عبد الحفيظ بن جلولينعيش كعرب مرحلة حسّاسة في سيرورة صراعنا الوجودي، فتاريخ حركتنا الإجتماعي والسياسي والثّقافي يربك اللحظة المعيشة لأجل أن ينتصر ذلك الإحساس التّشاؤمي المخبّأ ذاكراتيا، والمهيّأ لكي يخلط أوراق التّفاهمات الممكنة بين الأطراف الفاعلة في العملية السياسية. لا يمكن لأمّة تفكر بعقل الغنيمة أن تنتصر للمسعى التّفاؤلي في رمزية العطاء وفاعليته، لأنّ التنازلات المفترضة في القصديات السياسية تمتحن جدواها عند عتبات الحدود الدّنيا للمتّفق عليه الممكن والمحتمل، وبهذا يصبح فكر شرعية التوافق أسبق من قكر شرعية الانتخاب عندما يصل المجتمع مرحلة عنق الزجاجة. لهذا نتساءل هل يمكن للزّهرة أن تُسقى بالدّم؟ يحدث هذا على الطريق السّريع العربي، الذي لا يجوز فيه التّجاوز، ولكن تجوز فيه الإستدارة، وحينذاك نتصوّر كافّة الإصطدامات الممكنة، كما هو حاصل في الشّارع العربي.تنذر التحوّلات السياسية على السّاحة العربية بمآلات لا تخفي الخطورة التي تترصّد كيان الدّولة العربيّة ذاته، حيث البنية السياسية كشفت عن هشاشتها ورسمت بحدّة عدم مسؤوليتها وعدم نضجها أيضا، فعندما لا تستجيب النّخب لحساسية المرحلة ولا تستشعر خطورة ذلك، فهذا يعني أنّ ما نردّده ونسمّيه مجازا في أوساطنا السياسية والفكرية ‘ديموقراطية’، لم يزل بعد جنــينا في رحم التّلمذة المكرّسة في أعماق الإنسان العربي، فهو لم يتهــــيّأ بعد ليكون في مستويات التطلعات الشّعبية وتطلعات الرّاهن العربي في العيش بكرامة وحرّية وعدالة اجتماعية، لهذا يعقب تحقيق أي إنجاز ردّات فعل غير مدروسة، وهو ما يفسّر عدم الانتباه للإشارات والدّوال على الطّريق السّريع لحركة القاطرة العربية. رهيب ما يحصل في الشّارع العربي، إذ ما يفتأ سؤال الدّم يلحّ في الإنطراح على طاولة كل حوار، بدءً من المقهى وإلى أشدّ الصّالونات إمعانا في مناقشة الوضع السياسي العربي، حيث يصبح الشّارع خارج حقيقة الفضاء الذي يجمع الفعاليات إلى بعضها إعلانا عن تحريك الوضع الطبيعي في معارضة السّلطة، ومماحكة طروحاتها، لأنّها ليست على الدّوام تدور في فلك الصّواب.يبدو أنّ السّلط الرّبيعة ليست مهيّأة بعد كي تفتح في الصّدر نفقا للقبول والتّعاطي السياسي/الرّؤيوي، حيث المبادرات الإجرائية المستعجلة في تأطير الفعل السياسي، كونه فعل أثر لا فعل رؤيا، هو ما جعل الأمر يختلط على الفاعل السياسي العربي ويجعله آلة تدور عجلتها فقط لكي تجلب الأنظار إلى ما يمكن تحقيقه على الواقع ولو على حساب تجاهل الآخر، وفكرة التّجاهل متبادلة بين الفريقين، السّلطة والمعارضة، ومن هنا تتغلّب الأنانية السياسية المتقوقعة داخل الحيّز الحزبي الضيّق، وتقع بديلا للوطن الكبير، وللمواقف التي تتفاعل وتتعامل مع الظرف والرّاهن في تبدّلاتهما وتغيّراتهما المؤثرة في حركة الوطن ومصيره الوجودي، فالموقف حسّاس ويجب أن يكون فوق الحزب والسّلطة، لأنّ عينه على الوطن وليس على المكسب الآني، وهو ما جعل الديمقراطية في بلد كلبنان توافقية وليست أغلبية، والوثيقة الإضافية التّي تُجمع إلى الدّستور اللبناني والمحدِّدة لشكل السّلطة، هو ما أنقذ انهيار الدّولة إبّان الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، ولعلنا في الشّارع العربي السياسي لم نهضم هذا البند التوافقي المسطّر داخل أقبية الممارسة السياسية اللبنانية. إن الدّم الذي يُصرف مجانا على بساتين الرّبيع العربي، كان الأجدى أن يُوَفَّر كي يزهر أجسادا تتفتّح في ميادين كل الفصول على واجهات الأوطان التوّاقة إلى الحرية والكرامة والخبز أيضا، فالرّبيع لا يمكن أن ندرك جماله دون حرارة الصّيف الدّافعة نحو برودات مكيّفة، أو دون صقيع الشّتاء الدّافع إلى دفء يجلب التّوازن إلى الأعضاء المرتجّة، أو دون الخريف الذي يحيل على الفصول جميعها.إنّ ما يحدث في ساحات الرّبيع العربي، يمكن أن يُقرأ ضمن خارطة عالمية تتحوّل لأجل أن تعيد ترتيب الدّول المفتاحية، وكما تذهب بعض التّحليلات التي ترى أن الغرب تفاجأ بحالات التّغيير في دوّل الرّبيع، إذا بنفس المنطق لا يمكن أن يصمت إزاء نُظُم تنفلت من قبضة يده، وهو ربّما ما لم تدركه السّلط الرّبيعية، حيث التّدمير المنظّم والممنهج لحواضر العالم لعربي، بدء من بغداد ومرورا بدمشق وانتهاء عند القاهرة، يكشف عن مؤامرة تستهدف الذّاكرة، الدّينامو الحقيقيي لحركة الإنسان في التّاريخ.ما يمكن أن يلح في السّؤال والتّركيز على مساحة الوعي، هو تسلّم الأحزاب الإسلامية للسّلطة في العديد من الدّول، وهو ما يرجّح الارتباك الحاصل حيث النّخب لم تعتد هذا النّمط على واجهة المشهد السياسي، ويدخل ضمن هذا العنصر قلة الخبرة في القيادة على الطريق السّريع، بل والقيادة برؤى غير مجرّبة وآليات غير متداولة، تستدعي بالضّرورة التّجريب الذي يتطلب التوافق والإمهال حتى تستسيغ الفعاليات السياسية المختلفة تجليات المشهد الممكنة في الواقع، وتَقَبُّله من خلال الأثر الإيجابي، وهو ما يتطلب كل ضرورات الإحتماء بالسّقف الوطني والتّشارك والمواطنة، لترتيب بيت السّلطة الجامع، وهو ما كانت تسير نحوه التّجربة التونسية لولا حادثة اغتيال شكري بلعيد، التي أربكت حسابات الإجماع الوطني والإلتفاف حول الدّيموقراطية والمصلحة العليا للوطن، ولهذا لا بد من طرح سؤال المستفيد من ما يحدث؟يرى بعض الإسلاميين أن النّخب الديمقراطية والعلمانية لم تستطع أن تتصوّر وتصل إلى قبول الملتحين في مراكز السّلطة وصنع القرار، ذلك أن المخيال السّلبي الذي يحيلهم على التاريخ بمفهوميته الوقائعية، يجعلهم حبيسي اللحظة الإسترجاعية للحنين الماضوي، كما يرى أحد الصّحفيين الجزائرين وهو الأستاذ بشير عمري، أنّ حسابات السياسة تتطلب من الإسلاميين الانتقال من فكر الدّعوة إلى فكر الدّولة، الوصل بين الطّرفين يستدعي تكثيف فرص التّقارب بين الجبهتين، لإنقاذ الشّارع من عنف الاحتجاج والحركة المطلبية الدّموية، وبالمقابل تكريس قيم المعارضة التي تستهدف خطاب المشروع، وتوسيع دائرة المشروع البديل قصد الحصول على أكبر قدر من الفرص الخدماتية التي تتيحها المواجهة الخلاّقة مع مشروع السلطة. لا يمكن فصل ما يجري على السّاحة السياسية الدّولية وتداعيات الرّبيع العربي، فعودة اليسار إلى فرنسا، يمكن أن نقرأه وفق ترتيب الشّأن الدّاخلي للدّول الفرنكفونية وفق ما يتطابق وأولويات المصالح الفرنسية، التي تقرّر أبجديات شأنها السياسي الخارجي وفق ما تتحدّد به سياسات الدّول المستعمَرَة فرنسيا سابقا، والتي ما زالت ينتجها المخيال الفرنسي ويتصوّرها تابعة له بالطبيعة والبداهة، وإلا كيف نفسّر تصريح وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالز الذي انتقد الفاشية الإسلامية وعوّل على النّخب العلمانية والديمقراطية. تداعيات الوضع في دولة مالي، لا يمكن تمريره دون أن نعي كيف أنّ فرنسا تدخّلت بعد أن كان أنصار الدّين قاب قوسين من التوصّل إلى اتّفاق مع حكومة مالي، وكيف إنّ استقرار الوضع كان سوف يتيح لدوّل الميدان والدّول المجاورة ضبط السّيولة المريعة للسّلاح وتجفيف منابعه، السّلاح الذي تدفّق من الجوار الليبي بعد انهيار امبراطورية القذّافي الأمنية، وبالتالي يكون التدخل في مالي أربك حسابات بعض الدّول في تأمين حدودها، ولعل الدّرس الأمني الذي قدّمه الجيش الجزائري في تعامله الصّارم والإستراتيجي والحاسم مع الهجوم الإرهابي على القاعدة البترولية في ‘عين أمناس’، أعاد إلى الواجهة ضرورة الإستفادة من التّجربة الجزائرية في مكافحة ظاهرة الإرهاب، ولعله ألجم الإنتشار الذي كان يمكن أن يكون وبائيا للفصائل المقاتلة وحركتها العابرة للحدود والدّول، وبالتالي لا يمكن فصل العنف الرّبيعي عن ما يحدث في مالي.يمكن أن نعيد السّؤال، هل نسقي الوردة بالدّم؟ يمكن أن نسقيها بالعرق وطبعا بالماء، لكن بينها وبين الدّم علاقة تبادلية، تأخذ الوردة منه لونه، فتكون الوردة الحمراء تعبيرا عن الخفق الذي يرقص بين الضلوع، ويأخذ منها جمالها فيكون الحياة التي تبدع الكينونة والوجود.’ كاتب جزائريqmdqpt