تعد الفنون الشعبية وخصوصاً التراث الشفوي إحدى السمات الدالة على عراقة الأمم والشعوب ومعبرة عن هويتها الثقافية لما تنقله من جماليات وقيم وعادات. وتزخر سلطنة عُمان بالكثير من الموروثات الثقافية المادية وغير المادية وتترسخ في الثقافة العُمانية العديد من الفنون الشعبية أو الإثنوغرافية وتشمل هذه الفنون أشكالا تنوع بين الرقص الشعبي والموسيقى والحكايات السردية بما فيها تلك التي تتداخل مع الخيال، والرسم والنحت وغيرها. ومما لا شك فيه أن هذه الفنون وجدت وتوارثت عبر الأجيال ونشأت في مناسبات مختلفة.
وليس مستغرباً في عُمان أينما ذهبت في أي محافظة من محافظاتها الإحدى عشرة أو وأنت تجتاز قراها وحواريها، في جبالها وسهولها وعلى شواطئ بحارها لن تخطأ عينك أو أذنك من سماع ترنيمات أو نغمات تنساب من حناجر شيخ كبير في السن وهو ذاهب في الصباح الباكر للحقل أو ذاك الذي يحمل شبكة الصيد في طريقه نحو البحر أو امرأة تعد الفطور أو شاباً يركل الكرة برجله أو حتى طفل أو فتاة تنتظر حبيب قادما. كل أولئك ممن يجيدون ترديد الأشعار والأهازيج العُمانية وسبك معانيها.
إذا كان الجاحظ ذكر ذات مرة (المعاني ملقاة في الطرقات ) فلن نتعجب ونحن نسمع من أطفال صغار لم يبلغوا العاشرة وهم يرددون أو يتناظرون في فن الميدان أو المسبع وكأن الكلمات استوطنت سماء وأرض عمان لا تحتاج إلا لمن يلتقطها ويبثها على لسانه.
لا ريب أن فني الميدان والمسبح يكادا يكونا هما الفنان الحاضران بشدة على الألسن في الإلقاء والنظم، الفنان اللذان ينتشران في المناطق والمحافظات الساحلية وخصوصاً محافظة شمال الباطنة إلى الرزحة وأهازيج البحر وغيرها، الى فن العازي. وكأن كل حجر في عمان يخفي تحته كنز من الفنون الشعبية التي تتميز بها البلاد دون سواها. ليس لفن أفضلية أو ميزة عن غيره فبجانب فنون للفرح والغزل هناك حضور لفنون للحزن والمناسبات المختلفة. ولكن يبقى فن العازي هو ذروة الفنون وسنامها العالي.
يعود اسم العَازي إلى كلمة يعْزي وفي الدارجة العُمانية يقال إن فلان يعْزيك أي يشيد ويفتخر بك ويذكر مناقبك وحسناتك ومزاياك ويعتز بك. والعازي هو أحد الفنون التقليدية العمانية العريقة وهو نمط موسيقي وهو من فنون الفخر والاعتزاز والاعتداد بالنفس، ويصنف من فنون السيف والحماسة، ولا يمارس العازي إلا بوجود السيف والترس أو الدرع. ضروري ومن الأدوات الأساسية وهو كذلك فن الحكمة والأخلاق الحميدة. ويمارس بدون آلات موسيقية أو نغمات ويقتصر على الرجال ويتقدم المنشد ثلة من الرجال وغالباً ما يمتاز المنشد بحسن الصوت. ولا يقوم فن العازي إلا بالشعر حيث يعتبر عموده وأساسه، وتسمى قصيدة العازي باسم (العزوة) وفي أماكن أخرى من البلاد تسمى (التعيوطة) في الداخلية.
وعلى ما يبدو، وبحسب المصادر التاريخية، فإن بداية فن العازي جاءت نتيجة لكارثة وقعت في عام 1371ه (1950م) عندما اجتاحت السيول والأودية ولاية سمائل وسالت وخلفت كوارث طبيعية وعددا من القتلى تداعى الناس في حينها للإنقاذ والإسعاف سميت لاحقاً (بجائحة السبعين). تلك الفاجعة كانت كفيلة بأن تلهم العمانيين أن يؤرخوها ابداعاً بكلماتهم وترانيمهم لتصير لاحقا منحوتة في ذاكرتهم وليخرج فن العازي يعالج تلك الكارثة وليصبح فن العازي فن الشجاعة والفروسية. ويعتبر أشهر ناظمي العازي في عُمان، بحسب الشاعر خميس المويتي، هم الشاعر عامر بن سليمان الشعيبي (1844-1908) من وادي بني خالد، والشاعر خلفان بن سعيد النعماني (1914-1990) وعبدالله القرواشي.
يؤدى منشد العازي ويسمى (المعيّط) وهو يمسك سيفه باليمين والترس أو الدرع بيده اليسار ممتطياً خنجراً وكذلك يحمل المشاركون أسلحة خفيفة بندقية تعرف باسم (التفق) ويطلقون زخات رصاص في الهواء عند نهاية كل مقطع. يتقدم المنشد عددا من المؤدين ويستهل عازيه بإطلاقه عددا من الهتافات والصيحات والتكبيرات يعتز فيها بأهله وبأبناء قبيلته ووطنه، يفتخر بهم وبأعمالهم وشجاعتهم ومناقبهم وسجاياهم الفاضلة وتحفيزهم لتلبية نداء الوطن والقبيلة للدفاع عن الوطن والعرض ولهفة المظلوم ونجدة الغريق. وغالبا ما تبث هذه الكلمات والأشعار الهمة والحماس والقوة في النفوس ويكرر المنشد تلك السجايا والأفعال لتأتي ردات فعل المشاركين أكثر قوة وسرعة وتلبية بالحماس.
في الماضي يؤدى فن العازي لأغراض ومناسبات كالانتصار في الغزوات والحروب أو نجدة الحريق أو الغريق وفي الأعراس والختان والأعياد، وفي الوقت الحالي غالباً ما يؤدى في مناسبات الاحتفال بالأعياد الوطنية والأعياد الدينية واستقبال الضيوف والمشاركات في المهرجانات الغنائية والفنون التقليدية، أو في مدح الرجال العظماء، والعلماء، أو استقبال الابطال والتاريخ والغزل وغيره من الأغراض والمضامين..
يذكر الباحث جمعة بن خميس الشيدي بأن الأنساق والتراكيب في نصوص العازي متعددة وتحمل ثراء فنياً ولغوياً، فتأتي هذه النصوص في أربعة أنساق، يختلف كل نسق منها باختلاف التراكيب الفنية في بنية النص وفي وزنه وتفعيلته، فنجد نصوصاً ذات مقاطع رباعية تسمى (مربوعة) ونصوصاً موصولة أو (مربوطة) ترتبط مقاطعها مع بعضها نصاً ولغة، وهناك نصوص على حروف الهجاء العربية تسمى (ألفية)، ونصوصاً على العدد تسمى (عددية) بدءاً بالعدد واحد. ونصوصاً مطلقة (حرة) على سجية شاعرها ومبدعها، وهي كلها على غرار القصائد الحرة في الشعر العربي.
وحسب الشيدي فإن منشد العَازي عادة ما يذيل أو يختم كل مقطع ينشده بجمل غالبا ليست موجودة ضمن النص الشعري بل هي جمل متوارثة. مثل (صبيان يا كبار الشيم) أو(الملك لله يدوم) أو (العز بالله يدوم).
مبكراً أدركت الحكومة العمانية أهمية توثيق تراث الناس والوطن فأدرجت عُمان فن العازي في قائمة اليونسكو للتراث العالمي غير المادي في عام 2012. ضمن قائمة كبيرة نجحت السلطنة في إدراجها ضمن التراث العالمي غير المادي للإنسانية (13) عنصراً ثقافياً منها، فن البرعة أدرج عام 2010م والعازي والتغرود عام 2012م ، فن العيالة عام 2014م، ولرزفة أو الرزحة بلهجة بعض المناطق عام 2015م وملف القهوة العربية وملف المجالس والفضاءات الثقافية، عام 2018م تسجيل (عرضة الخيل والإبل). وفي عام 2019م تسجيل (النخلة المهارات والممارسات والتقاليد المرتبطة بها) (سباقات الهجن والمعارف المرتبطة بها) في عام 2020م. وفي عام 2021م (الخط العربي) وملفي حداء الأبل والخنجر عام 2022م.
وتشتهر جميع محافظات السلطنة بفن العازي، إلا أن أصوله تعود إلى محافظات الداخلية والشرقية غالباً. ومع التطور في وسائل الإعلام والنقل انتشر العازي في أغلب محافظات السلطنة، ولاحقا عبر الحدود إلى الدول المجاورة ليصبح سمة ومؤشرا جغرافيا لسكان المنطقة وأحد الفنون المشتركة.
كاتب من عُمان