الطريق إلي الخروج من مثلث برمودا العربي ودائرة سولجنتسين

حجم الخط
0

الطريق إلي الخروج من مثلث برمودا العربي ودائرة سولجنتسين

د. عبدالوهاب الافنديالطريق إلي الخروج من مثلث برمودا العربي ودائرة سولجنتسينفي لحظة نادرة قل أن تتكرر لجيل عربي، وجدنا أنفسنا خلال الأسبوع الماضي في مقعد صناعة التاريخ. كنا لفيفاً من الأكاديميين العرب، جاء معظمنا من المهجر في الغرب، وبخاصة أمريكا الشمالية وبريطانيا، وبعضنا من قطر وقليل منا من بلدان عربية أخري، اجتمعنا في الدوحة بدعوة من مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع لنتداول في قضية ظلت تؤرق الأمة منذ بزوغ فجر الحداثة، وهي قضية توطين العلم والبحث العلمي في عالمنا العربي. وفي هذه المرة، ولمدة ثلاثة أيام علي الأقل، انتقلنا خلال جلسات المؤتمر العربي التأسيسي للعلماء العرب المغتربين من مقاعد المتفرجين علي محنة الأمة إلي مقعد المسؤولية العملية عن حلها، وألقيت علي كاهلنا مهمة تقديم الحلول والاقتراحات العملية من أجل إعادة الاعتبار إلي العقل العربي ، بحسب تعبير الشيخة موزة المسند، حرم أمير قطر ورئيسة مؤسسة قطر، وهي اقتراحات سيتم تنفيذها بدون ابطاء، وسترصد لذلك التنفيذ كل الموارد اللازمة.وهكذا بجرة قلم جردنا من كل الأعذار، وحرمنا من نشاطنا المفضل في توجيه النقد للمقصرين من القادة والزعماء والمسؤولين، ووضعت المسؤولية علي عاتقنا نحن. الفكرة كما جاءت من مؤسسة قطر عبقرية في بساطتها، وهي تطرح السؤال القديم الجديد عن التخلف العربي بالصيغة التالية: هناك كثير من العلماء العرب الناجحين والمتفوقين في مجالات بحثهم، وأكثر هؤلاء موجودون في الغرب، حيث يفوزون بالجوائز الكبري بما فيها جائزة نوبل، ويدير بعضهم شركات كبري أو معاهد بحوث عالمية السمعة لها ميزانيات بمئات الملايين من الدولارات. هؤلاء العلماء أيضاً مسكونون بأزمة بلدانهم والعالم العربي عموماً، وهم يتوقون إلي خلق الظروف التي وفرت لهم أسباب النجاح في بلدانهم المتبناة إلي وطنهم الأصلي. وعليه فإنه لو وجد بلد عربي يتعهد بتوفير أسباب النجاح هذه فإن هؤلاء العلماء سيهرعون إلي مساعدة ذلك البلد بخبراتهم وقدراتهم ومواهبهم ليحقق النجاح الذي يتوق إليه كل عربي. وبالفعل استجاب الأكاديميون العرب الذين وجهت لهم الدعوة بحماس منقطع النظير، وكان مصدر الدهشة أن نكتشف هذا العدد المذهل من العلماء والباحثين العرب الذين يتبوأون مواقع مرموقة في مراكز الأبحاث المتقدمة في الغرب، ناهيك عن الأعداد الكبيرة من الباحثين الشباب في كل موقع، في وقت يعاني فيه العالم العربي من غياب مثل هؤلاء الكوادر.وقد يتساءل متسائل: كيف نتحدث عن توطين العلم في العالم العربي وهو يزخر، بحمد الله بجامعات تسد الأفق، بعضها عريقة يناهز عمرها الألف عام، وتخرج الملايين كل عام، ومراكز بحوث ولا حسد، وعلماء ومعلمون بمئات الآلاف؟ أليس من المبالغة أن نتحدث عن أزمة في مجال العلم والبحث العلمي؟ هذا التساؤل طرح بالفعل من قبل بعض المشاركين علي كلمتي التي تحدثت فيها عن أزمة البحث العلمي في العالم العربي، حيث نبهنا عالم تونسي إلي أن تونس قد حققت إنجازات مهمة في هذا الإطار. ولكنا لم نكد نستبشر بوجود استثناء عربي حتي فوجئنا برسالة وجهت إلي المؤتمر من عالم رياضيات تونسي يشكو إلي زملائه العلماء من اضطهاد ظل يعاني منه لقرابة عقدين من الزمان مما اضطره لإضراب مفتوح عن الطعام حتي تعاد له أبسط حقوقه. ولا شك أن تجويع العلماء حتي الموت ليس الوصفة الأفضل لتحقيق النهضة العلمية.ولا بد أولاً من أن نذكر بأن مسألة توطين العلم الحقيقي، في مقابل استيراد العلم وحتي المعلمين من الخارج، هي قضية حقيقية ظلت تطرح منذ أن فطن إليها المفكر والمصلح الإسلامي الفذ جمال الدين الأفغاني في محاضرة يجب أن تترجم ويقرأها كل طالب عربي، وهي محاضرة بعنوان فوائد الفلسفة ألقاها في نفر من الطلاب في الهند في عام 1882، وتساءل فيها عن سبب عقم المدارس التي أنشئت في مصر والآستانة قبل أكثر من ستين عاماً من محاضرته تلك عن إنجاب علماء حقيقيين وعلم حقيقي، وبقائها عالة علي العلم المستورد؟ وأعيد طرح المسألة بعد نصف قرن علي لسان الأمير شكيب أرسلان، قبل أن يعاد طرحها مجدداً من قبل تقرير التنمية الإنسانية العربية منذ عام 2002. وفي كل هذه التأملات وغيرها أورد الدارسون شواهد مقنعة علي وجود عقم منهجي في مجال البحث العلمي الأصيل في العالم العربي، وهو بنظر هؤلاء جزء من أزمة شاملة ترتبط بالإشكال العام في تأخر النهضة وغياب الحكم الرشيد والبنية الاجتماعية الصحية.وقد ركزت في كلمتي أمام المؤتمر علي هذه النقطة المهمة، مذكراً بأن الأزمة لا تتعلق فقط بغياب الإرادة السياسية، فقد كان الزعماء العرب منذ محمد علي إلي صدام حسين حريصون غاية الحرص علي توفير شروط النهضة والتطور العلمي والصناعي، ولكن أموراً خارجة عن إرادتهم أخرت هذه النهضة. وذكرت بأن الأمر لا يتعلق فقط بالعلوم الحدثية، بل إنه لا توجد لدينا مؤسسات علمية وبحثية رائدة حتي في مجالات الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية. فعندما يقرر داعية مرموق مثل عمرو خالد أن يحضر للدكتوراه في العلوم الإسلامية، فإن أول ما يخطر بباله لا يكون جامعة الأزهر أو المدينة، أو حتي الجامعات الإسلامية الحديثة في إسلام أباد وكوالالمبور، بل يتجه مباشرة كما فعل إلي جامعة مثل جامعة ويلز في بريطانيا. وقس علي ذلك.ولا يتعلق الأمر فقط بالهمة في جذب الكوادر، فالبلاد العربية الغنية بالنفط تجذب هذه الأيام كبار العلماء والأطباء والمتخصصين في كل مجال، ولكن هذه البلاد تحولت إلي ما سميته بـ مثلث برمودا العربي الذي ما أن يلجه العلماء حتي يختفي أحدهم بدون أثر وفي ظروف غامضة. ولم نسمع لهؤلاء العلماء والمتخصصين بعطاء أو كشف تتناقله الركبان. والزعيم العربي حين يمرض فإنه لا يقصد تلك المستشفيات التي أنفق عليها المليارات، بل يستقل اول طائرة إلي لندن أو كليفلاند أو جنيف بحثاً عن العلاج. فالأمر لا يتعلق بمجرد العجز عن اكتشاف علاج للأمراض المستعصية في مختبراتنا الصحية، بل مجرد تقديم العلاج علي مستوي لائق. مهما يكن فإن مؤسسة قطر بدعوتها هذه قد وضعت الكرة في ملعبنا، وألقت المهمة علي عاتق الأكاديميين الذين تقدموا بمقترحات محددة تتعلق بخلق مناخ جاذب للبحث العلمي في قطر، وشرعوا في طرح مشاريع لتطوير البحوث في ثلاثة مجالات أساسية، هي مجالات البيئة وتقنية المعلومات والطب الحيوي والتقنية الحيوية. وتم الاتفاق علي خطوات مبدئية نحو تأسيس شراكة بين مؤسسة قطر والعلماء العرب في المهجر تشمل التعاون في مجالات الأبحاث هذه عبر آليات يتم التداول حولها. وكان الأكاديميون الزائرون أبدوا إعجابهم بالخطوات العملية التي اتخذتها مؤسسة قطر مسبقاً في إطار رؤية شاملة لبناء نهضة علمية أصيلة، وهي خطوات تمثلت في بناء المؤسسات، وإعداد البنية التحتية وتوفير التمويل والمناخ المساعد.ولا شك أن هذه هي الخطوة الأولي نحو تحقيق اختراق في مجال توطين البحث العلمي ذي النوعية العالية في بقعة مختارة من العالم العربي. وكما توقع البعض فإن هذه الخطوات الجريئة التي اتخذتها قطر حفزت دولا عربية أخري لدخول مجال المنافسة، وهو أمر تخوف البعض من أن يؤدي إلي تبديد الجهود، ولكننا نري بالعكس، إنه هو بالتحديد ما هو مطلوب لخلق البيئة الملائمة لنهضة علمية التنافس علي بناء المؤسسات الرائدة وعلي جذب خيرة العلماء إليها هو أحد أهم الشروط.ولكن المهم في كل هذا هو طرح رؤية شاملة متكاملة للنهضة العلمية، وليس مجرد السير علي الطريق القديم في طرح الحلول الجزئية. فإذا اقتصرت مشروعات الشراكة المقترحة علي معالجة المشاكل الجزئية فإن هذا سيعيدنا إلي المربع الأول الذي ظللنا نرواح مكاننا فيه منذ أيام محمد علي. وقد كانت هذه نقطة نقاش محتدم أثناء مداولات المؤتمر، وأيضاً موضوع سجالات إعلامية متصلة. وفي برنامج حواري نظمته إذاعة قطر حول الموضوع طرح موضوع العراق وما حققه من نهضة علمية كانت من بعض أسباب العدوان عليه، بزعم أنه حقق نجاحاً مقدراً في مجال تطويرالأسلحة. وتحدث البعض عما يتعرض له العلماء العراقيون هذه الأيام من استهداف منهجي يثير تساؤلات مهمة عن من يقف وراءه.ولا شك أن استهداف العلماء في العراق بالتقتيل يعتبر ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلاً في عالمنا العربي الذي يواجه مشاكل حتي وهو يجتهد في إعداد العلماء ودعمهم. وإذا كنا ننعي علي حكوماتنا تقصيرها في دعم العلماء والتعرض لبعضهم بالمضايقات ونري هذا أحد الأسباب الرئيسية لتخلف نهضتنا العلمية، فإن من يتولي تقتيل العلماء بهذه الصورة المنهجية هو عدو من أعدي أعداء الأمة، مهما كانت الشعارات التي يتلبس بها.من جهة أخري فإنني قد نبهت في مداخلتي في ذلك البرنامج الإذاعي إلي أن الإشكال العراقي كان قائماً حتي في العهد السابق الذي اتبع النهج السوفييتي في المزاوجة بين القمع والهوس بالتقدم العلمي. وقد عكس الروائي الروسي الشهير أليكساندر سولجنتسين طبيعة الحالة السوفيتية في روايته الدائرة الأولي (والعنوان مقتبس من دانتي الذي صور في الكوميديا الإلهية الدائرة الاولي في الجحيم باعتبارها أخف مواردها عذاباً، وخصصها لخيار الكفار ومبدعيهم من أمثال فيرجيل). وفي هذه الرواية يصور سولجنتسين سجناً رواده فقط من العلماء الذين يخفف عنهم العذاب مقابل تسخير طاقاتهم لخدمة النظام. ويركز سولجنتسين علي خبير يبتكر جهازاً لكشف البصمات الصوتية يستخدم بعد ذلك من قبل الدولة في اعتقال دبلوماسي روسي من عائلة مرفهة كان قد حذر أحد أساتذته السابقين هاتفياً عن قرب اعتقاله ونصحه بالهروب من روسيا. ولا شك أن العالم العربي في مجمله هو دائرة أولي بهذا المعني يخفف العذاب فيها عن البعض مقابل أن يسخروا كل ما عندهم لخدمة أجهزة القمع والهيمنة. وهو وضع قد يحقق بعضاً من أهدافه، ولكن سكان الجحيم ليسوا بالقطع أسعد الناس، ولا أرضاهم بما هم فيه، وليس بمستغرب عليهم ألا يجتهدوا في ما من شأنه استدامة الأوضاع التي يعيشونها، بل بالعكس هم يأملون في تقويض هذا الجحيم ويجتهدون في ذلك، أحياناً بعدم الاجتهاد فيما يكلفون به من أعمال. وعليه فإن النهضة العلمية لن تتم بهذه الطريقة، وحتي لو تمت فلا قيمة للتنمية التي تتم علي حساب الإنسان وليس من أجله.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية