عندما ننظر بعين السّحر والخيال، وبعين المنطق أيضا، نجد أن كلّ مدينة في عالمنا هي أليفة وعاديّة وأسطورية في الوقت نفسه. المدينة الكبيرة والصغيرة، الشهيرة والمغمورة، المتحضّرة والمتأخرة.. جميع المدن تقع حتما على حافّة الأفق، أو أقرب قليلا، أو أبعد، فلماذا لا تسكنها الأسطورة؟
يمضي الناس وتبقى رسوم ذكراهم، وتتهدّم الحجارة ويظلّ ضوعُ فتاتها. كما أن أيّ بلدة تضمّ من بين مبانيها سوقا وبنكا ومقهى، فهي تماثل بقيّة المدن على سطح الكوكب، القذّة بالقذّة. هنالك حتما نساء الظلمة ورجال يحومون حولهنّ، وفي وسط هذه الحمّى يريد رجال الشّرطة إثبات وجودهم. ولو كانت النّساء فتيات صغيرات، وحدث ما حدث بينهنّ وبين رجال الظّلام، فإنهنّ يدخلن المشفى أو يتوفّين قبل أوّل عمليّة إجهاض. من هذه الحبكة تكوّنت لدينا قصّة قصيرة. يمكننا تعريف المدينة إذن بأنها المكان الذي تجري فيه كلَّ يوم قصصٌ قصيرة. ومثل أيّ بقعة في الأرض، هناك خزيٌ لدى بعض السّاكنين، وهناك رِفعة، ويكون الناتج من هذه الخلطة أن القصة تُقرأ، وكأنها رواية يشترك جميع السكّان في تأليفها. يقول ميلان كونديرا: «مؤسس المدينة في العصر الحديث ليس ديكارت فحسب، بل وسيرفانتس».
كان سعدي يوسف يتجوّل في البلدة التي يزورها في وقت السّحر، عندما يأخذ الليل بالتبدّد والنهار لم يطلع بعد. الطرقات تكون فارغة في هذه الساعة ومهجورة، واللون السائد هو الرمادي، والصمت رماديّ هو الآخر. ما الذي يفتّش عنه الشاعر في السّاعة صفر من اليوم؟ يقول سعدي:
في الليل يختلفُ الشّجر
ليكونَ بيتا
أو دخانا.
آنها يتآمرُ الضبّاط …
يمكننا تعريف المدينة إذن، وفق رؤية الشاعر، بأنها المكان الذي تحصل فيه المؤامرة، وهذه تُنجز عادةً في الساعة صفر من اليوم. في هذا الوقت تنام الأشجار في ملاءة من القطن السماويّ، ويكون الوجود مرسوما بالحبر الصّيني، كأنّ كلّ شيء عثر على مكانه، فصارت له ظلال ثقيلة يُظهرها بصورة ليس في مقدورنا نسيانها. إنها هويّته وخاصّته وكلّ كيانه، دون زيادة أو نقصان، لا شمس تُزيده ولا قمر يُطفّفهُ، بكلمة واحدة تُرينا الساعةُ صفر من اليوم لُبَّ الوجود من غير قشور.
في مثل هذا الوقت قتلَ مكبث ضيفه الملك دنكن، ووضع نفسه أمام العالم ملكا يستريح على رأسه التاج. وعندما استتبّ له الأمر وهجره النوم، بسبب القلق خوفا على ملكه من الأعداء، راح يشكّ في مصدر كلّ حركة وصوت، ويشلّ الاكتئاب حياته يوما بعد آخر، وها هو يُعلن: «ليس هناك ما هو جادّ في المصير البشري، وكلّ شيء ألهية». إن مستقبل بلاده رسمته ساعةٌ شاذّة من اليوم، لا هي من النهار ولا من الليل، ومصير الجميع «مخفيّ في خُرم مخرز»، مثلما يقرّر شكسبير في المسرحيّة، ما أضيق العيش فيه إذن، وما أبشعه!
لقد قُضيَ الأمرُ وتحدّد مصير كلّ كائن في البلاد التي جرت فيها المكيدة تبعا لذلك؛ الأقوياء والشرّيرون والمنحرفون في طريقهم إلى أن يغتصبوا كلّ شيء، ويحصل المراوغون والمزيّفون على الحقيقة والمجد، أمّا في القاع فهناك الضعفاء واللطيفون والمسالمون، الذين يجسّدون الخير والجمال والحكمة ويقدرّونها، يغطّيهم المدّ ويصارعون ثم يفشلون حتما، أو أنهم يُذبحون ويُضحّى بهم، ويسير الوجود على هذه السكّة دون انحراف أو تغيير في الوجهة. «علوُّ السمعة قضى، والحسنُ مات/ ونفدت خمر الحياة، ولم تبقَ إلا الحثالة/ يتباهى بها قبو الأرض»، هكذا يصف شكسبير الوجود الجديد بعد الجريمة، وهو يحدّد في الحقيقة ملامح الحياة في المدينة المعاصرة، و»في كلّ صباح جديد تنوح أرامل جديدات، ويزعق أيتام جدد، وويلات جديدة تصفع السماء».
تعلّمتُ من الشاعر سعدي يوسف طَبْعه في أن أستيقظ مع الطير الأول، وأهيم في طرقات المدينة مع الغبش البارد، أحاولُ أن أشكّلَ لوحة لها قريبة الشبه بتلك التي يرسمها بيكاسو، وهي لديه عبارة عن «حاصل سلسلة من التدمير والهدم». أقوم في أثناء تجوالي في الشوارع بحذف ومسح كلّ ما هو خارجي وغير حقيقي ومؤثّر في حياة الناس، كي أتمكن من الحصول على بانوراما ذات إطار وخطوط للمدينة. هل صادفَ أن عشتم أو مررتم ببلدة اغتصبها الأعداء حديثا، فهي تحتضر تحت أقدام الغزاة؟ إنها تشبه تماما صورتها في السّاعة التي يعلنها صياح الديك، عندما يعمّ السماء بخار حليب أسود يصعب رسمه أو التعبير عنه، يهبط تدريجيّا ويغلّف كلّ شيء مثل قدر محتوم. ولو كنتم مسافرين وألقيتم نظرة على المدينة من الجوّ، لظهرت لكم في هذه الساعة بهيئة وحش عملاق يتماوت، فهو يفكّر ويعدّ العدّة في سبيل الأخذ بثأره؛ بعد مئة عام، أو بعد مئات الأعوام. آه أيّها الانتقام الجميل! صحيحٌ أنّ الناس نيام، وهم ينامون في الغد أيضا، وفي العقد المقبل، لكنّ آخرين سوف يولدون، وعليهم تقع هذه المهمّة. كلّ بلدةٍ في التّاريخ، إما أنها احتُلّت في الماضي أو الحاضر، أو أنها في سبيلها إلى الاحتلال في المقبل من الأيّام، وسوف تحرق النيران الناس من كلّ عمر، الرجال والنساء، وسوف يُظهرُ السلاح قدرته على القطع في الأجسام، ويحدث هذا عادة في آخر اللّيل، كي تستر أجنحة الظّلام ما تقوم به الجيوش من فظاعات، ثم يطلع النّهار ويتملّى الجنود مُلكهم الجديد بعيون مفتوحة.
صار لدينا تعريف جديد للمدينة إذن، بالإضافة إلى كونها مكانا للمؤامرات وتُكتب فيها القصص القصيرة والروايات، فهي ساحة حرب.
إذا كان هناك من يعود بتاريخ الإنسان إلى ما قبل اكتشاف النار والعجلة وغير ذلك، فإني أرى السّلاح هو المؤشر إلى التطوّر التاريخي لحياة الإنسان على مرّ العصور. كان في القديم عصر الحجارة والهراوة، ثم جاء الحديد الذي ألِنّاه للملك داود فانتصر في الحرب. أتى بعد ذلك زمان البارود عندما توصّل نوبل إلى اختراعه الفذّ، وصار من يمتلك البندقيّة والمدفع يكسب المعركة، وإن كان وحشا قميئا قادما من بلاد المغول، ويحكم العالم. اليوم هو عصر القنبلة الذريّة التي لا تدعنا نفكّر في نوع السلاح المقبل، وكيف يكون تبعا له مستقبل البشر.
في الساعة صفر تبدأ الحروب بين الدول وتقوم الانقلابات العسكريّة ويموت رئيس ويحيا آخر. إنها دورة الزمان في كلّ زمان، وهو ضباب التاريخ إلى آخر الحياة على سطح الكوكب. وفي هذه الساعة أيضا تُنفّذ الإعدامات بحقّ المحكومين، وتُذبح البهائم في المجازر، ويقوم السرّاق بأعمال السّطو.
رجال العسكر، مُفعمون بالغطرسة والعُتمة، هم البُناة الحقيقيّون للمدينة، وليس ديكارت والروائي وأنا وأنتم. العالمُ يمضي، وهم يلعبون الشطرنج باسم التاريخ، مطيحين بكلّ شيء، قطعة قطعة، إلى أن تغرق رقع المدينة كلها بالدم. يا للذعر! العسكر يسكنون المكاتب ويجوبون الطرقات بأسلحتهم، ثم يأتي المساءُ بطيئا ومضطربا (إنها المدينة!)، وحين تشتدّ الظلمة يغدو رجال العسكر لا مرئيين، ثم تفضحهم الساعة صفر من اليوم. يثبّتهم في الحقيقة، بفعل يشبه المعجزة، حبرُها الصيني، يخلقهم كأنما من جديد، ليبدأوا دورة اليوم بالتآمر.
البشر لم يتغيّروا منذ خلقوا، وعلى أساس حكمة الناس على دين ملوكهم، فإن قدر أبناء المدن يُقرن بهم منذ الولادة، وكلّ شيء مسوّى ومُقاس وفق طبيعتنا: أنا أقتل أو أُقتل إذن أنا موجود، هذا أمر ثابت في عصاراتنا الهضميّة مثلما في تفكيرنا، وأنا أتآمر وأفتري أو يُفترى ويُكذب عليّ إذن أنا موجود. العمل القبيح والشاذ لا بدّ أن ترافقه كوارث شاذّة، ويتحوّل البلد في النتيجة إلى فراغ تسكنه البلاهة والتفاهة واللاجدوى، وهذا تعريف آخر للمدينة، بسبب مسلسل الجرائم والشرور التي لا تنتهي، و»ما من حقيقي فيها إلا الذي ليس بالحقيقي» و»الدميم هو الجميل، والجميل هو الدميم» بتعبير الملك الغادر مكبث.
كاتب عراقي