العاصمة اللبنانية تستعيد أبا الفنون رغم الاضطرابات
جواد الأسدي ينشئ مسرحاً في بيروت بعد استرجاع روجيه عسّاف ونضال الأشقر مسرحيهما:العاصمة اللبنانية تستعيد أبا الفنون رغم الاضطراباتبيروت ـ القدس العربي ـ من ناظم السيد: قبل أقل من ثلاث سنوات تعرّض المسرح في لبنان لخضّات كادت أن تترك أثراً علي مستقبل هذا الفن فيه. لم تكن هذه الخضّات عابرة في ظنِّ الكثيرين وقتها. خضّات جرت بعد سنوات علي توقف الحرب الأهلية وبعد تفاؤل حسبه اللبنانيون مقدمة حقيقية لجمهورية ثانية كما أوحت إعادة الإعمار التي شملت وسط بيروت (الداون تاون) ومعظم المناطق اللبنانية عموماً، ولا سيما شبكة الجسور والطرقات التي تحيل علي معاني التواصل والترانزيت والاختلاط. من هذه الخضّات علي سبيل المثال إغلاق مسرح بيروت الذي كان يديره المخرج روجيه عسّاف في منطقة عين المريسة ثم إغلاق مسرح المدينة الذي كانت تديره المخرجة نضال الأشقر في شارع كليمنصو. وقتها احتشد الفنانون والمخرجون والمهتمون والمحبون. رفعوا لافتات معترضة. لكنَّ المسرحين الأكثر فاعلية في بيروت أغلقا ليقتصر عرض المسرحيات علي مسرح مونو ومسارح بعض المراكز الثقافية (المركز الثقافي الروسي مثلاً) وبعض الجامعات.اليوم يبدو أن بيروت بدأت تستعيد مسارحها المقفلة قسراً. يحدث هذا رغم أن البلد يمرُّ في حالة سياسية سيئة ربما كانت الأخطر في تاريخ البلد بسبب الشحن الطائفي بعدما كانت الأزمات السابقة تنتج من صراع بين معسكرين: عربي وغربي، أو بين يمين ويسار، أو بين مركز وأطراف، أو بين قوي حزبية تنتمي إلي هذا المعسكر أو ذاك. إذاً، لم يمنع سوء الوضعين السياسي والأمني من مواصلة المسرحيين طموحاتهم. هكذا استعادت نضال الأشقر قبل فترة ليست بالبعيدة مسرح المدينة لكن علي بعد مئات الأمتار من المكان السابق، تحديداً في شارع الحمراء. أما روجيه عسّاف فقد استعاد مسرحه أيضاً، مسرح دوّار الشمس ، وإن علي طرف العاصمة، وتحديداً في منطقة الطيونة. نضال الأشقر تكرّس مسرحها في مبني سينما سارولا لمسرحيات لبنانية وعربية وأجنبية إضافة إلي نشاطات أخري مثل ندوات ومحاضرات وغير ذلك. أما روجيه عسّاف فقد فتح مسرحه لجيل الشباب حيث تُعرض مسرحيات شبابية إضافة إلي مهرجان سنوي يضمُّ برنامجه عروضاً مسرحية وسينمائية وأدائية من رقص حديث وإيماء وغير ذلك. بابل في شارع الحمراءشارع الحمراء الذي سلبته الشوارع المجاورة بعض المقاهي والحانات ودور السينما والمصارف (كما في فردان، مونو، الداون تاون)، استعاد بمسرح المدينة شيئاً من تاريخه المسرحي مثلما استعاد بحانات مثل جدل بيزنطي و تاء مربوطة بعضاً من حياته الثقافية. لكنَّ الحدث الأهم هو مباشرة المخرج العراقي جواد الأسدي بإنشاء مسرح جديد في مبني سينما مارينيان في شارع الحمراء. مسرح بابل ، هذا هو اسم مسرح الأسدي الذي سيتم افتتاحه في أيلول (سبتمبر) القادم. بالطبع ليس جواد الأسدي غريباً علي بيروت ومسارحها وجمهورها. بالعكس، ثمة جمهور خاص للأسدي هنا هو الذي سبق له تقديم مسرحيات في العاصمة اللبنانية مثل الخادمتان لجان جينيه، تقاسيم علي العنبر لتشيخوف، الاغتصاب لسعدالله ونوس، الآنسة جولي لسترندبرغ و المصطبة التي كتب نصَّها بنفسه وأرّخ فيها لشيء من سيرته. ومن نافل القول أيضاً ان المخرج العراقي البارز الذي عمل في المنافي ثلاثين سنة مقيماً أو متنقلاً بعروضه بين دمشق، عمّان، تونس، القاهرة، بغداد، الإمارت العربية المتحدة، إضافة إلي دول غربية كالسويد، بريطانيا، إيطاليا، فرنسا، لم يكن من الممكن أن ينشئ مسرحاً في بغداد بسبب العنف الذي يسودها وبسبب الطائفية والعشائرية اللتين تسيطران علي أبناء العراق بحسب تصريحات المخرج نفسه هنا وهناك. لهذا كانت بيروت أولاً. وأولاً أيضاً بسبب مناخ الحرية والتعددية والديمقراطية الذي تتيحه هذه المدينة رغم ما تشهده من اضطرابات لا تقلُّ عنفاً وتخلفاً عن القبلية والدموية. لكنَّ بيروت هي بيروت ولطالما احتفظت بهوامشها في الحريات والترحيب بالوافدين إليها حتي في ظلِّ الحرب الأهلية (1975ـ 1990) كما عرف المثقفون الغرب وخبروا.يبدو جواد الأسدي متفائلاً بمشروعه الجديد. من الآن حدّد هذا المشروع الذي سيتجاوز المسرح وإن ظلَّ الهمُّ المسرحي أساسَه وعصبَه. سيكون مسرح بابل مكاناً لعروض تشكيلية وعروضَ رقص حديث. كما سيضم محترفات للرقص والموسيقي وتأهيل الممثلين الشباب. العروض نفسها ستكون منوّعة ما بين عربية وأجنبية، ولا سيما من أوروبا الشرقية حيث درس المخرج الإخراج (في هنغاريا بحسب علمي). وأيضاً يسعي الأسدي الذي تعمل معه الفنانة جاهدة وهبي ورعد خلف مؤسس فرقة زرياب للفنون الموسيقية ، إلي جذب مخرجين من تونس والخليج العربي، مفكراً في إخراج قصيدتين لبدر شاكر السيّاب هما أنشودة المطر و الأسلحة والأطفال وبعض النصوص الروائية إضافة إلي عمل عن الشاعر العراقي مظفّر النوّاب.الأفراد وإيماناتهمفي النشاط المسرحي المتعالي الوتيرة في بيروت اليوم، مبادرة أخري جديدة: تأسيس موقع إلكتروني للمسرح. هذه المبادرة قام بها بشكل فردي المخرج المسرحي يوسف الرقة. الموقع ما زال في بدايته بعد مرور نحو شهر علي تأسيسه. وهو يضمُّ مقتطفات مسرحية عربية وعالمية مع شخصيات مسرحية معروفة وأرشيفاً ومقالات صحافية عن بعض المسرحيات الحديثة في لبنان والدول العربية وغير ذلك من الأبواب. ربما احتاج الموقع إلي المزيد من المواد النقدية والأرشيفية والصور، كما يظهر لمن يتصفحه. لكن ما يشفع لهذا النقص كون المبادرة فردية في بلد استقال فيه نقيب الفنانين رفيق علي أحمد بسبب عدم إقرار قانون مهني للفنانين يضمن لهم حقوقهم ويمنحهم ضمانات صحية واجتماعية أسوة ببقية النقابات المهنية.ليس أخيراً، لا بدَّ من الإشارة إلي عدد من العروض المسرحية المكثفة والمتزامنة التي تجري في بيروت: بوابة فاطمة لروجيه عسّاف، جرصة لرفيق علي أحمد، شلاح الطربوش لإيلي كرم و صفحة 7 لعصام بو خالد وفادي أبي سمرا، إضافة إلي مهرجانات وعروض فردية شهدتها الفترة الممتدة بين أوائل الـ 2006 ونهايتها.في كل حال، سبقت هذه المسرحيات يوم المسرح العالمي الذي أطلقته المؤسسة الدولية للمسرح عام 1961، وحددت السابع والعشرين من آذار (مارس) للاحتفال به. لم يكن هذا اليوم استثنائياً في بيروت هذه السنة بسبب وجود عروض عدة تجري علي خشبات المسارح كما سبق. مع ذلك احتفل مسرحا مونو و دوّار الشمس بهذا اليوم في سلسلة عروض طلابية تضمنت التمثيل والرقص والإيماء والتعبير الجسماني في مونو لطلاب معهد الفنون وبإشراف رئيس المركز اللبناني للمسرح المخرج موريس معلوف وعدد من الأساتذة الجامعيين. من هذه العروض: صوت وموسيقي ، فاصل راقص ، شوف البلد ، أوديب والأيكونوغرافيا ، الصمت ، وين الحيط و اطلاع بالشنطة . عروض هي أيضاً خرجت من واقع سياسي مأزوم. أما مسرح دوّار الشمس فقد شهد إطلاق فرقة البيان المسرحية لعصام بو خالد. وكانت هذه الفرقة المكوّنة من صم وبكم قدّمت عروضاً داخلية في دار الأيتام الإسلامية ليشهد الجمهور أول عروضها التجارية بعنوان عالم بلا صوت في يوم المسرح العالمي . أخيراً، ربما كانت الأحداث المضطربة التي يشهدها لبنان دافعاً آخر لتنشيط الفنون والآداب ومن بينها المسرح. ثمة أعمال أدبية وفنية عدة قامت كلياً علي مسلسل الاغتيالات والشحن الطائفي وحرب تموز (يوليو) من روايات وشعر وسينما وتشكيل وتجهيز ومن بينها عدد من المسرحيات المذكورة. هنا يصبح المسرح (والفن عموماً) أداة للنقد من خلال لعب دور سياسي واجتماعي شرط ألا يقع في الالتزام المباشر أو الكيتش.QMS0