرغبة في الثراء محركا للجشع في الأرباح.
هذه التوجهات لدى الحكام ورجال الأعمال، أسست ثقافة البذخ والإفراط في الاستهلاك، مدفوعة بآلة إعلانية جبارة، للترويج لنمط استهلاكي لم تشهده البشرية من قبل، كما شرحت نعومي كلاين في دراستها عن العلامات التجارية وفوضى البذخ والاستهلاك وجشع الأرباح. ولم تعد الاتهامات لثقافة المجتمع الاستهلاكي التي يحركها الجشع والبذخ، مجرد حجج أخلاقية، بل إن علماء العالم أثبتوا في تقرير المراجعة الأخير للتغيرات المناخية الذي صدرت نسخته الأولية في التاسع من الشهر الحالي، أن استمرار هذه الثقافة يهدد بحرق 3 ملايين عام من تطور الحياة على كوكب الأرض، وعشرة آلاف عام من تطور الحياة البشرية، وينذر بحدوث كوارث، يستحيل التخلص من آثارها، ومنها ذوبان الكتل الجليدية في المناطق القطبية التي تشكلت عبر آلاف السنين، وتمثل غطاء يحفظ توازن الحياة على الأرض. التقرير الصادر عن اللجنة الحكومية للبيئة في الأمم المتحدة يؤكد أنه حتى لو بدأ العالم اليوم إتخاذ إجراءات جدية لوقف زيادة انبعاثات الكربون والغازات السامة، فإن درجة حرارة الغلاف الجوي سترتفع خلال العقدين القادمين بمقدار نصف درجة مئوية إضافية، وهو ما يجعلها أسخن مما كانت عليه في بداية الثورة الصناعية الأولى بحوالي 1.6 درجة مئوية، لأنها الآن أعلى بمقدار 1.1 درجة مئوية. فإذا كان الارتفاع الحالي للحرارة قد أصابنا بهذه التقلبات القاسية في المناخ، فكيف سيكون الحال إذا زادت سخونة المناخ بمقدار نصف درجة مئوية في عام 2040 عن مستواها الحالي؟
وقال التقرير أنه إذا لم يتصرف العالم بجدية فإن حرارة كوكب الأرض سترتفع بمقدار 2 درجة مئوية في عام 2060 وبمقدار 2.7 درجة مئوية في نهاية القرن الحالي. ويشير العلماء في السيناريو الأسوأ إلى أن درجة الحرارة يمكن أن ترتفع إلى مستوى لم تشهده الأرض منذ العصر البليوسيني قبل 3 ملايين عام عندما كان مستوى مياه المحيطات أعلى مما هو عليه الآن بنحو 25 مترا. وأكدوا أن ارتفاع الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية هو الحد الأقصى الذي يمكن للبشرية أن تتحمله وتتكيف معه بالوسائل المختلفة.

المخاطر المتوقعة

يقول العلماء الذين شاركوا في وضع التقرير أن متوسط حرارة المناخ في قارة أفريقيا، التي يعيش فيها أكثر من نصف سكان الدول العربية ارتفع بمقدار 0.7 درجة مئوية خلال القرن العشرين فقط، ومن المرجح أن يستمر في الارتفاع خلال القرن الحالي، ما لم تتخذ دول العالم إجراءات حاسمة لوقفه. وإذا فشلت في ذلك فإن ارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يسهم في حدوث تداعيات خطيرة ، منها فقدان حوالي ثلث المرافق الأساسية للمناطق الساحلية، بما في ذلك التجمعات السكانية في دلتا النيل بمصر وخليج غيانا وفي جامبيا والسنغال في غرب أفريقيا، وزيادة عدد السكان المهددين بمخاطر ارتفاع منسوب مياه البحر من حوالي مليون شخص في العام 1990 إلى 70 مليونا في عام 2080 معظمهم في مصر. وعلى صعيد البيئة النباتية فإن القارة من المرجح أن تفقد أكثر من 5 آلاف من الأنواع المختلفة. وقال التقرير أن ما يتراوح بين 25 إلى 40 في المئة من الأحياء الطبيعية قد تندثر تماما لأنها لن تكون قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية بحلول العام 2085. الخطورة في هذه التقديرات تنبع من أن قطاعات الزراعة والإنتاج الحيواني والصيد ستكون أكثر القطاعات الاقتصادية تضررا، وستزيد نسبة الضرر كلما زادت النسبة التي تستحوذ عليها في إجمالي الإنتاج المحلي.
التقديرات الواردة في تقرير الأمم المتحدة الأخيرة تمثل صدمة لسياسات حكومات العالم التي تهدف لتخفيض صافي الانبعاثات السامة إلى الصفر خلال ثلاثين عاما من الآن، لأنها تقول بصراحة أنه يجب تحقيق ذلك الهدف الآن وليس غدا. وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن الخسارة في الناتج المحلي يمكن أن تصل إلى 50 في المئة في الدول الأشد فقرا. ويقدر البنك الدولي في تقرير أخير أن برامج المحافظة على التنوع الطبيعي في العالم تعاني من فجوة تمويلية هائلة تبلغ في الوقت الحاضر 711 مليار دولار سنويا، وذلك على الرغم من السياسات المالية الجديدة التي تتضمن فرض ضرائب إضافية على الكربون والأنشطة الملوثة للبيئة.

يوم لن ينفع النفط

لعب الفحم والنفط والغاز دور المحرك الرئيسي لارتفاع درجة حرارة المناخ، خصوصا خلال الـ30 عاما الأخيرة. ويقدر تقرير الأمم المتحدة أن زيادة الحرارة في المناطق القطبية خلال تلك الفترة كان يعادل ضعف معدل زيادة الحرارة في بقية الكرة الأرضية، حيث ضربت الحرارة قمم جبال الثلوج، فذابت وبلغت أقل مستوى لها في تموز/يوليو من العام الماضي، وتشقق الكثير منها، بما يهدد بالمزيد من سقوط الكتل الجليدية في المحيطات، وهو ما أدى إلى ارتفاع منسوب مياه البحار في العام الماضي بحوالي 13 سنتيمترا. كما أجرى العلماء دراسات سابقة على مناطق بعينها مثل جزيرة غرين لاند التي تبلغ مساحة الغطاء الجليدي فيها أكثر من ضعف مساحة مصر، وكذلك في بقية مناطق القطبين الشمالي والجنوبي وسيبيريا، وحذرت من أن استمرار ذوبان الجليد سيؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه المحيطات بحوالي 6 أمتار، وهو ما يكفي لاغراق الكثير من المدن الساحلية في العالم. وعلى الرغم من كل التحذيرات التي صاغها علماء البيئة، وكل مظاهر التدهور البيئي التي يشهدها العالم، فإن جهود الحد من انبعاثات الغازات السامة ما تزال ضئيلة جدا. بل إن هذه الانبعاثات سجلت زيادات في السنوات الأخيرة. وطبقا لإحصاءات الأمم المتحدة فإن حجم انبعاثات الكربون في العالم بلغ 31.5 غيغا طن في العام 2009 ارتفع بعد التعافي من الأزمة الاقتصادية إلى 33.2 غيغا طن في العام التالي، ثم وصل إلى 36.8 غيغا طن في العام 2019 قبل انتشار جائحة كورونا، وذلك على الرغم من برامج التخلص من محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم، وإقامة محطات أحدث تعمل بالغاز الأقل تلويثا للبيئة بهدف تخفيض صافي انبعاثات الغازات السامة مثل الكربون والميثان إلى الصفر. لكن حتى بافتراض نجاح العالم في تحقيق ذلك، فإنه سيظل مطالبا بتخفيض درجة حرارة الجو إلى ما كانت عليه في بداية عصر الثورة الصناعية، إذا كان الإنسان يريد أن يعيش في سلام مع البيئة. ولن يتحقق ذلك بدون التحول عن حضارة حرق الوقود الاحفوري إلى حضارة الطاقة النظيفة والنمو الأخضر الصديق للبيئة. ومع أن تلك حضارة يسهل الحديث عنها، فإن تحقيقها ما يزال هدفا بعيد المنال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية