الطريق إلى سينما 25 يناير: الأفلام التسجيلية بين الإيديولوجيا وتوثيق الواقع

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: صدر حديثاً عن الهيئة العامة لقصور الثقافة وضمن سلسلة آفاق السينما كتاب «الطريق إلى سينما 25 يناير» للكاتب محمد بدر الدين، الذي وصفه الناقد سمير فريد في تقديمه للكتاب، بالكاتب الناصري في السياسة وإلايديولوجي في النقد والرومانتيكي في الحياة، ويستطرد فريد حديثه عن مؤلف الكتاب مشيراً إلى تأثره بالكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في كتاباته السياسية وبالناقد سمير فريد في الكتابة النقدية عن السينما. ويضيف فريد ان النقد إلايديولوجي هو النقد الذي يقيس إلاعمال الفنية بالتركيز على مدي اتفاقها او اختلافها مع أيديولوجية الناقد السياسية. وأكد فريد انه يختلف مع رؤية المؤلف حول تاريخ مصر بعد ثورة 1952 الذي أشار إليها ضمن فصول الكتاب.
يتناول الكتاب بالنقد والتحليل التجارب السينمائية المصرية التي أثارت وعي المتلقي واثرت فيه وجاءت بعض المحاولات لربط السينما بنبض الشارع والجمهور. يتكون كتاب «الطريق إلى سينما 25 يناير» من أربعة أبواب، يبدأ الباب إلاول الذي جاء تحت عنوان ثورة السينما وسينما الثورة، في أعقاب ثورة عام 1919 ويشير المؤلف إلى ان الثورات هي أعلى مراحل التغيير السياسي وإلاجتماعي ويرتبط التغيير أيضا بالفنون والثقافة وإلاداب، ويعود بنا إلى أحداث ثورة عام 1919 حيث شهد المجتمع المصري نهضة شاملة على صعيد الثقافة وإلابداع، حتى ان أحد أشهر إلاعمال الفنية في مجال النحت الذي يشير إلى تاريخ هذه المرحلة هو تمثال نهضة مصر للمثال محمود مختار، الذي شيد ذلك الوقت تعبيرا عن صمود الفلاحة المصرية التي تعبر عن مصر، حيث أعاد الروح إلى فن النحت بعد غياب قرون. ويؤكد المؤلف ان نهضة الفنون وتطورها هي إحدى تجليات الحراك والنهوض والبعث الجديد بعد أي ثورة.
ويواصل المؤلف سرد أهم التطورات التي شهدتها الساحة الفنية وإلادبية في مصر بعد ثورة 1919 ،حيث دخلت مصر مرحلة إلاحتراف في إلإنتاج السينمائي من خلال قرار الراحل طلعت حرب بتشييد استوديو مصر عام 1935، فقد لعب استوديو مصر دورا في نقل السينما المصرية إلى مرحلة النضج. يشير الكاتب إلى غياب ما يعرف بسينما الثورة في هذه المرحلة بينما بدأت السينما المصرية تخطو أولى خطواتها نحو إلاحتراف غابت الأفلام التي تتعرض لثورة 1919 ولم يقدم أي فيلم عنها إلا بعد وقوع ثورة جديدة عام 1952، بينما قدمت السينما المصرية فيلم مصطفى كامل قبل ثورة 52 الذي أخرجه أحمد بدرخان، لكن الفيلم تعثر ومنع من العرض واعتقل مؤلفه فتحي رضوان، ولم يفرج عن الفيلم إلا بعد ثورة 52.
يؤكد الكاتب الناصري محمد بدر الدين ان الاتهامات التي وجهت إلى ثورة يوليو/تموز حول موقفها من الثقافة حيث انها الغت ما قبلها واعتبرت ان التاريخ يبدأ مع هذه المرحلة اتهامات باطلة، فثورة يوليو وما تبعها من مرحلة تغيير شامل في أركان الدولة المصرية شهدت اهتماما وتناولا جادا بالفنون والسينما خاصة. السينما المصرية تألقت في فترة الستينات كما أولت مراحل ما قبل ثورة يوليو اهتماما كبيرا. وأشار إلى ان السينما المصرية لم تتناول مواقف تعرضت لها ثورة يوليو إلا في استثناءات نادرة ويشير إلى فيلم ناصر 56 الذي عرض عام 1996 وفيلم أبناء الصمت إنتاج عام 1973، ويعتبر الكاتب ان الكنز الحقيقي لتاريخ السينما المصرية هو الأفلام التي أنتجت ما بين ثورتي «1919 و 1952» خاصة فترة الستينات والتي قام بإنتاجها القطاع العام للسينما الذي كانت تشرف علىه الحكومة.
وصف الكتاب أفلام سينما بين ثورتي 19 و52، انها أعمال كانت تستند إلى الادب لذا فهي على المستوي الدرامي والفني والجمالي تمثل أنضج أفلام هذه المرحلة ليس على صعيد الرؤية الفكرية فقط بل والسياسية أيضاً، ويشير إلى ان الحديث عن السينما والثورة ينقسم إلى 3 مراحل أولها الحديث عن سينما بين ثورتي 1919 و1952 والتي أنتج معظمها في الفترة من 1952 و1970، أي فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والمرحلة الثاني سينما ثورة يوليو أي الأفلام التي أنتجت خلال سنوات الثورة وعبرت برومانسية عن أهداف قيام الثورة، والمرحلة الثالثة سينما ما بعد ثورة يوليو وحتى قيام ثورة 25 يناير أي السينما التي تعبر عن عصر الجمهورية الثانية والانقلاب على ثورة يوليو على حد وصف الكاتب.

السينما التسجيلية والسينما الروائية

يبدأ الباب الثاني من كتاب «الطريق إلى سينما 25 يناير» بالتأكيد على دور لعبته السينما خاصة التسجيلية والروائية القصيرة وأثره على المتلقي. ويسرد الكتاب عددا من الأفلام التسجيلية التي أنتجت بعد 25 يناير والتي اعتمد معظم مخرجيها على تجاربهم الشخصية عند مشاركتهم في أحداث الثورة، سواء الأفلام التي وجدت طريقها إلى المهرجانات السينمائية وحققت نجاحا او الأفلام التي وصفها الكاتب بالمتطفلة التي اقحمت حدث الثورة في أحداثها.
أضاف الكتاب انه في أعقاب ثورة 25 يناير سبقت السينما التسجيلية السينما الروائية من حيث المستوى الفني والفكري، واصبحت السينما التسجيلية قادرة على توثيق التاريخ الحي وغدت جزءا هاما من الثقافة الوطنية وعلامة من علامات التغيير.
يصف الكاتب الناصري في فصل «في سينما الثورة المضادة»، عام 1974 بالعام الكارثي في تاريخ مصر، حيث اتهم نظام السادات بمحاولة محو شرعية ثورة 23 يوليو وترسيخ شرعية جديدة تستمد من انتصار اكتوبر، وفسر هذا العداء على حد قوله ان النظام عادى ثورة يوليو وحاول إهالة التراب عليها وتوجيه السهام المسمومة إليها في حملة تشويه امتدت إلى السينما، التي اعتبرها من اهم الاسلحة التي استخدمت لتشويه النظام الناصري، واصفاً فيلم الكرنك، وفيلم الرصاصة لا تزال في جيبي، بالبداية الفجة التي تحاول تشويه ثورة يوليو وقيادتها، بلغة سطحية وسذاجة واسقاطات سياسية مقززة، وتزييف للحقيقة عبر تقديم فيلم ضد مظالم وقمع وإرهاب ثورة يوليو ونظام حكم عبد الناصر، وهي تجاوزات وصفها الكاتب الناصري بالمحدودة وليست كما روجت لها السينما وإلاعلام في عهد السادات بمبالغات وتضخيم للاخطاء.

رؤية عن الكتاب:

