عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض يكشف الفيلم البريطاني ‘الطريق الايرلندية’ يوميات جرائم قوات الاحتلال في العراق، والفيلم الروائي الطويل عرض لأول مرة في مهرجان كان، واعتبر كواحد من ابرز الأفلام العالمية التي عرضت باحتفاء نقدي ضمن (كان) السينمائي العام الفائت، تم عرضه في مركز الحسين الثقافي وسط العاصمة الأردنية بتنظيم الهيئة الملكية للأفلام وبحضور مخرجه كين لوتش، والمنتجة ريبيكا أوبراين، وكاتب السيناريو بول لافرتي، الذي شارك في الحوار مع الحضور بعد العرض الذي حظي بحضور جماهيري حاشد من محبي السينما والنقاد والإعلاميين الأردنيين، والفيلم من إنتاج العام الماضي وقد صور جزئيا في الأردن.
وقبيل عرض الفيلم (109 دقائق، روائي، بالإنكليزية، إنتاج بريطانيا، 2010)، والذي صور واقع العراق في ظل الاحتلال، قال المخرج البريطاني كين لوتش إن فيلمه الروائي ‘الطريق الايرلندية’ يعاين عذابات إنسانية لأفراد من المواطنين العراقيين جراء الحرب التي شنت على العراق وانعكاساتها، معلنا للجمهور انه يتمنى أن يشاهد العديد من الأفلام السينمائية العراقية والعربية التي تروي قصص وحكايات هذه الحرب التي عانى منها المجتمع العراقي والإنساني كما أعرب المخرج كين لوتش للجمهور الأردني عن بالغ سعادته لزيارته الأردن مرة أخرى، وعرض الفيلم بدعم من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام التي شكرها أيضا، مثمنا التسهيلات التي قدمتها له ولفريق العمل أثناء تصوير الفيلم، منوها بزيارته مؤخرا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة مشددا على مناهضته لكل أشكال الظلم والعنصرية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. واشتهر المخرج البريطاني كين لوتش بتجسيد مواقفه وقناعاته السياسية في أفلامه، وهو احد القلائل في العالم الذين ما يزالون يعتقدون بقدرة الفن على التغيير وعلى تحقيق إنجازات ومكاسب بغية النهوض من بؤس الأوضاع بعيدا عن المفهوم الاستهلاكي والدعائي الفج لوظيفة الفيلم. أخرج 45 فيلماً روائياً ووثائقياً. ولد كين لوتش في مقاطعة يوركشاير الإنكليزية العام 1936، درس الحقوق في جامعة أكسفورد، قبل أن يتحول إلى مخرج ملتزم بالقضايا الاجتماعية والسياسية على مدى أربعة عقود من الزمان. والمتتبع لمسيرة لوتش السينمائية، منذ بداياته في’بقرة فقيرة’ 1967، و ‘kes’ 1969، مروراً بأعماله التلفزيونية ‘كاثي عودي إلى المنزل’ 1966، وأعماله السينمائية الشهيرة ‘الأجندة المخفيّة’ 1990، وصولاً إلى أعماله الأخيرة، يلحظ أسلوبه الواقعي وحرصه على نقل واقع الطبقة العاملة، بصعوبة حياتها وبساطتها، ويضع شخصياته غالباً أمام خيارات صعبة، اقتصادية كانت أو سياسية. لوتش يساري مخضرم، وهو أحد أعضاء ‘احترام’ حزب النائب البريطاني الشهير جورج غالاوي، المعروف بمواقفه المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، وهو أحد المؤيدين لـ ‘الحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل’. وحاز لوتش جائزة الأسد الذهبي لإنجازاته السينمائية كافة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وجائزة خاصة بمناسبة الذكرى العشرين لجائزة لجنة الأديان في مهرجان كان السينمائي.
كانت آخر مواقف لوتش الشجاعة اصطفافه مع الحقوق العربية المشروعة في فلسطين ضد الممارسات الإسرائيلية وذلك لدى اتخاذه قرار مقاطعة مهرجان ملبورن السينمائي في استراليا وسحب فيلمه المسمى’البحث عن إيريك’، والذي يتناول قصة لاعب الكرة الفرنسي المعتزل إريك كانتونا من العروض المخصصة للمهرجان بعد اكتشافه ان المهرجان يتلقى الدعم والتمويل من إسرائيل.
وفي أكثر من مناسبة طالب المخرج لوتش زملاءه السينمائيين والأكاديميين والمثقفين بمقاطعة الفعاليات الثقافية والفنية في إسرائيل جراء ممارساتها اليومية من قتل وتدمير وإعاقة الفلسطينيين في نيل حريتهم.
وعودة لفيلم ‘الطريق الأيرلندية’ هو الاسم الذي أُطلق على الطريق الذي يَصل مطار العاصمة العراقية بغداد بما يسمى ‘المنطقة الخضراء’، وهي من أكثر المواقع العسكرية تحصيناً في العراق، ويستكشف الفيلم العالم الغامض الذي يعيش فيه الجنود البريطانيون الذين عملوا لدى شركات أمنيةً في العراق حيث يعاني معظمهم من مشاكل نفسية، كما يتطرق العمل الى معاناة العراقيين في ظل الإجراءات التعسفية لقوات الاحتلال ومنها مداهمة المنازل ليلا والاعتقالات العشوائية والتعذيب في السجون وغيرها من الصور المروعة التي ذكرت الجمهور بالمشاهد التي بثتها وسائل الإعلام العالمية قبل سنوات لسجن أبو غريب في بغداد. ويبرز فيلم ‘الطريق الايرلندية’ علاقة صداقة تجمع بين شابين بريطانيين يقتل احدهما أثناء مشاركته في الحرب في حين يأخذ صديقه على عاتقه الثأر لمقتله لكنه قبل ذلك يلجأ إلى عملية بحث وتحقيق عن الظروف التي أدت إلى مقتله ليصطدم بوقائع جديدة تتعلق بادوار وعمل شركات الأمن الخاصة في العراق، ويحكي الفيلم الأحداث التي تبدأ عندما يَحضُر فيرغوس مراسم عزاء صديقه وزميله المقرب ويشتد غضبه لموته وينوي الثأر لحياة صديق طفولته والبحث في الظروف الغامضة التي تسببت بمقتله.
ويعد ‘الطريق الأيرلندية’ شهادة سينمائية حقيقية لما أفرزته الحرب في العراق من قضايا ومسائل تخص الغرب الأوروبي، تماما كما في بعض الأفلام الأمريكية التي قدمت خلال السنوات الثلاث الماضية الحرب في العراق، ومنها فيلم ‘خزنة الألم’ لكاثرين بيغلو، والذي صورت مشاهده في الأردن أيضا، وفيلم ‘المنطقة الخضراء’ لبول غرينغراس، فإن الأحداث وشخصياتها الرئيسية ليست عراقية، بل أمريكية وبريطانية في الأفلام السابقة وايرلندية كما في فيلم ‘الطريق الايرلندية’، لكن حصة الحال العراقية أوسع كثيرا في هذا الفيلم من مساحتها في الأفلام السابقة.
ويتحدث كاتب سيناريو الفيلم بول لافرتي -الذي سبق له وأن كتب عدّة أعمال للمخرج لوتش- عن مؤسسة أمن بريطانية ‘تصدر’ رجالها إلى حيث تكمن الحروب، وما الذي يحدث عندما تعود جثّة صديق لبطل الفيلم فرغيس (ووماك) فيصدم، فالفقيد كان من أعز أصدقائه ومن أجله يقتحم الكنيسة ليلاً ويكسر التابوت لينظر إلى وجه صديقه للمرّة الأخيرة. لا نرى وجهه، لكننا نعي أن الجثّة مزّقت وشوهت بالرصاص، بذريعة أن كميناً نُصب له من قِبل مقاومين عراقيين. لكن فرغيس غير راض عن هذه الرواية ويبدأ بحثاً عن الحقائق من تلك النقطة وحتى نهاية الفيلم. وكلّما مضى أبعد قليلاً في تحقيقاته تبيّن أن المسألة لها علاقة بمحاولة التستّر على مذبحة أخرى قام بها رجال تلك المؤسسة قتلوا خلالها سائق تاكسي وحمولته من الركّاب الأبرياء. الواضح أن صديق فرغيس لم يكن ليرضى بأن يصمت عما حدث مما يتطلّب إخماده قبل أن يتسبب في فضيحة تضر بالمؤسسة وسمعتها التي تساوي عشرات ملايين الدولارات على شكل مهام عسكرية.
الفيلم يشير إلى المؤسسة الأمنية الأمريكية التي طالتها فضيحة مماثلة قبل بضعة أعوام، والتي لا تزال رغم ذلك تعمل داخل العراق متمتّعة، حسب وصف الفيلم، بحرية عمل تفوق تلك التي للجنود البريطانيين أو الأمريكيين أنفسهم. الفيلم بذلك يصبح مناسبة للنيل منها كما من الحرب العراقية بكاملها وهذا ليس عجيباً أو غريباً من المخرج المعارض لوتش، الغريب هو كيف أن الفيلم يكاد يفلت، في صلب حكايته، من بين أصابع مخرجه. صحيح أن الطرح يبقى جادّاً للغاية، والمضمون يحمل رسالته المعادية للحرب وللأدوار الغربية فيها بلا مواربة، لكن السيناريو لا يستطيع إلا أن يتّكئ في أكثر من مكان على الواقع، والبحث عن الحقيقة، القيادة الفردية لهذا البحث، المصاعب التي تواجهه، احتدام الصراع مع محاولة ثني المحقق عن هدفه أو تهديده، وتغلّبه على المصاعب وكشفه الحقيقة في نهاية الفيلم رغم شراسة ذلك الصراع. المخرج لوتش أتاح مساحة أكبر لتقديم شخصيات عراقية، فهناك شخصية رجل عراقي يساعد في حل القضية معرّضاً حياته للخطر، هو أيضاً مغن يسمح له الفيلم بالغناء العراقي أمام جمهور يشي أنه من المثقّفين والمعارضين، كما يرصده الفيلم مرّة أخرى حين تداهم شقّته فرقة من المسلّحين الذين يبحثون في حوزته عن هاتف جوّال يساعد في كشف حقيقة ما جرى حين قام رجال المؤسسة بفتح النيران على التاكسي وركّابه.