الطيور تحلّق فوق كلّ شيء
ابراهيم كناعنهالطيور تحلّق فوق كلّ شيءعرابة البطوف ـ الجليل ـ فلسطين المحتلة: الحواجز جميعها التي وضعها الاحتلال علي مداخل الضفة الأخري من الوطن المحتل كانت مغلقة، خاصة مدينة رام الله – عاصمة ثقافة المقاومة والتحرير، أو هكذا كنت أعتبرها. كلّ المعابر التي وضعها الاحتلال كانت موصدة، في وجه كلّ من يحاول التواصل مع أبناء جلدته في الطرف الآخر من الحدود التي صنعها هذا الاحتلال لتقسيم وطننا وشعبنا. كانت هذه الحواجز تذكّرني بتلك الحواجز الزجاجية التي وضعها الاحتلال لتقزيم زيارة أهالي الأسري لأبنائهم، والتي كانت تُطلي بكثير من العفن المتعمّد من قبل سلطات السجون، حتي لا تتيح فرصة رؤية الأهالي لأبنائهم كما يجب، أو محاولة بائسة لتشويه الرؤية الحقيقية لأسرانا، كما أرادها الاحتلال، لكننا كنا نراهم بصورة أخري، لا يمكن لإنسان أن يراها، سوي عائلاتهم ومحبّيهم. في الطريق إلي زيارة الأسري في سجون الاحتلال كنا نري العديد من المشاهد التي لا يراها الإنسان العاديّ علي قارعة الطريق؛ كان الجزء الأوفر منها مفرحاً، رغم الحزن الذي كان يرافق أمّهاتنا، ورغم هواجسهنّ حول حياة أبناءهنّ في سجون الاحتلال. في الطريق إلي رام الله كانت كلّ الأسوار العازلة، وجدار الفصل العنصري، تذكّرني بعلوّ جدار الأسْر الذي يضعه الاحتلال حول مكان سجن أسرانا المؤقت، لكنني استطعت التمييز بين حجم السجن الذي يعاني داخله أسرانا في سجون الاحتلال، وحجم ذلك السجن الذي بناه الاحتلال، فطوّق الملايين من أبناء شعبنا. كنت أحاول الدخول إلي رام الله بكل الطرق، المسموحة منها، والممنوعة أيضًا، محاولاً اختراق الحواجز التي وضعها الاحتلال، متحاشياً المواجهة معه، بعد قناعتي بأنه جزء من مشروع سلب حرية، ووقف تطور أبناء شعبنا، أو قناعتي بأنه وُجد أصلاً لتنفيذ هذه المهمّة. عند وصولي إلي حاجز قلنديا المؤدي إلي مدينة رام الله، ومحاولة دخولي إلي مدينتي الأولي، كان ردّ أحد جنود الاحتلال، أنني ممنوع من الدخول بصفتي “إسرائيلي”!!، وقال ان وجودي بين ” (الفلسطينيين) هو خطر علي حياتي”!! أي إنّه إجراء أمنيّ للحفاظ علي سلامة “المواطنين”!! كانت اسرائيليتي بطاقة وجواس سفر، وفلسطينيتي، هوية وانتماء، حضارة، ثقافة، ومشروع حياة، أو شهادة. قلت لذلك الجندي بسخرية :- ” قياداتكم منعتني من الدخول الي رام الله لانني أشكل خطر علي أمن دولتكم، وانت الآن تمنعني من الدخول خوفًا علي حياتي!! فأي ادعاء تريدني أن أصدق. حاجز قلنديا هو الأصعب اجتيازًا من بين جميع الحواجز، وقد حاولت اجتيازها جميعًا ولم أنجح، فكانت محأولتي الأخيرة من خلال هذا الحاجز المصطنع. لا بنادق تصوب نحو أحد من المارّة، ولا دبابات تحاصر جوانب الحاجز، أو مدرّعات تحرس الجنود المرابطين علي بوابة هذا السجن الكبير…… بل عدد من الرشاشات الإلكترونية، والتي قد تحصد العشرات في جزء بسيط من الثانية. قال الجندي المرابط علي هذا الحاجز اللعين، والغضب يظهر علي وجهه، والحقد ينبعث من عينيه: “إن القانون يمنعك من الدخول”. سألته: لماذا يمنعني القانون؟ أجاب بسخرية لم أشهدها من قبل: “لأنهم قد يقتلوك”. قلت له بخبث : وهل خبر موتي يزعجك؟ “هذه هي الأوامر التي تلقّيناها، حتي وإن لم يعجبك ذلك!”!!! وقاحة الجنود الموزعين علي حواجز الاحتلال لمحاصرة مدننا الفلسطينية، تحولت بعد مرور الوقت الي وقاحة خطاب المجتمع نفسه، مع نفسه، فكم بالحري عندما يخاطب هذا المجتمع أو أحد أفراده أناسًا من مجتمعات أخري . لم يمنعني جنود الاحتلال من دخول رام الله، رغم كلّ محاولاتهم البائسة لتعجيزي عن الحياة ولو لساعات في هذه المدينة التي تحيي داخلي، ونجحت في نهاية جولات مقارعة الحواجز وجنودها من الدخول إلي رام الله بطريقتي الخاصة، بعد فشل المماحكات والنقاشات مع الجندي المرابط علي هذا الحاجز اللعين، وبعد الشجار الذي نشب بيني وبين الضابط المسئول عن الوحدة العسكرية علي الحاجز. راقبتني عيون رام الله من كلّ حدب وصوب، منها ما تترقّب قتلي علي يد جنود الاحتلال، ومنها ما تستغرب حضوري إلي هذا البلد في خضم أحداث المقاومة بالذات. عيون أخري كانت تنظر إلي مغامرة شاب يرفض أن يمنعه الاحتلال من الحصول علي حقه في الوجود، أو التقاء حبيبته. استقبلتني حبيبتي رام الله بعيونها اللامعة، الخفية والخائفة، وأنا أعشق عيونها باختلاف أنواعها، سوي أعين المراقبين التي تبث تحركاتي عبر وسائل مختلفة الي الاحتلال، لكن رام الله كانت تنقل عينها الأولي بخوف وترقب بيني وبين جنود الاحتلال، تنتظر احتضانها لي، أو نيلي الشهادة في كل لحظة، وعينها الاخري ترسل استغرابها وفرحها لتوقيت زيارتي في خضم المعارك والحصار والاحتلال، و/ أو الاقتتال الداخلي. كانت عيون رام الله التي لم يكتشفها أحد حتي الآن، ترمقني بنظرات من الاعجاب والفخار…. أو أنها كانت تري بحبيبها الآتي سنديانة وزيتونة وتين، وينابيع حب من أعالي فلسطين، أو مغامرة نضالية لشاب آمن أنه سيموت أو يحيي لأجلها. كانت مشاعري تشدني الي الوصول لعمق حبيبتي… رام الله، الي جوفها، لانها كانت بابلي وصوري الجميلة المعلقة في مخيلتي وذاكرتي منذ أيامي الاولي فيها، رام الله الانشودة التي أرددها كل صباح ومساء، وفي كل جلسة فكرية وثقافية، وعلي كل وجبة افطار من طعام أمي كنت أتذوقها، تلاحقني دمعتي مع ذكر الله، إنها جزء من الارتباط بالبسملة او باسم الله، رام الله… أذكرها مع كل غفوة وفنجان قهوة في الصباح. انني الآن بداخلها حقيقة، وفي قلبها مع كل الاشياء التي حلمت فيها عند غفوتي، وأنا أتقلب في سريري بين معاني اليمين واليسار والوسط، وأصحو في صباحي علي حلمي مع مدينتي، لاعشقها مع قهوتي من جديد. وصلت إلي دوار المنارة في قلب رام الله، أراقب كلّ تحركات الشباب المسؤول عن الداخل إليها، والخارج منها، منهم من يراقب تحركاتي خوفاً، ومنهم من يراقب الذين يراقبون تحركاتي، عندها عرفت أنني في مأمن من جنود الاحتلال، وأعوانهم. كنت أعرف في هذه البلدة أناسًا من اليمين واليسار والوسط , ولكن … كان فنجان القهوة فيها، وعلي دوار المنارة تحديدًا، يعيد إليّ حياتي الطبيعية، ويعيدني إلي جو من التقشف الذي عشناه أيام الانتفاضة الأولي، في نهاية الثمانينات من العقد الماضي. أحتسي قهوتي وأنا أراقب الكثير من المشاهد والحوادث التي تفرح وتزعج وتضحك، وأخري تقشعر لها الأبدان. صديقي من رام الله، تيسير… “الحَكْوَجي” – كما كنا نسميه – كان يراقب كلّ حركاتي ونظراتي، ويتفحّص تصرفاتي “ألاخلاقية منها وغير الأخلاقية”، وعند نهاية كلّ لقاء بيننا نحتسي فيه فنجان قهوة في دوار المنارةيقول لي تيسير الحكوجي: “إنك ما زلت القريب العجيب، والغريب الذي لم أعرفه حتي الآن”. قال في نهاية حديثه كما تعوّدت عليه أن يقول “إنني أخبّئ لك مفاجأة قد تعيدك إلي سنوات ماضية”. كان فنجان القهوة في مدينة رام الله وعلي دوار المنارة تحديداً يزن من العلم مداده وإدراكه، ومن الشعر قصائده، ومن الأدب كتبه، ومن المقاومة سلاحها، انها قهوة ذات طعم خاص، وفيها نكهة من حلم العودة. في هذه المرة وبعد لحظة من حديثه، فاجأني صديقي تيسير بفتاة اسمها آية ليعرّفني إليها، ويدعوها إلي جلسة للتحادث والنقاش، أو السهر معنا. بعدها،فهمت أن صديقي تيسير تعمّد مفاجأتي بطريقة صعبة هذه المرّة، وبجدية مقصودة ومتعمّدة، حتي يثير الجدل حول مواضيع لا يمكن أن أكون ممازحاً فيها، وفهمت أنه اعتبرهذا اللقاء اختباراً لي بشأن التزامي في قضايا كنا قد تحدثنا فيها من قبل. تيسير يتسلّل إلي حانوته القريب من دوار المنارة معلناً انهزامه أمام حقيقة واحدة، وهي أن المفاجأة التي حلم بها يومًا أصبحت حقيقة، وحصولها يأتي في وقت أعرف فيه معني التضحية والانسجام مع الطرف الآخر، رغم قناعته بأنني لم أفهم نظرات تلك الفتاة التي عرفها لي صديقي بأنها الأصعب بين أنواع الفتيات في فهم فكرها وعقلها. وكان جوابه:- “أنها تشبهني في كلّ شيء، وهي معروفة في رام الله والمنطقة أنها في كلّ حركة لها كانت تحمل رسالة، لذلك تعمّدت أن أدا للسهر معنا”. تواعدنا وآية علي الالتقاء في ساعات المغيب عند “مقهي العودة”، وهو المقهي الشعبي الذي يرتاده الملتزمين من أبناء المدينة، وزوارها، “مقهي العودة” معروف بمقهي الرافضين للقهر، والمتمردين علي التبعية، تؤسس جدرانه سعف النخيل اليابس وعيدان مقواة من “القصيب الاصفر”، وسطحه مغطي بنوع من انواع الخيش الداكن بلون التراب، مدخله كأحد مداخل البيوت في القري المهجرة في فلسطين، وبابه من الخشب العريض والقديم، حفر علي يمينه ” حق العودة لا يسقط بالتقادم”، وعلي يساره توقيع ” مقهي العودة، وفي الوسط رسم لمفتاح يتعانق فيه الهلال مع الصليب. الغالبية العظمي من رواد المقهي كانوا من المقهورين والمسحوقين، أو من الناس التي تؤمن بالحق ولا تتنازل عنه. عند دخولنا الي المقهي رأينا وجوهًا من كل الاصناف، وكان الصنف الغالب وكالعادة هم أولئك الذين تعودنا علي رؤيتهم في هذا المقهي، وقلة من الذين لا أعرفهم. في الموعد المحدد التقينا مع عدد من الأصدقاء والمعارف، من المسؤولين وغير المسؤولين عن الفصائل والمؤسسات وغيرها، وكان أولهم الفتاة آية.. هذه المفاجأة التي لم أنتظرها في حياتي من صديقي “الحكوجي” تيسير. كان الحاضرين من مختلف المواقع والمواقف، من اليمين واليسار والوسط، وأصبحوا جزءًا من هذا اللقاء. وبطبيعة الحال كانت الصداقة تجمعهم علي كثير من النقاشات التي ما كانت تجمع الناس فيها سوي لأنهم كانوا يعلمون أن الكلّمة تستطيع أن تقف أمام الرصاصة، وأن الكلّمة الحق لها احترامها أمام الحضور، رغم كلّ المراوغات التي قد يمارسها الساسة من الحاضرين، لأنهم كانوا يدركون أن “الخلاف لا يفسد للودّ قضية”. كان رواده من اليمين يدخلون الي نقاشاتنا لانهم يعتبرون أنفسهم من شعب مسحوق، وهذا ما كان يجمع هذه الفئات رغم التفاوت بينها في نسبة سحقها من قبل المؤسسات السلطوية التابعة لسلطة الاحتلال، أو لسلطات أخري مستفيدة من الوضع القائم. لم تكن آية إندفاعية فحسب، بل ربما هناك من اعتبرها اندفاعية أو جريئة لدرجة “الوقاحة”، علمًا أنني لم أراها كذلك. كان سؤالها الأول موجهًا إليّ مباشرة، بعد أن عرف الواحد منا الآخر ولو بالاسم، لكنها كانت مباشرة، تحب أن تثير كلّ شيء يخص الذاكرة التي تتعلق فيها، وهذا ما لم يحذّرني منه صديقي تيسير. كانت خطوته هذه متعمدةً، لأنه أراد أن يثير عندي قضية تحولت بعد أوسلو إلي مجرد قضية مجموعات، وليست قضية مجموع شعب. كان السؤال مركّبًا ومربكًا، وموجهًا إليّ تحديدًا، رغم غموضه وسلاسته وخبثه، وكأننا في الحركة الوطنية المقهورة والمسحوقة مسئولين عن كلّ شيء كان يتغير في مسار النضال الوطني الفلسطيني، كان يغطي سؤالها نوع من اللغة الأدبية السلسة. لانها كانت تعرف اننا في هذه الحركة الوطنية، مخلصون الي أبعد الحدود، ولهذا اختارت التهذيب في لغتها. سألت….. “كيف تري علاقة الشمس والطيور والغيوم والأدب بالأحداث اليومية التي تراها في مجتمعنا؟ وما هو ردّكم علي مشاهد الفوضي التي تراها في علاقات هذا المجتمع؟ وما هو تفسيركم لهذه العلاقات؟ وكيف لنا كجزء منه أن نؤثر فيه؟” هذا الجنون والتوعّد في إثارة الممنوع .. قليل من يفعله ….!!! سوي الذين لا يملكون أي شئ!!! تساؤلات الفتاة آية يكتنفها الغموض، ومن ورائها تساؤلات لا يمكن أن يسألها إلا قلائل، رغم أنني فهمت ما بين الكلمات والحروف. نظرت الي وجوه وأعين الحاضرين من كل الاطياف التي عرفتها، ورأيت الاعجاب الذي يحيطني في حلقة التعارف الاولي مع هؤلاء الساسة، لكن عينا آية كان لهما نظرة أخري مختلفة… مميزة … ثاقبة… كأنها كانت تعرف أنني لا أعرف أن أنمق كلامي وحديثي مثلها تمامًا، ورأيت في عينيها طيورًا تحلق علي مسافات الوطن، تراقب تحركات أبناءه الاسري، تطير فوق سهوله ووديانه وجباله، وعلي أسطح المنازل المهدمة في قرانا المهجرة، وعلي مداخل القري التي أنشدت نشيد العودة بعد التهجير. تجمعت أفكاري وأسفاري في لحظة للرد علي الفتاة آية…قلت لها، بعد تردّد متقطع، ومحأولات عديدة لصياغة ردّي بشكلّ منطقي يحافظ علي هيبتي أمام جرأة هذه الفتاة: “كثيراً ما أري مشاهد مثيرة للجدل أو الحوار أو النقاش، وربما تشدّني هذه الأحداث لمهاجمتها ومحاربتها علي جميع الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وربما تشدّني الأحداث هذه إلي الحديث عنها، والكتابة في بحث نصوصها، والتبحر في مضامين أدبياتها”. نظرت الي الفتاة آية بنظرات من التعجب والاعجاب، كنت أتحدث موجهًا كلامي اليها مع الحاضرين في المقهي، وشعرت من نظراتها نوعًا من القناعة بحديثي والقبول به في وقت كنت أسترسل في الحديث عن تاريخ هذه الامة التي نحن منها… أنا وآية والحاضرين. وقفت للحظات أنتظر الصمت الذي اخترقه بعض الحاضرين للسؤال عني… وفي الفرصة الاولي للصمت الذي انتظرته أكملت حديثي: “اعتدنا علي الطيور تدخل مقالاتنا ونصوصنا الأدبية، والغيوم تغطي فضائنا الأدبيّ، والشمس تشرق من حروف لغتنا المكتوبة، والبحر يهدر في ثروة لغتنا العميقة، الأسيرة في سلاسل الخيال المستقبلي”. وحكت الأفخاذ والأرحام والنهود تاريخ الأمّة وقياداتها القومية، الوطنية والثورية، واستبسلنا في بحث نسل كلّ القيادات، ورفضنا أفخاذ الغرب الرفيعة البيضاء المشرقة كشمس عين جالود، والسمراء كعتمة بانياس، ولم يعد لنا إلاّ أن نتحدث عن الأسمر في عروبتنا، وعن بسالته في الموت لأجل ثورة يجب أن تستمر!!!! وهل تتوقف الثورة إن لم يمت هذا الأسمر، الذي يلعنه الشرق والغرب معاً، في عملية “استشهادية تبث علي شاشات التلفاز”؟!!! وجدت نفسي أقول : “أخط كلماتي هذه كخيوط الشمس علي صفحات من ألوان تشبه الغسق عند الصباح االباكر، وقبل الخروج إلي عملي الأصعب في الدنيا , وعصافير نقل التاريخ تحلق في فضاء هذا الكون الزائل، لتحكي قصتي , وباب شرفتي مكسور منذ سنين النكبة , وقفت أنظر إلي تلك الغيوم اللبيدة فوق شوارعي , أخاطب الشمس المخفية في عبارات شعراء اللغة ونصوصها, أبحث عن كلمات الادب في لغة الامة االمهزومة!!. لم أجد سوي الهجاء لكلّ صنوف الادب، والمدائح لشهداء رحلوا عنا كالشمس كما قالوا، أو كشمعة، أبحث عن كلمات أقولها في فجر مسيرة الامهات الي أبنائها، فلا أجد سوي خطاب الأمهات إلي أبنائها الأسري في سجون اللغة المكتوبة بنص يخرج عن سلطة السلطان، والشمس في هذه الروضة التي تحرق كلّ الأشياء الجميلة، ولا تبقي إلاّ لتحرق أجساد من ذهبوا إلي شواطئ البحر إحتفالًا بكلّ الاعياد. أما نحن أصحاب هذه الشمس في اللغة، وهذه الغيوم، وهذا النهار فلا نملك إلا أن نختبئ خلفهم، علّه يومًا تأتي فيه شمس أخري، يملكها من آمن بالإنسان”. لم أتوقع سؤال تلك الفتاة … كان مفاجئاً ومباغتاً، حتي انه دفعني إلي الرد بهذه الكلمات. وربما … كانت الأجوبة هروبًا من مواجهة تلك الجرأة عند تلك الفتاة في أسلوب طرح اسئلتها. – أين انتم من الشهداء؟ مِن العظماء في تاريخكم؟ وما قيمة الأسري المنقسمين علي أنفسهم بعدّة قضايا قد أنهت قياداتنا البتّ فيها؟ كانت أسئلتها تضرب صميم العمل الثور-إنساني، وتجمع زمكانية فلسفة التحرير، وتكشف اعورار المسئولين عن هذا الفشل. التزمتُ الصمت حتي لا أفتح جبهات أخري مع الحاضرين، رغم موقفي المؤيد لايمان آية بطبيعة الصراع، وتمييعه علي ألسن وخطابات بعض المنتفعين. كنا موزعين علي المقاعد كأننا في برلمان دولة، وينقسم التوزيع بيننا علي المقاعد في المقهي من اليمين الي الوسط وثم اليسار، والجميع يحاول التدخل في النقاش الدائر بيننا، أو يحاولون إبداء آرائهم حول الموضوع، وعيون آية تراقب الحبس والكبت الذي يرافق حديثي .. كأنها عرفتني أو عرفت شيئًا آخر عني، كانت تود أن تعرفه، لكنها كانت تنتظر الاجوبة التي كانت تتمناها، أو كانت تتمني أن نخرج من هذا اللقاء بشيء طالما حاولت أن تحصل عليه. صابر – وهو أحد المسئولين عن العديد من الملفات الأمنية للسلطة في حدود الدولة التي لم تصبح دولة، ولن تصبح دولة في هكذا ظروف – يجلس في الواجهة الأمامية وعلي مقعد خاص، يرتشف من قهوته قليلاً من حاجته أو ما يزيد، تكتشف الغضب في عينيه بسهولة، يخرج الصوت المعتاد كمن أراد ان يقول أنه سيبدأ بالحديث عن فكرة خاصة، أو طرح خاص، لكننا نعرف أنه جديد من القديم. ينظر إلي العديد من الحاضرين كأنه يرسل اليهم ذبذبات التزامهم التنظيمي بالإصغاء إلي حديثه لأنه مسئول!!!… ويعترف…. ثم… يبدأ بالحديث….. “صحيح أن هناك العديد من الإخفاقات التي لازمتنا، كثورة، عبر العشرات من سنين النضال, وهذا هو الأمر الطبيعي في تطور الشعوب، ولو أخذنا أمثلة علي ذلك فهي تعيدنا إلي مرحلة الانتقال من الخلافة الراشدية إلي الخلافة الأموية، ومرحلة بناء الدولة العصرية في تلك الحقبة من تاريخ الأمّة الإسلامية، ولننتقل في نفس التجربة بأسلوب مختلف في تطور الدولة في المرحلة العباسية… الخ الخ الخ، ولكن يجب القول إن المعني الحقيقي للانتصار مرتبط بصمود الأمّة في هذه المرحلة من تطورها، ولن أعود إلي الحديث عن نكبة شعبنا في العام 1948، ولكن سأنطلق من انطلاقة الثورة الفلسطينية لأنها المرحلة الحقيقية في تاريخ شعبنا!!!”. بدأت الأصوات تعلو من علي أطراف الطاولة شبه المستديرة، مستنكرة ومؤيدة، أو معارضة لحديث صابر. يتجرّأ أحد الجالسين من اليسار ليقاطع الفوضي، وبحرقة غريبة عجيبة، يأخذ الحديث من كل الاطراف، ويفرض حضوره في النقاش بقوة، يعلن امتعاضه بكلمة واحدة. غلط. ويكررهاعدة مرات، غلط…غلط. يصمت جميع من في المقهي، حتي غير المشاركين في النقاش، أو الجالسين علي مقاعد أخري، ليستمعوا الي هذا السخص…. “لكنك بدأت الحديث عن الخلافة الراشدية، ومن ثم انتقلت إلي الخلافة الأموية، وبعدها العباسية، فلماذا تتجاوز النكبة في نقاش موضوع حسّاس من تاريخنا؟! أليس هذا التاريخ له صلة ولو بجزء بسيط ممّ نتحدث عنه؟ ولم هذا التقادم في طرح الأمور ونقاشها، خاصة في مواضيع حساسة تتعلق بتارخ أمّتنا وثورتنا، كأنك تقول إن تاريخنا بدأ منذ انطلاقة الثورة، علمًا أننا لم نتفق حتي الآن علي تاريخ محدد لانطلاق الثورة، ولم نتفق حتي الآن علي المعني الحقيقي لبداية النكبة؛ أكان ذلك في ثورة البراق، أم في ثورة القسام، أم ثورة التحرير، أم في العام 56 أو العام 67، أو قبل النكبة، أم بعد النكبة أو بين النكبة والنكسة، وهذه الثورات هي استمرار لحقبات تاريخية سابقة، أذكّرك يا رفيق أننا نتحدث عن عظماء وشهداء وأسري”. يعرف جميع من يجلسون علي هذ الطاولة، وهم كثر، أن هذا الشخص الجالس من اليسار، يساريّ حتي النخاع، ومسحوق إلي أن تقوم الساعة، حتي أن جرأته في طرح الأسئلة والنقاش جعلته مستهدفًا من الجميع، رغم ما قاله عنه عامّة الناس والبسطاء، ممن يبحثون عن قوت يومهم أو يؤمنون بالموت من أجل ما آمنوا به، أنه صادق في كلّ شيء، وصدقه هذا هو سبب بلواه وغُلبه، لم تسعفه ثقافته ودراسته، أو قراءاته وكتاباته في شيء، بل كانت وبالاً وبلاءً له وعليه. يلتزم جبر اليساري الصمت، ويتّضح علي ملامحه عدم إعجابه بالفوضي التي عمّت المتحدثين، وهو علي يقين بأنه قام بفعل ارتدادي للقنبلة التي أطلقتُها في إجابتي لتلك الفتاة العجيبة الغريبة… آية. آية أدركت أن سؤالها كان مركبًا ومربكًا، وهو موضوع نقاش تتحدث عنه جميع التنظيمات السياسية والاجتماعية والعسكرية في الضفة وغزة، والخارج والداخل، ولكنها أيقنت أيضًا أن جزءًا كبيرًا من المجتمعين بالصدفة وعلي هذه الطاولة بالذات لهم علاقة مباشرة بأسئلتها المثيرة للجدل. هذا يصرخ معترضًا، وذاك منزعجًا، وآخر لم يأخذ فرصته في التعبير، نقاشات وحوارات وسجالات جانبية، واتهامات بالتقصير، أو استغلال الفرص، ومنهم مستفيد من المرحلة، وغيرهم متضرّر منها، وفريق ينشد … علي الدنيا السلام!!! كنت أراقب ما يدور حول هذه الطاولة من سجال وجدال ونقاش، وطرح للعديد من الشعارات وغيرها، ودفعني الفضول إلي النظر إلي وجوه الحضور لأري أو أحاول أن أري مدي صدق المتحدثين، ولم يشدّني شيء من حديث صابر أو جبر أو غيرهم، ليس لأني أعرف هذا الحديث فحسب، بل لأني أعرفهم أيضًا. وفجأة… ينقطع اتصالي هذا مع وجوه الآخرين… خيط رفيع كخيوط الشمس المشرقة، ونسمات البحر الهادئ، يشدّني إلي أحد معالم هذا السمار العربي المطارد من طرفي الصراع، لأتحسس همساته في مسامعي، رغم كلّ الضجيج الذي رافق لقاء الطاولة هذه، وتعيدني الذاكرة إلي العديد من الأيام والأشهر والسنين. تحلّق فوق ذاكرتي تلك الطيور التي تتجاوز كلّ المسافات والحواجز والحدود، لتحملني إلي تلك الفتاة التي خسرتها يومًا لأجل الوطن، وإلي تلك الأرض التي خسرتها يوما لأجل الوطن، وإلي تلك العائلة التي خسرتها يومًا لأجل الوطن، وإلي ذلك الإنسان الذي خسرته يومًا لأجل الوطن، وفوق ذلك الوطن الذي خسرته كلّ أيامي لأجلهم جميعًا. أخذتني الذاكرة في زيارات قصص عديدة، تراكمت منذ عرفت النطق والسمع وقبل ولادتي، علّها تعينني علي إيجاد الأجوبة لتساؤلات تلك الفتاة آية، تلك الفتاة التي عرفت كيف تسأل، ولم أعرف كيف أجيبها!!!! تقاطع آية انسيابي في خيالي، وتدخل في الفوضي التي سادت حلقة النقاش في المقهي، تقاطع الفوضي المسيطرة علي هذه الهواجس، محاولة إلزام الجميع الاستماع الي حديثها بوسائلها الخاصة والمتميزة فيها عن غيرها من السياسيين أو المسيسين، الحاضرين في هذا الاجتماع غير المبرمج، كانت جاذبيتها رغم كبر سنّها تشدّ كلّ من نظر إليها، وفي كثير من الأحيان كانت تخلق نوعًا من البلبلة عند منافسيها في النقاش، إنّها تضبط الحالة، تسيطر علي الموقف، وتعطي دروسًا في أساليب النقاش، بل إنها تلفت أنظار عدد من الحاضرين علي المقاعد المجاورة لنا أيضًا، وبعضًا من الفضوليين الجالسين مع صديقاتهم أو عائلاتهم داخل المقهي نفسه. يحدّق في عينيها جبر اليساري محاولاً البحث عن طرق للرد علي هذه القذيفة التي أطلقتها، وصابر يتفحصها بكثير من الدقة، علّه يجد مواقع ضعف يشغلها في نقاشه، أو يلفت نظر الآخرين إليه، لكنه يفشل، ويحاول الاندماج مرغمًا مع الآخرين، والإصغاء إلي حديثها. وهي …. لم تمنحه فرصة للمقاطعة، بل جعلت حديثها متواصلاً بدون فواصل، أو نقاط وقف أو علامات سؤال، لكنها أنهته بكثير من علامات التعجب والاستفهام!!!! فرضت نفسها بكلّ قوة، وأعلنت التمرد علي الحاضرين، كأن كلّ شيء عندهم لا يعنيها. كانت قصتها محطّ أسماع كلّ الحاضرين، وصوتها جهوري كمن تدعو إلي انتفاضة، أو عصيان، وبدأت بالحديث: “عندما أنهيت مرحلة التوجيهي من دراستي، كنت قد تعرّفت علي شابّ مناضل عرفت من خلال العلاقة معه معني النضال والتحرر والإنسانية وغيرها من المبادئ التي لم أعرفها في بيتي أو في المدرسة، وتحولت العلاقة مع هذا المناضل إلي أكثر من ترابط، بل وشغف لكثرة ما عرفت من خلاله عن الحياة التي يجب علي الإنسان أن يحيا.. العزة والكرامة واحترام النفس الإنسانية التي نحن جزء منها”. “واستمرت العلاقة بهذا الزخم، وبهذا الحب حتي لحظة اعتقاله في العام 1983 علي أيدي قوّات الاحتلال الإسرائيلي، أي بعد أيام من إنهائنا مرحلة التوجيهي، وبعد اتهامه بالعديد من القضايا الأمنية والسياسية والعسكرية قضت المحكمة العسكرية لسلطات الاحتلال بسجنه مدي الحياة ووضعه في سجن نابلس العسكري، دون أن استطيع أن أراه، بسبب الاحتلال، وكذلك ظروفنا بحكم التقاليد الاجتماعية، وبقي في الأسر حتي تنفيذ عملية تبادل الأسري التي جرت في العام 1985 بين الجبهة الشعبية القيادة العامة والاحتلال”. “كنت أراسله وهو في داخل الأسر،كنا نستعمل العديد من الوسائل والطرق للحفاظ علي تواصلنا، وبعد تحريره بأيام التقيته سرًا، كان لقاءً مميزًا، أعاد إلينا الحياة والأمل فيها، واشتركنا في الحلم مع الأيام والليالي حتي قررنا الارتباط”. “كان اختفاؤه مفاجئًا كما كانت مصادفة الانتفاضة الأولي، وبين بداية الانتفاضة واختفائه كانت أيام معدودة،لاحقه الاحتلال طيلة أيام شبابه، ومنذ ذلك الحين لم أراه سوي في رسائله التي كان يرسلها إليّ بوسائل مختلفة، واستمرّ هذا الحال طيلة سنين الانتفاضة وحتي توقيع اتفاقية أوسلو، التي كانت سببًا للإفراج عنه، ووقف مطاردته شرط إبقائه تحت المراقبة، ولم نعرف ما هو نوع المراقبة، ومن يراقبه بعد أوسلو، كما سمعنا أن هذا القرار صدر لأنه لم يحمل علي يديه دم اليهود، ولأن حسن النوايا بين السلطة وإسرائيل يدفع إلي الإفراج عن أسري من الذين لا يرفضون اتفاق أوسلو”. “في لقائنا الأول بعد توقيع اتفاق أوسلو حدثني عن هموم المرحلة وإمكانية استغلال إنجازاتها كأزواج شابة ومتعلمة ومثقفة، وقد أقنعني حديثه حول هذا الموضوع، واتفقنا علي الزواج خلال أشهر معدودة”. “لم تكن عائلتي ترغب بالارتباط مع هذا المناضل، خاصة وأن منافسيه من “العرسان” هم أقرب من رجالات السلطة ورؤوس الأموال، ولكنني استطعت إقناع العائلة بان الاتفاق الجديد بيننا يعني الزواج، وأن أوسلو سيفتح أمامنا أبوابًا واسعة للتطور والبناء، لكن لم يشأ الاحتلال أن نحقق هذا الحلم المشترك، كان شارع الارسال في رام الله محطتنا للبحث عن عمل نعتاش منه، ونحافظ علي بقائنا واستمرارنا،لكنه تحول فجأة الي محطة أخري في حياتنا، أوقفتنا سيارة فيها “مستعربون”، وقاموا بخطف حلمي إلي جهة مجهولة، بقي في الأسر حتي العام 1999، ثم أطلق سراحه بعد اتفاق بين السلطة وإسرائيل في صفقة لإطلاق سراح عدد من الأسري وكان هو بينهم”. “كان الاعتقال عشوائيًا، ومن دون سابق إنذار، وكان صفعة أخري أتلقاها أدخلني في عالم من القهر والعذاب، ومرت سنين وأنا أنتظر الحلم والأمل بالحياة مع هذا الإنسان، ولو بقوت يومنا وبلا حلم أكبر من هذا، بل إنني أصبحت أخاف من الحلم لأنه كان يجلب لي الويلات فقط”. “التقيته بعد أعوام من الأسر والاعتقال، وبعد تحريره مباشرة، شعرت أنها قرون مضت، كان مميزًا، مفعما بالحب والعشق الذي افتقدته خلال سنوات اعتقاله، خاصة وأنني تعرضت خلال أربع سنوات من اعتقاله إلي أسوأ أنواع الضغط والمضايقات من أجل التنازل عنه وقبول أحد رجالات السلطة شريكًا لي في حياتي”. “في لقائي به كنت قد حدثته عن كلّ الحوادث التي تعرضت لها، كما حدثني هو عن كلّ حكاياه وقصصه ومعاناته في سجون الاحتلال، لكنه أكد لي أن ارتباطه معي في الحياة لن يقلّ عن ارتباطه بالوطن، وأنه يتمني ان يُسجن معي في غرفة أكثر من الأيام والسنين التي قضاها في سجون الاحتلال”. “في جولة قصيرة في مدينة رام الله استطعنا ايجاد بيت صغير يأوينا لنعيش فيه حياتنا كما حلمنا بها، وكما رأيناها سويًا أو خططنا لها، وأعادني حبيبي إلي بيت العائلة في ساعات بعد المغيب، وهو عاد إلي حيث أراده الله أن يعود، في تلك الليلة وصلني نبأ اختفائه، كان يسير وحده في شوارع رام الله فرحًا بإنجازه، وأخفته سلطة الاحتلال التي تدرّبت علي قتل كلّ حلم ممكن التحقق، حتي للعشاق في هذا الوطن، كنت قد فقدت الثقة في قيادات كانت تقول إنها راعية للقضية. وتأكدت في لحظة اعتقاله أن هذه القيادات لم يطلق فاها سوي الشعارات، بينما كانت تساوم من خلف الكواليس حتي علي الأسري والمعتقلين، وعرفت أن قيمتهم عندها لا تزيد عن رقم رابح في حساباتها الشخصية، أو خاسر في كثير من الأحيان”. “هذا الرقم الصعب في حياتي لم يرحل هكذا، بل أصبح الرقم الأصعب فيها، لأنه الشمس التي أنارت دربي، والطير الذي حلّق فوق رأسي، والأسمر الذي حلمت به يومًا، والأسير الذي تمنيت له الحياة لأجلي.. فأين أنتم من هذه الأسئلة كلّها؟”. كلام صابر كان أول ما صدر من الجالسين حول تلك الطاولة، بدا من حديثه الهروب من الواقع بالتقدام حول قضية الأسري، وإمكانيات حلها، والتخاذل في قضية الشهداء. وجبر أعلن استنكاره لما حدث، وأسفه علي اليسار، الذي بدأ بالميل نحو اليمين بعد العديد من الإخفاقات. لكن آية الجريئة في أسئلتها كانت تحدّق في أعين الحاضرين تنتظر أجوبة تقنعها، وهي تدرك أن أحدًا لن يجيبها علي أسئلتها حول هذه التجربة التي عاشتها. لم أملك الأجوبة الواضحة للرد علي الفتاة آية، ولكني بحثت في مذكرتي التي أحملها عن ظهر قلب، وأنبشها كلّما احتجت إلي نبشها، لاسترجاع ذاكرتي حول الردود علي أسئلة من نوع الأسئلة التي تطرحها آية، ولم أجد سوي أن أقول لها: “إنّ أجمل اللحظات هي اللحظة التي نحلم أن تكون، وإن أجمل الأيام هو اليوم الذي لم يأت بعد”. وسمعت نفسي أقول لها: “إن أسمي أنواع الحرية هي أن يكون الإنسان ملك نفسه، وأجمل مشاعر السعادة أن يرفض الانسان الواقع ويقتنع بقدرته علي التغيير”، ولكن “لا أملك ردّاً علي تساؤلاتك سوي ما اختصرته في هذه الجمل، لأني جزء منها ومشروع التزام لها، ولأن إيماني بأن :(الشمس تشرق فوق كلّ شيء، وهدير البحر يعلو فوق كلّ شيء، وخيال وحلم الأسري يخترق كلّ شيء، حتي قضبان السجن رغم أنف السجّان)”. انتفض جميع الجالسين علي الطاولة بعصبية مفرطة، وراح كلّ إلي سبيله، وأعين روّاد المطعم تراقبنا واحدًا بعد الآخر، بشيء من الاستغراب، وشيء من الاستهزاء، وشيء من العجب، وقليل من الإعجاب، وكثير من علامات الاستفهام!!! عاد كلّ إلي موقعه في المعادلة التنظيمية لأحزاب ومنظمات العمل الجماهيري، والمدني والحزبي، وعدنا أنا وآية إلي البحث في العديد من الأسئلة والتساؤلات، ولم نجد حلولاً مقنعة أو منصفة أو مرضية. كان صديقي تيسير يستفزّني بدعوتي لاحتساء فنجان القهوة علي دوّار المنارة في رام الله، الفنجان الذي يعرفه صديقي تيسير، ويعرف أنني أعشقه لأجل هذه البلدة بالذات، وكانت الرشفة قبل الأخيرة من هذا الفنجان، وقبل عودتي إلي همومي اليومية، تذوّبني بألم وكأني أفارق عشيقة تزرع في نفسي حكايات من اللهفة والحنين إليها قبل أن أفارقها . فاجأتنا آية بطلّتها الغريبة العجيبة، لتخطف من يدي هذا العشق الغريب، وترتشف ما تبقّي من قهوتي التي أتمتع بها علي دوار المنارة في رام الله . وقفت في الجهة المقابلة لنا تنقّل النظرات بيننا وبين جانبي الطريق، مرسلة إشارات الوداع، كأنها ذاهبة إلي غير رجعة، أو إلي المجهول، أو اللقاء الاخير، أو شيء نسميه الشهادة، تخاطبنا بلغة غريبة، أشبه بخطبة الوداع الأخير، كأنها تخاطبنا بلغة من السحر غير المعهود، وتوصينا بالطيور وزغاريدها، كأنها كانت تعطينا دروسًا في علم الصمت والخطابة من خلال لغة الإشارات والغمز، قوة الحركة، علمتنا….. أننا يجب أن نعلم أن هذا الصمت والتأمل لا يحرك في قوتنا شيئًا، وأن الطيور التي نحلم بها تستطيع أن تحلق فوق كلّ شيء. رحلت صديقتنا آية….. وقفنا أنا وصديقي تيسير،نراقب حركات المارّة علي الطريق الداخلي علي دوار المنارة في مدينة رام الله، ينظر الواحد منا إلي الآخر، نفكر في بناء أجنحة لطيور الحرية حتي تتمكن من التحليق فوق كلّ شيء، ولم نجد حلاً أعظم من ذلك الحل الذي حلمت به تلك الطيور، لأن غرفها، هي الحرية المتاحة في هذه الأيام.. إلي أن يأتي اليوم الذي تخرج فيه كلّ الطيور الأسيرة من سجونها ومعتقلاتها إلي عالمها، .. رغم أنها تعيش في عالم أوسع من عالمنا، وتري فيه أكثر مما نري، حتي أن خيالها قد يستحوذ في يوم من الأيام علي كلّ شيء كما الطيور نفسها تجتاز كلّ المسافات وتحلّق فوق كلّ شيء. كان وداعي لصديقي تيسير قبل عودتي غريبًا عن العادة، افترقنا والدمع يرسم حدود المستقبل علي وجنتينا، كأننا في نفس حالة آية…. راقبني تيسير وأنا أسير في مركبتي حتي اختفيت عن الأنظار، كان صوته يتردّد علي مسامعي، وما زال، وهو يقول: تذكّر يا صديقي ما قالته الفتاة آية: “الطيور تحلق فوق كلّ شئ”. وصلت حاجز قلنديا في طريق عودتي الي الوطن المجزأ، انتظرت ساعات في طابور رهيب، أحاول إخراج حبيبتي من أحشائي، وأحاول الخروج من أحشاءها،أوقفني الجندي المرابط علي ممر العبور، والبنادق تصوب نحوي من كل اتجاه، طلب الجندي بطاقتي… دقق في تفاصيلها، وسألني باستهجان… كيف دخلت الي رام الله؟ أجبته بتلقائية: ” الطيور تحلق فوق كل شيء”.0