من الطبيعي ان تؤثر الخلفية السياسية للكاتب على منهجة في تناول أي حدث فني، لكن هذا التأثر لا يجوز ان يصل إلى اقتضاب أحداث ومواقف تاريخية ثابته والتحيز إلى الموقف السياسي دون طرح موضوعي، يضعف من مصداقية المؤلف، الكتاب اغفل عرض تاريخ بعض الأفلام التي قام النظام العسكري الحاكم في مصر بعد ثورة يوليو بمصادرتها ومنعها لأنها كانت تنتقد ممارسات بعض ضباط مجلس قيادة الثورة وبعضها أيضاً انتقد نظام حكم عبد الناصر، مستخدماً جهازه الأمني «الرقابة على المصنفات الفنية» في إصدار هذه القرارات، حيث يقول الناقد هاشم النحاس في مقال له بعنوان «لمحات من تاريخ القمع للسينما المصرية»: حينما أراد المخرج محمد كريم ان يصور القرية في فيلم «زينب»، صامتاً عام 1930 ثم ناطقاً عام 1952 حرص على ان تكون القرية نظيفة على المستويين المادي والمعنوي، وابتعد كما ابتعدت بقية الأفلام عن ابداء رأي اجتماعي مغاير لما هو سائد في رقابة ذاتية هي الاسوأ على الاطلاق».
بعد ثورة 1952 تم الحاق سلطة الرقابة على الأفلام بوزارة الداخلية، ولم يكن الحاق الرقابة بهذا الجهاز الأمني إلا إعلان مباشر عن الجهة التي تديره فعليا منذ تأسيسه، ففي عام 1938 منعت وزارة الداخلية عرض فيلم «لاشين» بدعوى انه يتعرض للذات الملكية ويحرض على قلب نظام الحكم. وتوالت بعد ذلك سلسلة منع العديد من الأفلام التي تعكس الحياة الواقعية للشعب المصري في ظل الاحتلال الانجليزي والملكي، والتي تحرض على الثورة ضد النظم القمعية. في عام 1952 منع عرض فيلم «مصطفى كامل» للمخرج أحمد بدرخان، والامثلة عديدة عن الأفلام التي تم منعها في ظل الحكم الملكي، وتم الافراج عنها بعد ثورة 1952، ولكن الثورة لم تنصف الأفلام التي تناولتها بالنقد. منعت الرقابة وقتها فيلم «شيء من الخوف» عام 1969 وكان من أسباب المنع ان الفيلم يشبه نظام الحكم على انه عصابة وان شخصية عتريس ما هي إلا إسقاط على شخص الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أما شخصية فؤادة فهي تمثل مصر التي تم اغتصابها، وأيد منع عرض الفيلم أيضا جهاز الأمن والاتحاد الاشتراكي، ولم يعرض الفيلم وقتها إلا بموافقة شخصية من الرئيس الراحل عبد الناصر بعد مشاهدتة الفيلم.
وتعرض فيلم «المذنبون» للمخرج الراحل سعيد مرزوق لأول حادثه من نوعها فى تاريخ الرقابة كله، حيث تمت محاكمة موظفي الرقابة بأمر من الرئيس السادات لموافقتهم على عرض الفيلم، الذي اعتبره مسيئا للمجتمع.
وتم منع عرض فيلم «زائر الفجر» الذى عرض لمدة أسبوع واحد فقط عام 72 بسبب إلاسقاط السياسي، الذي يتعرض إلى الانتهاكات التي يمارسها جهاز الشرطة تجاه المواطنين، وتم الاعتراض على المشهد الاخير في فيلم «البريء» وحذف من دور العرض، بسبب اعتراض وزارة الداخلية، بينما ظل فيلم «العصفور» عامين كاملين ينتظر العرض لاعتراض الرقابة على عرضه لمهاجمته ثورة يوليو. لم تقتصر المحاذير على تناول السينما للنظم الحاكمة داخل مصر فقط، بل شملت حظر تناول الانظمة السياسية في الدول الصديقة بعد ثورة 1952 تم تغيير قانون الرقابة وانتقلت السلطة من وزارة إلارشاد إلى وزارة الثقافة، واختصر القانون الجديد في حماية النظام العام والاداب ومصالح الدولة العليا، ومنعت الاعمال التي تتعرض لشخصيات وطنية.
نظام السادات لم يكن أفضل من سابقه في تحريم التعرض لسياسات الحكم في مصر من خلال السينما، النظام العسكري الممتد من يوليو وحتى الآن لا يدرك ان السينما محاكاة للواقع ولا يمكن الانفصال عن هذا الواقع. الكتاب يحاول ان يغسل تاريخ ممارسات الحكم الناصري تجاه الفن ويحيل أخطاءه إلى النظام التالي «السادات». والواقع يشير إلى ان كل الأنظمة تتعامل مع الفنون بشيء من الحظر خوفاً من تأثيرها على الجمهور.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية