الظلام في الأدب: قصة «شيء يذكرني به» لسول بيلو أنموذجاً

حجم الخط
4

كتب سول بيلو في روايته «هدية هومبولت» (1975): «الموت هو الظلمة التي تحتاجها المرآة لرؤية أي شيء». وعلى الرغم من وجود ظلام حقيقي في قصته القصيرة «شيء يُذكرني به» (1990)، يبدو أن بيلو يستكشف في هذا العمل الذي يمتدّ على نحو اثنتي عشرة صفحة، الظلام المجازي المذكور في الحكمة السابقة، حيث يتعمق في دلالاته ومعانيه النفسية والوجودية.
تجري أحداث «شيء يُذكرني به» خلال يوم واحد من شهر فبراير/شباط عام 1933، في شيكاغو الشتوية المُثقلة بالجليد الرمادي والسماء المنخفضة والحركة البطيئة. تتخذ القصة شكل ذكريات طفولة يرويها أب مُسنّ لابنه البالغ، ويسودها حزن عميق وشعور مُتزايد بالكآبة، كأنها تتكاثف في السرد كما يتصاعد دخان الفحم فوق الثلج المتراكم في الشوارع.
في عام 1933، كان لويس، الراوي، يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، ويصف نفسه بأنه «طالب غير مبالٍ، غير محبوب إلى حدٍّ ما، شخصية هامشية». والدته طريحة الفراش، تعاني من مرض السرطان، ووجهها شاحب وجفونها داكنة. في الخلفية، تُلمّح القصة بإيجاز إلى تزايد ظلمة العالم الأوسع، من خلال موضوع نادي النقاش الذي ينتمي إليه لويس: «اختيار فون هيندنبورغ لهتلر لتشكيل حكومة جديدة». لكنه لا يحضر النادي ذلك المساء، إذ يُكلّف بتوصيل زنابق من بائع الزهور إلى عنوان بعيد في المدينة. وهنا تبدأ رحلته القصيرة في الليل، حيث تتداخل المأساة والفكاهة، وتكشف له الحياة شيئاً فشيئاً عن قسوتها وواقعها.
عندما وصل لويس إلى العنوان المطلوب، اكتشف أن الزنابق كانت مخصصة لحفل تأبين لطفلة صغيرة. في غرفة الطعام، لمح جثمان الطفلة مسجى داخل نعش، ثمّ دعته والدتها إلى المطبخ. هناك، على لوح التصريف قرب الحوض، وُضع طبق من لحم الخنزير المشوي تحيط به شرائح الخبز، إلى جانبه برطمان من الخردل الفرنسيّ وأدوات فرد بمقابض خشبية. ظل يحدّق مراراً وتكراراً، وكأنّ المشهد أبى أن يغادر عينيه.
حين غادر لويس الشقة، كان المساء قد أرخى سدوله. «لم يتبقَ من ضوء النهار شيء يُذكر. عند الظهر بدأ يتلاشى، وبحلول الرابعة كان قد اختفى تماماً. « لم يرغب لويس في العودة مباشرة إلى المنزل، فتوجه إلى عيادة صهره طبيب الأسنان. لكنه لم يجده هناك، وأثناء مروره بعيادة طبيب النساء المجاورة، صادف امرأة جميلة عارية.
كانت لحظة عابرة لكنها مثيرة للاضطراب؛ فعند رؤيته لثدييها، قفزت إلى ذهنه صورة مؤلمة: صدر والدته المشوه بفعل جراحة السرطان، ليختلط في داخله الحزن بالإثارة والارتباك.
ها هي إذن لمحة مبكرة عن الخلفية المعتمة للمرآة التي يرى بها لويس العالم. وكما قال لاحقاً، وهو يسير بحماسة مع المرأة نحو فندقها: «لم أُصدّق للحظة أن الناس يفعلون فعلًا ما يظنون أنهم يفعلونه. خلف الحياة الظاهرة في هذه الشوارع، تكمن حياتهم الحقيقية؛ خلف كُلّ وجه، وجههم الحقيقي؛ وخلف كُلّ صوت وكلماته، النبرة الحقيقية والرسالة الخفية».
وما بدا تأملاً فلسفياً سرعان ما تحوّل إلى مفارقة قاسية: إذ تبيّن أن المرأة كانت محتالة، ألقت ملابسه من نافذة الفندق وتركته عارياً، بلا مال، بعيداً عن منزله بأميال.
عندما عاد لويس أخيراً إلى منزله بعد ساعات طويلة، مرتدياً ملابس مستعارة لا تناسبه، كان والده بانتظاره، فما إن رآه حتى انهال عليه بضربة على الرأس. لكن الغريب أن تلك الضربة منحته شعوراً بالراحة؛ إذ فهم أن والدته لم تمت، فلو كانت كذلك، لكان والده قد احتضنه بدلاً من ضربه. في تلك اللحظة، تنبّه لويس إلى «العمل الخفي للأيام الهادئة»، واكتشف أن الأيام التي بدت موزعة ومطمئنة ومسكنة، ما هي إلا دوامة تنزلق به بهدوء نحو القاع.
ومع ذلك، لا تنتهي قصة بيلو بشكل حاسم. فبعد أن يستحضر لويس ذكرى اقتراب وفاة والدته، يدرك القارئ أن وفاة الراوي نفسه باتت قريبة أيضاً. كان هذا الهاجس حاضراً منذ البداية، إذ يشير العنوان «شيء يُذكرني به» إلى ظل الموت الذي يُخيّم على السرد بأكمله. من السهل أن يتلاشى الحاضر حين ينغمس المرء في استرجاع الماضي. وهكذا، تنتهي القصة على نحو مفاجئ، بسطرين ساخرين عابرين، وكأنها تتهرّب من المواجهة المباشرة مع النهاية: «حسناً، لقد رحلوا جميعاً الآن، وأنا بدوري رتّبت كُلّ شيء. لم أترك إرثاً كبيراً خلفي، لذلك كتبتُ هذه المذكرات لتكون جزءاً مما أتركه لك». يبدو وكأنّه بعد أن كشف عن الظلمة، لم يبقَ لديه ما يضيفه.
* كان سول بيلو Saul Bellow) ) كاتباً كندياً – أمريكياً، يُعتبر من أبرز روائيي القرن العشرين. تميز بأسلوبه السردي الغني وعمقه الفكري، وقدّم دراسات معمقة للشخصيات، مستكشفاً موضوعات الهوية، الاغتراب، وتعقيدات الحياة الحديثة. وقدّم ذلك كُلّه بصوت فريد يجمع بين الفلسفة وروح الدعابة المعاصرة.
هذه المقالة تمثل جانباً آخر من مقالة «دبليو بي جودرهام»، أو قد تكون ترجمة لمقالته الأصلية. لكن الأهم في النهاية هو الاهتمام الخاص والشاعريّ بهذه القصة المتأخرة، المثيرة والمظلمة، التي تستكشف الواقع المظلم للموت.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية