الطريق إلي تل أبيب!

حجم الخط
0

الطريق إلي تل أبيب!

جواد البشيتيالطريق إلي تل أبيب! ليس مهما الوصف والصفات، فتفجير الشاب الفلسطيني لنفسه في مكان يعج بمدنيين إسرائيليين في سبيل قتلهم إنما هو من الأعمال التي نختلف كثيرا في وصفها، فثمة من يصف ذاك التفجير، وأمثاله، بأنه عمل استشهادي، وثمة من يصفه بأنه عمل إرهابي وحقير ودنيء وجبان..لن ننزه تفجير حركة الجهاد الإسلامي لتلك القنبلة البشرية في تل أبيب عن الإرهاب؛ ذلك لأن فيها كثيرا من معاني وصفات وخواص الإرهاب، الذي هو في حاله الفلسطينية حيلة العاجز، أي حيلة فلسطيني أعجزته إسرائيل والولايات المتحدة، وغيرهما من الأبعدين والأقربين، عن ممارسة حقه المشروع في مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس بوسيلة غير تلك الوسيلة، التي لا يلقي استعمالها، ومهما كان المبرر، أي تأييد دولي. من قبل، كان في منزلة البديهية أن تقول إن الاحتلال يولِّد المقـــاومة. أما الآن، أو من الآن وصاعدا، فإن المـــقاومة تتحول إلي فعل صعب، وفي منتهي الصعوبة، فيَنتُج من استصعابها هذا الاستسهال الإرهابي.هل يحق للفلسطينيين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي عسكريا؟ لن نختلف مع بعضنا بعضا في أن لهم الحق في ذلك، وإن كان بعضنا سيشترط نبذ الإرهاب، والتوقف التام عن تفجير القنابل البشرية في المدن الإسرائيلية، مع زيادة استهداف المقاومين الفلسطينيين للجنود (والمستوطنين) الإسرائيليين. ولكن هل ما زال الفلسطينيون قادرين علي ممارسة المقاومة العسكرية التي لا مكان فيها للإرهاب؟!ولو كان لي أن أدعو المجتمع الدولي إلي مكافحة ناجحة وناجعة للإرهاب لدعوته إلي القيام بواجبه وهو تمكين الشعوب من ممارسة حقها المشروع في مقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس بوسائل وطرائق عسكرية وقتالية مجدية، وتكفيهم، بالتالي، شر اللجوء إلي الإرهاب، الذي هو وليد يأسهم العسكري والقتالي.التفجير الانتحاري، أو الاستشهادي، أو الإرهابي، في تل أبيب ليس بالعمل الذي نحتاج إلي مناقشته أخلاقيا، أو إنسانيا، أو دينيا، فتمييز خيره من شره إنما تتولاه السياسة، ونهج البرغماتية السياسية. وبحسب هذا المعيار السياسي الخالص، لا يمكننا فهم ذاك التفجير إلا علي أنه عمل يلحق ضررا كبيرا بالفلسطينيين ومصالحهم وقضيتهم القومية، مع أن إسرائيل لم تُبقِ للفلسطينيين من المصالح العليا ما يستأهل حفظها وصونها، فالمساعدات المالية التي كانوا يتلقونها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة توقفت، وأموالهم تحتجزها إسرائيل، والموظفون الحكوميون (نحو 140 ألف موظف) بلا رواتب، والبطالة مستفحلة، والمواد الغذائية الأساسية، والأدوية، في تناقص مستمر ومتزايد، وصادراتهم تتضاءل، والنقود، إذا ما وصلت، وعلي قلتها في أيديهم، قد تفقد أهميتها إذا ما استمر وتزايد الإفقار البضاعي لأسواقهم. إنهم في مكان وزمان يُنتِج، ويوسِّع إنتاج، الشمشونية ، ولا يسمح لأمثال المسيح أو غاندي بالظهور. ومع أنهم يعانون أكثر كثيرا من الإسرائيليين عواقب تفجير القنابل البشرية فإن أسماع غالبيتهم تمج انتقاد هذا النمط من المقاومة العسكرية، فالتزامهم الهدنة ما عاد عليهم إلا بمزيد من الحرب الإسرائيلية الشاملة، فلم تعرف حياتهم من فرق يعتد به بين الهدنة والحرب، فإن حاربوا قتلوا، وإن هادنوا قتلوا، فكيف لهم أن يفاضلوا؟! حتي المواقف فقدت تماسكها المنطقي، فـ حماس ، حركةً وحكومةً، رأت في ضربة تل أبيب ممارسة للحق الشرعي للشعب الفلسطيني في المقاومة، قائلة إن وسيلة المقاومة تحددها وسيلة العدوان. قالت ذلك وكأن ممارسة هذا الحق واجب غيرها وليس واجبها هي أيضا!ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية