المعسكران متحفزان لبدء المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين. لم تمر دقائق قليل حتى بدأت المناوشات السياسية. هؤلاء يؤيدون، اولئك يشهرون، هؤلاء يدقون العصي في العجلات حتى قبل ان تبدأ بالحركة. معمعان تام. لقد توصل نتنياهو الى فهم انه من دون التقدم والوصول الى تسوية ما، ستكون هنا دولة ثنائية القومية، وبين البحر والنهر سيكون اليهود أقلية. هذا استنتاج صحيح شريطة أن يكون نتنياهو قادرا على ان يقود خطوة تاريخية. من الجهة الاخرى، ابو مازن، مشكوك أن يكون رئيس الفلسطينيين عمليا، مشكوك أن يكون مستعدا لحل وسط ذي مغزى، مشكوك أن يكون قادرا على فرض اي قرار على غزة. حجرا رحى معلقان حول رقبة نتنياهو وابو مازن في الطريق الى التسوية: الاول هو موضوع حق العودة. ليس في اسرائيل حتى ولا حزب صهيوني واحد مستعد للموافقة على عودة اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948 وحتى اليوم الى حدود دولة اسرائيل. صحيح أنه يجري الحديث عن بادرات طيبة من بضع مئات الاف الفلسطينيين ممن لن يغيروا شيئا من الطابع اليهودي لاسرائيل، ولكن خلاف ذلك، لن يوافق احد. من الجهة الاخرى لا يوجد زعيم فلسطيني مستعد للتخلي عن حق العودة، او على الاقل تحديد مبدأ نظري لحق عودة من دون تحقيقه عمليا. اسرائيل لن توافق على ذلك وصحيح تفعل، إذ أن لتحديد مبادئ نظرية قد يكون معنى محملا بالمصائر بعد عدة سنوات. وعليه، فان موضوع العودة الفلسطينية لن يمر، لا هنا ولا هناك. ولكن الحجر الثاني هو الاصولية الدينية الايديولوجية. جماعات الضغط الاقوى، سواء في اسرائيل أو في اوساط الفلسطينيين، التي تعارض الحل الوسط الاقليمي، هي جماعات يحركها ايمان ديني غير قابل للتغيير. لا توجد نية لمد خط تشبيه بين حماس وكل المنظمات الاسلامية الفلسطينية وبين المنظمات اليهودية الدينية. كل ما هو مشترك بين هذه وتلك هو الفكر الديني، من حيث رأيهم لما يعود لهم. نتنياهو وكل الآخرين يعرفون أنه بدون حل وسط في يهودا والسامرة يسمح باقامة دولة فلسطينية لا أمل في الوصول الى سلام. المعارضون الاكبر لنتنياهو ولخطوة من هذا النوع سيكونون المستوطنين والاحزاب الدينية الصهيونية الذين لا ترشدهم الا ايديولوجيا دينية. وعندما تكون كل قطعة ارض وعدا الهيا، عندما يكون حق الاستيطان في كل بلاد اسرائيل هو حق مكتسب في التوراة التي يؤمن بها، من دون تحفظ، المستوطنون والاحزاب الدينية، فلا أمل في اي حل وسط، لان الحل الوسط سيعتبر كفرا بالدين وبالوعد الالهي. من يفهم ما هو معنى الشرخ الديني العمق (انظروا مثلا ما حصل في فك الارتباط) يفهم بان كل خطوة تنازل عن مناطق، حسب المستوطنين، هي مثابة تدنيس اسم الرب. وبالمقابل، حماس، حزب الله، الثوار في سورية والاخوان المسلمون في مصر في كل دول العالم الاسلامي مسيرة ترسيخ الاصولية الدينية هي مسيرة سريعة جدا. عندما تحمل النزاعات السياسية، الاقليمية او الثقافية طابعا دينيا فلا أمل في حلول وسط، لان معناها هو ‘التوبة’. والخطاب الديني مغروس في كل جدال، في كل خطوة وفي كل قطعة ارض. الحرم، المبكى، الحوض المقدس، الحرم الابراهيمي، قبر راحيل وما شابه، هي كلها في قلب النزاع. كل واحد يدعي الملكية، كل واحد يعرض كوشان دينيا ولا شيء آخر. هذا حوار طرشان ليس فيه الا اماني دينية صرفة. من ناحية عقلانية واضح ما هو الحل الواحد والوحيد: دولتان للشعبين. اما عمليا، فانه بالذات الحل الحقيقي الاكثر منطقية آخذ في الابتعاد كلما تعززت الاصولية الدينية. وحتى اولئك الذين لا يعتبرون متدينين بل قوميين واضحين، علمانيين في جوهرهم، هم ايضا يجندون حججا ‘تاريخية’ او دينية لتبرير افشال تحقيق الحل الافضل. كل المشاكل الاخرى قابلة للحل، شريطة أن يزاح البعد الديني عن الطاولة، هل ممكن؟ بحسن رأيي، لا.