العالم العربي اليوم وضرورة الفلسفة السياسية

حجم الخط
0

يونس رزينإذا كان ثمة من عنوان يمكن للمرء أن يقدمه للصورة التي عليها العالم العربي، فلن يكون سوى الأزمة. ولست بمعتقد أن الأمر لا يزيد عن خطاب ألف الحديث بلغة التشاؤم واعتاد أن يرسم لنفسه من الصور القاتمة الشيء الكثير. لك أن تبدأ بالثقافة وأن تمر عبر السياسة والاقتصاد، والدين، و أن تنتهي عند أبسط السلوكات. تراك ماذا واجد؟ إنك واجد ثقافة يتعايش فيها القديم والحديث بشكل غرائبي. سياسة تتكلم لغة الديني، ودين يعتلي عرش الأدلوجة، واقتصاد أقل ما يقال عنه انه ريعي. وأما سلوكات الأفراد فالقليل منها يتكلم لغة الحداثة، والسائد منها مشدود إلى التقليد، لكأننا أمام نوع من الفصام في الشخصية شديد التعقيد. هي الأزمة إذن، نتحسس معالمها دون كبير عناء ونحن نستحضر صورة الآخر. هذا الآخر المتعدد حسب مرجعيات الرأي، إن كانت دينية فالثنائية هي الإسلام في مقابل المسيحية، أما إن كانت الخلفية جيو- سياسية فزوج هو: شرق/غرب، شرق وغرب قد تتسع حدود دائرتهما أو تضيق.

يمكننا القول، بناء على ما سبق، إن التفكير في السياسة على وجه العموم، والفلسفة السياسية على وجه التخصيص في العالم العربي تعاني هي أيضا من نقص حاد في النظر بالمقارنة مع ما خلفه العالم الغربي؛ إذ يكفي ذكر الفلسفة السياسية أو الفكر السياسي حتى تتبادر إلى الأذهان مؤلفات مؤسسة للفلسفة السياسية محسوبة هي على العالم الغربي بتراثه اليوناني والأوروبي بداءة، والأمريكي في فترة لاحقة، يكفي ذكر الفلسفة السياسية حتى تطفو إلى السطح من الأسماء ما يجري ذكره في الأغلب الأعم من الكتب التي تقارب، من قريب أو من بعيد، السياسة. قائمة من الأسماء امتدت على مسار ستة وعشرين قرنا من زمن.

ما الذي يمكن للمرء أن يلحظه وهو يقف وجها لوجه أمام هذا التراث المحسوب على الفلسفة السياسية؟ لا يمكنه- أقولها جازما- إلا أن يلحظ نوعا من التقدم والتطور في طرح القضايا السياسية ومعالجتها، وحينما أقول التقدم معناه أن تاريخ الفكر السياسي في العالم الغربي في حوار دائم مع الذي يقع، مع الذي يحدث؛ وإن كانت المفاهيم، أحيانا، تحافظ على نوع من الاستقلالية. يقول ناصيف نصار في سياق حديثه عن الفكر السياسي الغربي: ‘إن التراث السياسي الذي أبدعه الغرب غني، متنوع، ومتنام، بكيفية منقطعة النظير’. وماذا عن المكانة التي يحتلها الفكر السياسي العربي؟ الجواب الأكثر بداهة وهو أن الفكر السياسي العربي يحتل درجة ثانية مقارنة مع ما خلفه العالم الغربي حيث فرض عليه ذلك، أولا: إعادة التفكير في جملة ما يحسب أنه فكر سياسي عربي-إسلامي، ثانيا: التفكير في هذا التراث السياسي العربي الإسلامي على ضوء فكر سياسي غربي عتيد. هذا التوتر الذي يعيشه العقل السياسي العربي ما بين منظومتين اتنثين جعلت الأخير يعيش، في الآن نفسه، نوعا من الانشداد إلى مرجعية دينية؛ ويتبدى ذلك من خلال الحضور المكثف لشبكة مفاهيمية إسلامية كشورى، وأهل الحل والعقد، والمبايعة، والخلافة، ويأمل في ربط الاتصال مع الفلسفة السياسية الغربية من خلال ‘اقتباس’ المفاهيم، الشيء الذي يطرح معه سؤال المحلي والعالمي، الخاص والكوني، الأصالة والمعاصرة؛ ثنائيات تجاوزها كفيل بمدى’ الاستيعاب النقدي للفكر السياسي العربي القديم والمراجعة النقدية للفكر السياسي العربي الحديث والتفاعل النقدي مع الفكر السياسي الغربي لتوكيد قدرة الفكر السياسي العربي على تهديم الصنميات السياسية والأوهام والممنوعات والقيود التي يفرضها النزاع بين الأصالة والخصوصية من جهة والانفتاح والتغريب من جهة ثانية’ الحاصل مما سبق ضرورة التفكير في المسألة السياسية من وجهة نظر فلسفية لعلنا نرفع شيئا ما من هذا الغموض الذي يلف المفاهيم ويؤثر بالتالي على صياغة الإشكالات، ليجعل الواقع بمنأى عن إدراك التبدلات والتغيرات. يقول عبد الله العروي في هذا السياق: ‘حينما نعي حق الوعي أن تحليل المفاهيم هو وسيلة لتنوير الذهن وتقويم المنطق نكون قد قطعنا شوطا بعيدا نحو التقريب بين الفكر والعمل، أو نحو الرفع من مردودية نشاطنا اليومي، حيث إن الكلمات تجسد مجالات مفهومية تشير إلى تجارب، والتجارب لا تترجم إلى الواقع الاجتماعي إلا إذا تم التعبير عنها بطرق مستساغة لدى الجميع’. لست بمبالغ إن قلت إننا اليوم في حاجة ماسة إلى التفكير في السياسة ومفاهيمها (الدولة والحرية، المساواة والعدالة، المواطنة وحقوق الإنسان، الشرعية والمشروعية، الديمقراطية والمجتمع المدني…) فلسفيا في الوقت الذي حاول فيه مفكرون كثر مقاربة السياسة في العالم العربي إما من زاوية علم الاجتماع السياسي، أوالأنثربولوجيا السياسية. قد يعترض معترض بالقول: ما وجه الجدة في مقاربة السياسة فلسفيا، علما أن التفكير في السياسة من منظور السوسيولوجا أو الأنثروبولوجيا يجعلنا في اتصال مباشر مع ‘الواقع’؟ ويضيف قائلا: إن الفلسفة إن هي فكرت في السياسة رفعت هذه الأخيرة عن الواقع لتعانق سماء اليوتوبيا. يمكن القول إن للسوسيولوجيا أهميتها في تحليل الواقع السياسي غير أنها لا تستطيع ذلك إلا بتوسلها من المفاهيم ما يحسب على حقل التفكير الفلسفي. غموض المفاهيم في الأذهان يعني، ضرورة، التباس الواقع. هكذا يقول عبد الله العروي: ‘إننا نحلل المفاهيم ونناقشها لا لنتوصل إلى صفاء الذهن ودقة التعبير وحسب، بل لأننا نعتقد أن نجاعة العمل العربي مشروطة بتلك الدقة وذلك الصفاء’. لا يمكن للواحد منا نكران الصلة القائمة بين أفكار الفلاسفة والمفكرين بالواقع، إذ السواد الأعظم- حتى لا أقول الكل- قدم طروحات يظل استيعابها ناقصا ما لم نستحضر جملة الظروف التاريخية المحيطة بها، غير أن ذلك لا يعني، أيضا، أن فكرهم السياسي هو محض انعكاس مرآوي ساذج للواقع. إن المفاهيم الناظمة لفكرهم تظل محتفظة بنوع من الاستقلالية حيث نستطيع التفكير من خلالها في ما هو كوني وعالمي. من ثمة كان للفكر زمنية ليست هي زمنية الواقع العيني التاريخي. زمنية الفكر مطلقة، -المطلق ها هنا لا يعني الثبات والسكون- بينما زمنية الواقع نسبية. والحوار بينهما مستمر. باحث ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمنسيك ـ الدار البيضاءـ المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية