الطغاة والمثقفون في محشر واحد!

حجم الخط
1

قال مظفر النواب، في زمن القهر: هنالك في أقصى ركن من قلبي، قتلوا رابعة العدويّة! وها هي رابعة العدويّة تعود لسكنى القلوب، ويرسم العشّاق لها شعاراً، لم يزل مرفوعاً عالياً، كزهرة دوار الشمس، أو كسن رمحٍ يرفعه فارس في معركة، هي معركة بين حقّ وباطل، لسبب بسيط، أنّ الطاغية، لن يكون أبداً على حق، في مواجهة شعب، رفع صوته ضدّ الظلم!أدوات الطغاة لم تتبدّل، منذ أوّل طاغية:العصا والسوط والسيف والبندقيّة، وهي أدواتٌ متاحةٌ للثائرين، ولكنّها ليست خيارهم الأوّل، لأنّهم أصحاب رسالة، وأصحاب الرسالات، لا يجعلون السيف خيارهم الأوّل، ولكنّهم يُجرّدونه في وجه الطغاة أخيراً، حين يطغى هؤلاء ويتجبّرون، ويؤلّهون أنفسهم، ويقتلون الأنبياء أو يهمّون بقتلهم، ألم يفعل فرعون ذلك؟وكذا كل الفراعين، فما الّذي تبقّى منهم، المسلّات واللعنة الدائمة والذكرى السيئة، وكما كان مصير الأسلاف، سيكون مصير الأخلاف!
سماتٌ مشتركة، تجمع الطغاة معاً في محشرٍ واحد، الجهل هو أوّلها، وثانيها القسوة، والجهل هو منبع القسوة ومصدرها الأوّل!أحياناً يضع الطغاة لمشاريعهم عناوين برّاقة، ماوتسي تونغ سمّاها’الثورة الثقافيّة’!وبول بوت كمبوديا سار على خطاه، فارتكب المجازر وحوّل بلاده إلى خرابة، كُلّ ذلك في سبيل نقاء فكرته المجنونة، واجتثاث كل ما يخالفها، في نسيج المجتمع، وعلى رأسها بالطبع، الفكرة الدينية، والّتي كان المسلمون أوّل ضحاياها على يد الخمير الحمر، وتلاهم البوذيون، باعتبارهم خرافيين ورجعيين، وليس ماديّين ماركسيين!
النتائج بالطبع كارثيّة بكل المقاييس، فحين تحاول اجتثاث فكرة تؤمن بها جماهير النّاس، تغرقُ في بحرٍ من الدماء!
لقد قرأنا ذلك كتاريخ، ولم نكن نتخيّل أن نراه واقعاً أمامنا، لا وبل في أكثر صوره سخافة وعبثيّة وانسداداً!
مشروع الجنرالات في مصر، والحرب الهوجاء الّتي أعلنوها على الإسلام ذاته، كمشروع سياسي واجتماعي وثقافي ، هو الجنون بحدّ ذاته، إنّه محاولة لقطع شجرةٍ مثمرة، نمت في ظلّها مشاريع تعليميّة وخيريّة، سدّت ثغرات وتداركت نواقص في حياة النّاس، أحدثها الفساد السياسي، وجهل الدكتاتوريات السابقة، وسرقتها الفادحة والفاضحة لثروات المجتمع وموارده، سرقة تمت في وضح النهار، وبإسناد قضائي وقانوني ومؤسسي، تمّ صناعته كغطاءٍ لإخفاء العورة، فكشفها بدل أن يخفيها!وهكذا جاءت ثورة 25 يناير ضدّ نظام مبارك، محمولة على أكتاف الجماهير، وهكذا أعقبتها موجة الثورة المضادّة، على يد عسكر السلطان، الّذين لبسوا مسوح الثورة، وتسللوا إلى المشهد، بإعلانهم المسرحي عزل السلطان، والوقوف إلى جانب الجماهير، زوراً وبهتاناً، ثُم ّ لم يلبثوا أن لبسوا جلدهم الحقيقي، فقادوا جيش الردّة، مستعينين بشرذمة من السياسيين، من الحرس القديم، الّذين حملوا ضغائنهم في الصدور، وخطوا إلى المشهد بتواطيء مسبق مع العسكر، مستغلّين شخصيّة الرئيس الضعيفة، وسوء اختياره للرجال، وإقصائه لأخلص أتباعه، في محاولة للتنصّل من تهمة الأخونة والتبعيّة للمرشد، الّتي أصمّوا بها آذانه ليل نهار!
إنّ جهل العسكر ، وضحالتهم الفكريّة، وسوء تأويلهم للأمور، وتجاوبهم الفج مع كل من نفخ فيهم ودلّاهم بغرور لولا ئج في نفسه، كلّ ذلك جعلهم يسارعون في الإنقضاض على السلطة، وحين رأوا حجم المقاومة الّتي لم يحتسبوها، لجأوا دون تردّد إلى القمع المفرط وإراقة الدم، معتقدين طول الوقت أنّهم يواجهون حزباً اسمه الإخوان المسلمين، حزب سيكون المصريون سعداء بالتخلّص منه، كما وسوس لهم شياطين السياسة ومدلّسوها!ولم يفهموا ابداً أنّهم في مواجهة شعب تنسّم هواء الحرية الطلق ولن تسعه الزنازين ابداً بعد ذلك!
والنتيجة اقتصاد منهار، اجراءات بوليسيّة هوجاء ومشتطة، أحكام قضائيّة تنم عن الرعب من الإخوان المسلمين أكثر من أي شيء آخر، اقتحام للمدارس الإبتدائية واعتقال الأطفال، مطاردة واعتقال كل من يشهر’اصابعه الاربعة’، خنق لحريّة الرأي واستبدال كل ذلك بأناشيد تمجّد الجيش وحكمهم، فهم يسيرون إلى نفس الهاوية الّتي تردّى فيها بول بوت وامثاله.وكما عادت المعابد البوذيّة والمساجد أيضاً إلى كمبوديا، ستعود المساجد والحياة وشعر رابعة العدوية إلى مصر، وستدّب الحياة في أوصالها، بعد رحيل العسكر، الّذي غدا وشيكاً!
نزار حسين راشد
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية