الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين هي الخطر الاقتصادي الأكبر الذي يهدد العالم شماله وجنوبه، وشرقه وغربه. ولا يبدو في ذلك الوصف أي مبالغة، فالعالم بعد الحرب التجارية ليس كما كان قبلها، توقعات النمو تتراجع بنسبة كبيرة، وأسعار الفائدة والعملات غير مستقرة ما دعا المستثمرين للجوء إلى الملاذات الآمنة للقيمة وعلى رأسها الذهب والعقارات. وبسبب تراجع توقعات النمو انخفض الطلب على المواد الأولية التي تمثل عصب قنوات النقد الأجنبي للدول النامية غير الصناعية، وانخفض الطلب على النفط فهبطت أسعاره بأكثر من 25 في المئة عن مستواها في العامين الأخيرين. الأخطر من ذلك كله هو حالة عدم اليقين التي تسيطر على السياسات الاقتصادية وصناع القرار في القطاعين العام والخاص. ونظرا لهشاشة الاقتصاد العالمي ككل بسبب تداعيات جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، فإن الآثار السلبية للحرب التجارية من المرجح أن تتجاوز كافة التوقعات إلا في حال التوصل إلى حل يضع حدا لها وينهيها لفتح الطريق إلى يقين قوي بشأن السياسة الاقتصادية، ونظام مضمون ومستقر ومستدام للعلاقات التجارية بين دول العالم. إن منظمة التجارة العالمية، التي تمثل الضلع الثالث للنظام الاقتصادي العالمي المتعدد الأطراف مع كل من البنك الدولي وصندوق النقد، فقدت بسبب الحرب التجارية أي قدرة على التدخل لمنع الحرب من الاتساع، وإيجاد حلول مرضية للأطراف المختلفة على أساس المبادئ الثلاثة التي قامت عليها، وهي عدم التمييز، والمعاملة بالمثل، والسعي لإنهاء القيود الجمركية وغير الجمركية التي تهدد نمو التجارة بين دول العالم. وقد حذّر البنك الدولي من أن الاقتصاد العالمي سينمو بأبطأ وتيرة له منذ ستينيات القرن الماضي، في ظلّ الاضطرابات التي أحدثها دونالد ترامب في التجارة العالمية.
وعدّل البنك الدولي تقديراته للنمو في العالم لهذا العام بتخفيضها بنسبة 0.4 نقطة مئوية إلى 2.3 في المئة، وهو ما سيكون أسوأ عام منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، باستثناء سنوات الركود العالمي. وأشار البنك إلى أنه بحلول عام 2027، سيبلغ متوسط النمو العالمي 2.5 في المئة فقط في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، وهو ما يمثل أسوأ عقد من عقود النمو منذ ستينيات القرن الماضي، عندما كان العالم يعاني من تأثير الحرب الباردة وسباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الذي انهار في نهاية القرن العشرين. وحذر البنك الدولي من أن النمو العالمي يتباطأ «بسبب الارتفاع الكبير في الحواجز التجارية والآثار الشاملة لبيئة سياسية عالمية غير مستقرة». وقال كبير الاقتصاديين، إندرميت جيل: «يواجه الاقتصاد العالمي اضطرابات متجددة. وبدون تصحيح سريع للمسار، قد يكون الضرر على مستويات المعيشة بالغا». وأضاف أن الحرب التجارية قلبت العديد من الثوابت السياسية التي أسهمت في الحد من الفقر المدقع وتعزيز الرخاء بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتحت الظلال القاتمة لهذه المعطيات السلبية اكتسبت جولة المباحثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي استضافتها لندن خلال الأسبوع الماضي أهمية كبيرة، لأنها تمثل اللقاء الأول بين السلطات التجارية في أكبر اقتصادين في العالم، على أساس «آلية جنيف» التي تم التوصل إليها في الشهر الماضي، من أجل السعي إلى تفكيك العُقَد التجارية بين الطرفين ومحاولة التوصل إلى حل مقبول لكل منهما. في نهاية الأمر تريد الولايات المتحدة إقامة توازن في علاقاتها التجارية بالصين، ينهي العجز المزمن في ميزانها التجاري، الذي بلغ 295.4 مليار دولار في عام 2024، وهو الأكبر مع أي شريك تجاري آخر. ويعتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الصين تعتمد على معايير غير عادلة في التجارة مع الولايات المتحدة، وأنها يجب ان تفتح أسواقها للسلع الأمريكية، كما تفعل الولايات