الطفل الذي قاوم الموت بصوته ليهزمه لاحقا بشعره

حجم الخط
0

تونس ـ من حسن سلمان: يبدو أن سميح القاسم الذي ارتبط اسمه لعقود برفيق دربه محمود درويش ليشكلا معا «شطري البرتقالة الفلسطينية» في كفاحهما المستمر لاستعادة الروح الفلسطينية والهوية المشتتة في أقطار عدة، قرر أخيرا الرحيل إليه ليبقى اسمه راسخا في ذاكرة الملايين الذين طالما رددوا قصيدته الأشهر «منتصب القامة أمشي«.
غير أن رحيل الطفل الذي انتصر على الموت باكرا بصوته ليهزمه لاحقا بشعره، ترك صدمة كبيرة لدى معظم المثقفين العرب الذين رأى بعضهم أن الأوطان تفقد بعض روحها برحيل أحد شعرائها، لكنها تُبعث من جديد بأصوات أخرى تجدد كينونتها التي تأبى الزوال.

زهور كرام: رحيل قيم ومعنى وهوية وطن

وقالت الأديبة المغربية زهور كرام إن الموت «قدر وجودي، قد يحدث ألم الفراق، ثم يندثر مع النسيان، لكن حين يحمل الموت معه رحيل قيم ذات علاقة بمرحلة، فإنه يصبح خسارة وجودية، لأنه يعني رحيل المعنى. وتكبر الخسارة حين تكون اللحظة التاريخية الراهنة تنزف التباسا«.
وأضافت لـ»القدس العربي»: «مع رحيل سميح القاسم نفقد من جديد مثلما حدث مع رحيل محمود درويش مجموعة من القيم الجمالية والإبداعية والوجودية. نفقد هذا الوصال الصوفي بين الإبداع والقضية، والذي جعل فلسطين هي القصيدة والقصيدة هي فلسطين، وحين كبرنا على إيقاع هذا الوصال، رمينا خلفنا كل الأوراق السياسية تلك التي تصاغ في أروقة المنظمات الدولية، وآمنا بالوصال انتماء ولغة وعشقا، ولذلك بقيت فلسطين صخرة راسخة في وجداننا وسؤالنا وذاكرتنا، لن يغير موقعها تبدلات أروقة المنظمات الدولية، وتخاذل الانعطافات التاريخية«.
ورأت كرام أن فلسطين «تقيم تاريخا وهوية وشعبا وحكاية وطن بقصيدة سميح ودرويش، وبوجداننا وعقلنا. تفقد القصيدة هذا التماهي المبدع بين الشعري والسياسي والوجداني والتاريخي. لأن سميح لم يكن ينظم الشعر كلمات، إنما الشعر قضية تختزل حكاية وطن. لهذا، نجد بقصيدته التاريخ « أتُراك تذكرُ ؟.. آه .. يا ويلي على مدن الخيام»، والطفولة والجغرافية وإيقاع الأغاني التراثية الفلسطينية والعشق والشموخ» منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي«.قصيدة بحجم الوطن«.
وأضافت «نفقد مع رحيل سميح القاسم هذا التماهي البليغ بين الشاعر والجمهور، أو بين القصيدة والمتلقي. تماهٍ بدأ يخفت حين غادرت قصيدة هذا الزمن الإقامة في القضية والسؤال. نفقد معنى القصيدة- الرصاصة، حين تتحول الكلمة إلى بندقية، يُرعب نظمها، وإلقاؤها العدو، ويصبح مولد قصيدة ، موطنا للقهر والتحدي. إنه رحيل قيم ومعنى وتاريخ الشعر العربي الذي ما خان القضية حين أقام فيها«.

يوسف رزوقة: منتصب القامة لم يعش ليشهد انتصارا فلسطينيا

وقال الأديب التونسي يوسف رزوقة «سميح القاسم شاعر كبير آخر يغادرنا في ذمة الخلود ليظل في القلب والذاكرة، كان شاعرا مقاوما ومناضلا امتلك أحقية حضوره عربيا، وأمكن له أن ينتصر لقضيته العادلة والتي ظلت في العمق منه سؤالا حارقا لا يني (لا يزال) يمثله في مصيره وحياته«.
وأضاف لـ»القدس العربي»: «غادرنا سميح بعد أن كان وظل منتصب القامة يمشي وهو عنوان مسيرته الذاخرة التي قاوم فيها الآخر والمهيمن وأمل أن يعيش انتصارا فلسطينيا لكن الموت حق فاجأه في فترة حرجة وظل صوته يتجدد في أقرانه من الشاعراء الذين بكوه بعمق لأنه كان شاعرا صادقا وكبيرا في رؤيته لقضيته العادلة«.

صقر عليشي: درويش انتبه.. جاءك النصف الآخر من البرتقالة

وقال الشاعر السوري صقر عليشي «هاهو سميح القاسم يمضي أيضا… أحد أصوات فلسطين القوية والتي افقنا على الدنيا ونحن نسمع دويها في نزال مستمر مع المحتل الشرس، وشكل – فيما شكل- جزءا مهما من ذاكرتنا الشعرية المقاومة، تجربته أكثر ميلا إلى الصوت الجهوري من الصوت الخافت، وكأن قربه من هذا العدو الشرس والتحامه الدائم معه لم يترك له فسحة للهدوء، وللكتابة بشكل اخر، كان محاربا وشاعرا في آن معا«.
وأضاف لـ»القدس العربي»: «رحل سميح القاسم أحد الحراس الكبار للحقيقة، أحد رموز الصدق والوجدان، أحد الذين حاربوا بالشعر، أحد الذين تركوا ضوءا على هذه الأرض. محمود درويش انتبه… جاءك النصف الآخر من البرتقالة«.

زهور العربي: رحل صاحب الحرف المقاتل فلا تخونوه ايّها الشّعراء

وقالت الشاعرة التونسية زهور العربي عن سميح القاسم «إنّه آخر الشعراء العمالقة يترجّل ، نجم يأفل ونحن في أمسّ الحاجة اليه، فماذا بقي للقصيدة ؟ وهل سيجود الشّعر بمثل القاسم؟ لكن يبقى عزؤنا الوحيد انّه رحل «منتصب القامة مرفوعة الهامة» ولم تحنه الخطوب ولا تردّده على السّجون ولا توقيفه عن العمل ولا الاقامة الجبريّة عن عقيدته النضاليّة المتأصّلة فيه«.
وأضافت لـ»القدس العربي»: «كانت التهمة الوحيدة لسميح «حرفه» الرّصاصة الحيّة الثّاقبة التي كانت تصيب دائما مرماها فتطلق الحناجر وتفكّ عقال الفكر وتوحّد صفّ الشّعب وفي المقابل تقضّ مضجع الكيان الصّهيوني المغتصب«.
وأشارت إلى أن سميح رغم تفرّغه التام للثّقافة لم تفارقه السّياسة فـ»حرفه سياسة وتألّقه واصداراته المختلفة بين النثر والشعر المسرح والجوائز التي حصدها كلّها ذات طابع سياسي«.
نصري حجاج: آب.. شهر الوجع الفلسطيني

وكتب المخرج الفلسطيني نصري حجاج على صفحته بموقع فيسبوك «حين يموت شاعر/ نحزن على الكلمات/ التي تُركت تنتظر على عتبات بيته/ أو على الرصيف/ أو في حدائق الوحي/ أو في دار للأيتام/ مرتعشة القلب/ خوفاً من فراغ العالم/ من الشعراء«.
ووصف صاحب فيلم «كما قال الشاعر» الذي يوثق مسيرة الشاعر الكبير محمود درويش، شهر آب/أغسطس بأنه «شهر الوجع الفلسطيني»، مشيرا إلى أنه في ذات الشهر سقط مخيم تل الزعتر في بيروت (1976) ورحل رسام الكاريكاتير المعروف ناجي العلي (1987)، كما رحل اثنان من كبار شعراء المقاومة محمود درويش (2008) وسميح القاسم (2014).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية