صلاح بيصار عادت مجلة ‘الطليعة ‘طريق المناضلين الى الفكر الثوري’ الى الصدور من جديد.. بعد فترة احتجاب تربو على ثلاثة عقود.. وقد حملت في اصدارها الثاني برئاسة تحرير د. ايمان يحيى ومصطفى الجمال اسم ‘الطليعة 21’ بما يعني مواكبة الافاق الجديدة للقرن الحادي والعشرين.
وفي افتتاحية العدد الاول ‘شتاء 2012 ‘تقول: اثرت المجلة من خلال اصداريها في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في اكثر من جيل من المثقفين المصريين والعرب واستطاعت عبر نخبة كتابها ومفكريها خلق تيار سياسي وثقافي مزج بين قيم التقدم والحداثة وبين الاصالة والتراث.. تلاقحت فيه افكار الاشتراكية والتحرر الوطني والوحدة العربية لتنتج مفاهيم ثورية جديدة اثرت بشكل واسع في الحياة السياسية والثقافية.
لكن وبتعبير المجلة: يجيء الاصدار الثاني امتدادا لتراث الطليعة وكفاحها في شق مجرى لافكار الوطنية والتقدم والاشتراكية وفي الوقت نفسه لاتعيد ‘الطليعة 21’ انتاج ثقافة زمان مضى في زمن حاضر ولاتكرر افكارا او مقولات تجاوزتها الاحداث والوقائع.
وتدرك الطليعة انها لا تنقطع عن الماضي ولكنها في الوقت نفسه هي نبت الحاضر والمستقبل.. وتطمع الى لغة خطاب جديدة وسياق فكري منفتح على كافة تيارات وافكار الوطنية التقدمية المصرية.
الطليعة اذن هي ابنة اللحظة الثورية التي تعيشها مصر بفضل ثورة 25 يناير الشعبية التي فجرها شباب مصر’. ويشتمل العدد على مجموعة ملفات: ‘الثورة الواقع والتحديات ـ صرخة روائي ونبوءة مؤرخ ـ جيش وثورات ـ اقتصاديات الثورة والثورة المضادة ـ الاسلاميون ومستقبل مصر – الاحزاب الاشتراكية الجديدة: اتفاق ام اختلاف ـ وثائق الطليعة ‘ .. بأقلام نخبة من الكتاب والمفكرين: علاء اللامي ودكتور محمد رؤوف حامد وحلمي شعراوي وعبد العال الباقوري ود. علاء عوض ود. محمد شومان. ود. ناصر احمد ابراهيم والراحل زكي مراد وشوقي جلال ود. محمد دويدار ومحمد نور الدين ود. سلوى العنتري ود. ايمان يحيى وعلي فراج وغيرهم.’في الانتفاضات الشعبية الحديثة في العالم العربي وتداعياتها من وجهة نظر افريقية ‘يقول حلمي شعراوي:
تعددت مسميات التحولات الجارية في عدد من الدول العربية ما بين ‘الانتفاضة’ و’الثورة’ و’الربيع العربي’ لتصل عند البعض لحالة من التمردات وحتى الانقلاب!.. لكن الاهتمام بدا شديدا في انحاء مختلفة من العالم بالمظهر الشعبي النابض وخاصة في حالات تونس ومصر من زاوية وحالات ليبيا واليمن وسوريا من نواح اخرى’.’ وقد كدت اركز في بحثي هذا على الحالة المصرية والتونسية كثورات شعبية مع الساحة الافريقية بوجه خاص الا ان الحدث الليبي بتداعياته المعروفة قد قفز برسائل اخرى اربكت الحديث السهل عن الموقف في القارة تجاه ‘الربيع العربي’ في الشمال الافريقي’.’ وقد عبرت ردود الفعل الاولية في انحاء القارة عن هذه الدهشة مما يحدث في الشمال الافريقي ووجدنا تعبيرات في نظم مختلفة تقول في جنوب افريقيا: ‘ نستطيع فعل ذلك ايضا او تحيا مصر ‘ام الدنيا’ من نيجيريا.. ومثل ذلك قرأناه في كينيا والسنغال بل وشرع البعض في مظاهر شبه مماثلة في اوغندا تحت شعار ‘نمشي للعمل’ في مواجهة جماعية لارتفاع اسعار الوقود!. ومع اهمية ملف ‘الاسلاميين ومستقبل مصر خاصة بعد نتائج الانتخابات التشريعية الجديدة’ .. يعكس ‘صرخة روائي ونبوءة منجم’ من خلال حوار شامل لايمان يحيى وصامويل خيري مع الروائي المبدع صنع الله ابراهيم صاحب صرخة الاحتجاج العلنية الاولى ضد نظام مبارك حينما القى كلمته القنبلة في مؤتمر الرواية العربية في عام 2003 رافضا الجائزة وكانت كلمته ادانة وحكما علنيا بالاعدام على نظام فاسد.
قال وقتها: ‘انتزعت القلة المستغلة منا الروح.. الواقع مرعب.. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب ان يغمض عينيه او يصمت.. لا يستطيع ان يتخلى عن مسؤوليته.. لن اطالبكم باصدار بيان يستنكر ويشجب.. فلم يعد هذا يجدي.. لن اطالبكم بشيء فأنتم ادرى مني بما يجب عمله.
كل ما استطيعه هو ان اشكر مرة اخرى اساتذتي الاجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة واعلن اعتذاري عن عدم قبولها.’وفي احلك الاوقات كان هناك من يتنبأ سقوط النظام. ولم يكن هناك افضل من المؤرخ المصري العظيم رؤوف عباس.. انغمس استاذ التاريخ في قضايا مجتمعه الانية ومعاركه فانضم الى حركة كفاية وتتابعت مقالاته وحواراته العميقة في الصحف المعارضة والمستقلة.
وكانت احاديثه لوسائل الاعلام المرئية مؤثرة للغاية.. كانت نبوءة المؤرخ ثاقبة الى ابعد الحدود عندما قال ان موجات ‘تسونامي’ تنتظر مصر.
وكما يقول د. ناصر احمد ابراهيم: رصد الدكتور رؤوف عباس في دراساته ثلاث ظواهر تاريخية لفتت الانتباه الى خطورتها واهميتها في صياغة حاضرنا الاجتماعي بل ومستقبل وطننا العزيز: اولها ظاهرة غياب السياسات الاجتماعية الناتجة عن غياب الوعي الاجتماعي لدى الطبقة المحتكرة للسلطة والمال.
والثانية خديعة الوقوع في شرك ما يعرف بصبر المصريين وفرط الاعتماد على ‘الاناملية’ اوالسلبية المزعومة التي يوضحها عباس بقوله: ان قوانين الحركة والسكون في هذا البلد غريبة جدا فدائما يقال ان الشعب سلبي وان الناس لا تتحرك وانها استمرات ما يحدث.. لكن كلما زادت السلبية كلما كان هذا نذيرا بانفجار غير محسوب العوقب او محدد الاتجاه اذ ليس لديهم ما يخسرونه سوى اصفادهم.
وثالث هذه الظواهر: توهم النظام وزبانيته امتلاك القوة المطلقة اعتمادا على ما اسماها قطعان الامن المركزي الذين يصورون للسلطة بان كل الامور تحت السيطرة وفي امكانهم ردع الحركات الاحتجاجية وتلقين اصحابها دروسا تلزمهم حدود الادب متغافلين عن وجود مخزون استراتيجي من القوة النسبية في المجتمع يتم استدعاؤها في لحظة الغليان من خلال الاستنفار التلقائي للقوة الحيوية في المجتمع والتي سرعان ما تظهر امتلاكها قوة الفعل في تغيير الواقع والسيطرة عليه وقلب موازين القوى في اللحظة الحاسمة التي تتجلى على حد وصفه ‘حين لا يبقى في قوس صبر المصريين منزع للسهام فيهب الشعب عن بكرة ابيه هبات تلقائية تتخذ طابع العنف وتلحق الدمار برموز الظلم والاستبداد.
وتظل وثائق ‘الطليعة 21’ ذات معنى وقيمة فكرية كبيرة فهي تقدم الوثائق التاسيسية للاحزاب الاشتراكية الجديدة التي ظهرت بعد ثورة 25 من يناير المجيدة وهنا تضمنت اعلانات التأسيس والبرامج والرؤى السياسية والاستراتيجية الخاصة باحزاب ‘الاشتراكي المصري’ و’التحالف الشعبي الاشتراكي’ و’العمال الديمقراطي’.. ولعل تلك البرامج السياسية بتعبير الملف تحظى بالدراسة والمقارنة فيما بينها.. ليتبين مدى الاختلاف والاتفاق بين قوى اليسار المختلفة الساعية للشرعية ولتتحدد امكانية اتحاد قوى اليسار ومعها المعوقات الذاتية والموضوعية في سبيل ذلك.
وحول حرية الابداع يقول شوقي جلال في ‘على الطريق الى جاهلية جديدة’: لايملك اي انسان مخلص الا ان يتامل في حسرة ما يجري على ارض مصر من رطان وهوس باسم الدفاع عن الدين والمقدسات.. ضد ماذا. .. ضد عمل ادبي مثلا او ضد مسميات مذهبية قد لا تكون مفهومة عند اغلب الداعين اليها والمعارضين.. وليس ضد الامية او التخلف او المذابح الاسرائيلية.. ويبدو ان المسألة ظاهرة تفشت في مجتمع ارهقته مشاعر الاحباط وضاقت امامه سبل الخلاص ففقد الامل والهدف الاجتماعيين واحتبست طاقته او صودرت بعيدا عن اي مصرف فكري او علمي اجتماعي جاد فأطلقها عشوائيا بعيدا حيث غابت وراء تهويمات تحلق في السماء.
هكذا جاءت ‘الطليعة 21 ‘بفكر يتعانق ووجدان ثورة مصر ويجابه كل التحديات من وردود الافعال.. كل التقديرللاصدار الجديد في عدده الاول.