المتحدة مع السلع الصينية. ما يجهله ترامب هنا هو قانون التنافسية الذي تتفوق فيه المنتجات الصينية، وأن الإنتاج في الولايات المتحدة نفسها يعتمد إلى درجة كبيرة على سلاسل إنتاج تشارك الصين في حلقاتها بقوة، نتيجة قدرتها على توريد احتياجات الصناعات المختلفة بدءا من المواد الخام إلى مواد التغليف والتعبئة والمنتجات شبه النهائية. كذلك فإن ترامب يجهل حقيقة أخرى وهي أن بدائل المنتجات الصينية التي يمكن للولايات المتحدة استيرادها من دول أخرى، تحتوي أيضا على مكونات صينية بنسب مختلفة. لقد استطاعت الصين أن تصنع من نفسها حقيقة اقتصادية لا يمكن للعالم الاستغناء عنها بسهولة، ولا في زمن قصير. ولذلك فإن ما يحاول ترامب أن يجعل الصين تشتريه من الولايات المتحدة لتحقيق التوازن التجاري لا تملك منه الولايات المتحدة إلا النزر اليسير. الولايات المتحدة لا تزال متفوقة على الصين في إنتاج الرقائق الإلكترونية الفائقة السرعة، وفي إنتاج محركات الطائرات، وفي مجالات التطبيقات التكنولوجية المتقدمة في صناعة المعلومات. باستثناء ذلك فإن أهمية الولايات المتحدة الاقتصادية بالنسبة للصين هي سوقها الواسعة. ومع أن السوق الأمريكية أصغر من الصينية باستخدام مقياس معادل القوة الشرائية للدولار، فإنها أكبر سوق في العالم توفر فرصا للصين للتوسع في الصادرات. لكن، بسبب الحرب التجارية لم تعد الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأول للصين، وإنما تراجعت إلى المركز الثالث بعد دول رابطة آسيان والاتحاد الأوروبي. وليس من مصلحة الصين أن تخسر السوق الأمريكية أو أن تستمر حصتها في التناقص. ومن هنا كان حرص الرئيس الصيني شي جين بينغ على تلبية دعوة الرئيس الأمريكي في الخامس من الشهر الحالي للدخول في مفاوضات من أجل تجنب التصعيد في الحرب التجارية، والعمل على التوصل إلى حلول ترضي الطرفين.
المسألة الأساسية التي سيطرت على جدول أعمال المفاوضات في لندن كانت بحث رفع القيود على الصادرات، التي لجأت إليها كل من الولايات المتحدة والصين. وحيث أن الصين تحتكر تقريبا التجارة العالمية في العناصر الأرضية النادرة، وهي معادن واسعة الاستخدام في الصناعات التكنولوجية المتقدمة وصناعات الأسلحة والطائرات والفضاء وبطاريات السيارات الكهربائية، فإنها قررت فرض حظر على تصدير هذه العناصر إلا بتصريح خاص تصدره وزارة التجارة. وفي هذا السياق فإنها تتأكد أولا من هوية الشركة المستوردة، وطبيعة استخدام العناصر النادرة، وتتضمن أهم معايير التصريح بالتصدير حظر استخدام العناصر في الصناعات العسكرية، وفرض قيود على الكميات المصدرة. وقد أدى ذلك عمليا إلى إعاقة عمليات الإنتاج في الصناعات العسكرية وصناعة الطائرات وكذلك صناعة بطاريات السيارات في الولايات المتحدة. الأكثر من ذلك أن المشروع الأمريكي الطموح الذي يرتبط باسم الرئيس ترامب لإنتاج مقاتلة- قاذفة من الجيل السادس لتصبح عماد سلاح الجو الأمريكي التي اختار لها ترامب اسم (إف- 47) على اعتبار أنه الرئيس رقم 47 للولايات المتحدة في فترة رئاسته الثانية، قد لا يرى النور في عهده إذا استمرت الصين في تقييد صادراتها من العناصر النادرة للولايات المتحدة. من ناحيتها فإن الإدارة الأمريكية أعلنت مجموعة من القيود على الصادرات إلى الصين، بصرف النظر عن التعريفات الجمركية، تتضمن حظر تصدير محركات الطائرات والتكنولوجيا المرتبطة بها، وكذلك حظر تصدير الرقائق الإلكترونية الفائقة السرعة، كما وضعت شركات صناعية صينية على القائمة السوداء، وحظرت دخول الطلاب الصينيين للدراسة في الجامعات الأمريكية. وقد جاء إعلان بعض هذه الإجراءات بعد انتهاء جولة مفاوضات جنيف في الشهر الماضي ضربة لمحاولة تصفية الأجواء وبناء الثقة بين الطرفين. ويعتقد المسؤولون والخبراء في الصين أن الولايات المتحدة ليست صادقة في المفاوضات التجارية، وأن أمامها الكثير مما يجب ان تفعله حتى تعود العلاقات التجارية بين البلدين إلى ما كانت عليه في العام الماضي.
مرونة متبادلة لتجنب التصعيد
توصلت الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق أولي في جنيف لوقف التصعيد وإنشاء آلية للمفاوضات لتسوية الخلافات. وتضمن الاتفاق الأولي الذي جرى إعلانه في 12 من الشهر الماضي التزام كل من الولايات المتحدة والصين بتخفيض التعريفات الجمركية بنسبة 115 في المئة مع الاحتفاظ بتعريفة إضافية بنسبة 10 في المئة اعتبارا من يوم 14 من الشهر نفسه، لكن التدابير الأمريكية الأخرى تظل سارية، حتى يتم التباحث في شأنها. وطبقا للبيان الصادر عن البيت الأبيض في هذا الخصوص يٌعَدّ هذا الاتفاق التجاري انتصارًا للولايات المتحدة، باعتباره صفقة تعود بالنفع على الشعب الأمريكي. وتضمن الاتفاق أن تلغي الصين التعريفات الجمركية الانتقامية التي أعلنت عنها منذ 4 نيسان/أبريل الماضي، وأن تعلق أيضا أو تزيل التدابير المضادة غير الجمركية المتخذة ضد الولايات المتحدة منذ 2 من الشهر نفسه. كما تتضمن الإجراءات أن تقوم الصين بتعليق تعريفتها الجمركية الأولية البالغة 34 في المئة على الولايات المتحدة والتي أعلنتها في 4 نيسان/أبريل الماضي لمدة 90 يوما، لكنها ستظل تحتفظ بتعريفة بنسبة 10 في المئة خلال فترة التوقف.
أما الولايات المتحدة فإنها طبقا للاتفاق تلتزم بإلغاء التعريفات الجمركية الإضافية التي فرضتها على الصين في 8 و9 نيسان/أبريل الماضي، لكنها ستحتفظ بجميع الرسوم الجمركية المفروضة على الصين قبل 2 نيسان/أبريل الماضي، بما في ذلك تعريفات المادة 301، وتعريفات المادة 232، والتعريفات الجمركية المفروضة استجابةً لحالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بمادة «الفنتانيل»، وهي مادة تستخدم في تصنيع المخدرات، نفت الصين في مناسبات كثيرة أنها ضالعة في تصديرها. كذلك تلتزم الولايات المتحدة بتعليق تعريفتها الجمركية المتبادلة بنسبة 34 في المئة، والتي فرضتها في 2 نيسان/أبريل 2025 لمدة 90 يومًا، مع الإبقاء على تعريفة بنسبة 10 في المئة خلال فترة التوقف. وقال الرئيس الأمريكي أن فرض تعريفة الـ 10 في المئة على واردات الولايات المتحدة من دول العالم يرسي أساسا عادلا يُشجع الإنتاج المحلي، ويُعزز سلاسل التوريد ويضمن أن تدعم سياسة التجارة الأمريكية العمال الأمريكيين أولًا، بدلا من إضعافهم. كما يستهدف الاتفاق أيضا معالجة الاختلالات التجارية لتحقيق فوائد حقيقية ودائمة للعمال والمزارعين والشركات الأمريكية. وعلى أساس الآلية التي تم الاتفاق عليها في جنيف كانت الجولة الثانية من المفاوضات التجارية التي بدأت في لندن يوم 9 من الشهر الحالي.
وقال المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض كيفن هاسيت يوم بدء المفاوضات إن الولايات المتحدة قد ترفع ضوابط التصدير التي فرضتها مؤخرا على سلع مثل أشباه الموصلات إذا قامت الصين بتسريع تسليم المعادن النادرة والمواد المغناطيسية التي تعتبر حيوية لاقتصادها. وقد أثار قرار الصين بفرض قيود على تصدير العناصر النادرة حالة من الفزع بين صناع السياسات الاقتصادية، وفي مصانع الشركات في جميع أنحاء العالم. وعندما صرح وزير التجارة الأمريكي، هوارد لوتنك في نهاية اليوم الأول لمفاوضات لندن، بأن المحادثات التجارية مع الصين «تسير على ما يرام» فإنه أشاع حالة من التفاؤل في أسواق العالم، حيث سجلت أسواق الأسهم والدولار مكاسب كبيرة مع ابتعاد شبح التصعيد في الحرب التجارية. وفي السياق نفسه أكد المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، أنه من المرجح أن توافق واشنطن على رفع ضوابط التصدير على بعض أشباه الموصلات مقابل قيام الصين بتسريع وتيرة تسليم المعادن النادرة. هذا التصريح يعبر عن رغبة أمريكية في إبداء القدر الكافي من المرونة لإنجاح هذه الجولة من المفاوضات.
أهمية العناصر النادرة
وكانت الصين من ناحيتها قد حافظت على الضوابط الصارمة الخاصة بصادرات العديد من العناصر النادرة، على الرغم من موافقتها في جنيف على «تعليق أو إزالة التدابير المضادة غير الجمركية المتخذة ضد الولايات المتحدة» وقد كشف هذا الموقف مدى النفوذ الذي تتمتع به الصين على الولايات المتحدة والعالم بسبب قبضتها القوية على الإمدادات العالمية من مغناطيسات الأرض النادرة، والتي تعد حيوية لمجموعة من الصناعات المتطورة، حسبما كتبت شركة الأبحاث «جافيكال دراجونوميكس» في مذكرة بحثية الأسبوع الماضي قبل يوم من بدء مباحثات لندن. وجاء في المذكرة أن «السؤال المطروح في جولة المباحثات هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تقديم شيء تريده للصين مقابل تخفيف ضوابطها على المعادن النادرة». وأضافت أن «ما تريده الصين حقا هو رفع ضوابط التصدير على تكنولوجيا أشباه الموصلات، والتي تسيطر عليها الولايات المتحدة، لكن هذا ربما صعبا من الناحية السياسية». ومع ذلك فإن الصين هي الأخرى أبدت استعدادا عمليا لتخفيف القيود على صادرات العناصر النادرة، وأعلنت وزارة التجارة الصينية في اليوم السابق لبدء المفاوضات أنها وافقت على عدد من الطلبات الخاصة بصادرات المعادن النادرة وفقا للقانون، وهي مستعدة لتعميق الحوار مع شركائها التجاريين بشأن ضوابط التصدير على المواد الاستراتيجية. وفي هذا السياق فإنها وافقت على منح تراخيص تصدير مؤقتة لموردي المعادن النادرة لشركات صناعة السيارات الأمريكية جنرال موتورز وفورد وشركة ستيلانتيس لصناعة سيارات الجيب في أعقاب المكالمة الهاتفية بين ترامب وشي يوم الخميس 5 من الشهر الحالي، وفقا لتقرير لوكالة رويترز نقلا عن أشخاص مطلعين على الأمر.
ولا يعتبر تقييد صادرات العناصر النادرة خبرا جيدا للتجارة الصينية نظرا لقيمتها العالية جدا، ومن ثم الدخل الكبير الذي تدره لمصلحة الميزان التجاري. وبينما أظهرت أرقام التجارة الصينية للشهر الماضي أن الصادرات ارتفعت بنسبة 4.8 في المئة فقط على أساس سنوي إلى 316.1 مليار دولار، مقابل معدل النمو البالغ 8.1 في المئة في نيسان/أبريل، فإن صادرات الصين من العناصر الأرضية النادرة انخفضت بنسبة 48.3 في المئة لتصل إلى 18.7 مليار دولار، وفقًا للأرقام الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك. وشملت البيانات صادرات جميع أنواع العناصر الأرضية النادرة، وليس فقط تلك التي فرضت بكين ضوابط عليها. من حيث الوزن، تم شحن خمسة آلاف و865 طنا من العناصر الأرضية النادرة من الصين في الشهر الماضي – بانخفاض سنوي بنسبة 5.67 في المئة. وأظهرت بيانات الجمارك أن صادرات الصين إلى الولايات المتحدة وحدها انخفضت بنسبة 34.5 في المئة في الشهر الماضي، وهو أكبر انخفاض منذ تفشي جائحة كوفيد. مع بقائها ثالث أكبر شريك تجاري للصين، النتيجة النهائية للمفاوضات تتوقف على مدى إمكانية التوصل إلى تفاهم عملي بشأن صفقة تخفف قيود صادرات العناصر النادرة من الصين إلى أمريكا وصادرات التكنولوجيا المتقدمة من امريكا إلى الصين.