العالم العربي بحاجة إلى معجزة أكبر كثيرا من تسريبات ‘ويكيليكس’!

حجم الخط
0

ويكيليكس كشفت عن مسرحية مغلقة للاعبين بلا جماهير، لأن الحضور فيها مقتصر على جوقة الإعداد والإخراج و’السيناريست’، وأما الجماهير فإنها مغيبة تماماً وتجاهد من أجل تسديد فاتورة التكاليف الباهظة لهذه المسرحية المفتوحة بلا فصول. إنها لعبة النخب الحاكمة، وفيها توزيع للأدوار بين فئتين من الحكام.

حكام فعليون، وحكام وهميون، بينما تقف الشعوب على مسافةٍ محددة تفصل بينها وبين الحاكم الوهمين ومسافةٍ أخرى أبعد تفصل بينها وبين الحاكم الفعلي.

في واشنطن توجد غرفة القيادة، ومن هناك يتم توجيه الأوامر لكل الحكام المتعاقدين مع القيادة المركزية، ومنها يتلقون التعليمات المفصلة للمواقف والقرارات التي يتوجب عليهم اتخاذها في كافة المناسبات.

من المفارقات الغريبة أن يقوم الحاكم التابع بالهرولة أمام الحاكم الفعلي ويزايد عليه من خلال حثه على توجيه الضربات المدمرة لدولة جارة ومسلمة، وهو الذي ما فتئ يحذر من عواقب اللجوء إلى القوة في التعاطي معها في كل مناسبة يظهر فيها أمام الكاميرات.

ومن المفارقات الأكثر غرابة أن يقوم حاكمٌ آخر بحث الولايات المتحدة على القيام بعمليات قصف جوي آلي لأبناء شعبه، وهو يعلم مسبقاً أن هذه الغارات كثيراً ما تخطئ أهدافها وتؤدي إلى إزهاق أرواح الكثير من المدنيين العزل، وهو ما حصل بالفعل في اليمن، لا بل إنه يعده ونعني الحاكم الفعلي، باستعداده لتبني هذه الغارات على أنها من تنفيذ جيش بلاده، ويقوم أحد وزرائه بتضليل البرلمان ويدلي بشهادة تثبت بالدليل القاطع أنها مفبركة ولا تمت للواقع بصلة.

هذا السيل الجارف من التسريبات يفترض أن يؤدي إلى الإطاحة بكل الرؤوس التي كانت ضالعة في التآمر على شعوبها، لو كانت هذه الشعوب أوروبية أو شرق آسيوية، وذلك نظراً لمدى خطورة المواقف التي اتخذوها خلسةً وبعيداً عن مرأى ومسمع شعوبهم.

صحيح أن هنالك الكثير من التساؤلات عن الجهات التي تقف وراءها وعن دوافعها والمستفيدين من نشرها، ولماذا غابت الدولة صاحبة الحضور الأقوى في مسرح الشرق الأوسط، ونعني بذلك الدولة العنصرية الأكثر تحسساً من إيران وهي إسرائيل، مع انها تستحق أن تنال بجدارة اسم (دولة ما وراء الكواليس). لو حاولنا أن نجتهد في البحث عن الفائدة التي يمكن أن تجنيها الولايات المتحدة من وراء هذه التسريبات فإننا نستطيع ان نصل إليها بسهولة من خلال التأمل في الخيارات المطروحة أمام القيادات التي تمت تعريتها بسبب هذه التسريبات، ومعرفة الرد الذي ستتبناه، لاسيما أنها لا تستطيع أن تطعن في مصداقيتها، لأن هذه الوثائق كانت ضمن الأرشيف الدبلوماسي السري للولايات المتحدة، وهي مخصصة للاستعمال الذاتي من قبل القيادة الأمريكية وحدها.

أمام صعوبة الطعن في المصداقية، الذي قد يصل إلى درجة الاستحالة، فإن هذه القيادات لن تجد بديلاً عن البدء بهجومٍ معاكس تبرر فيه هذه المواقف، مما يؤدي بها إلى الخروج من سراديبها إلى الملأ وتعلن أنها فعلاً تتبنى هذه المواقف لأسبابٍ سوف يتم إعدادها للشعوب بتأنٍِ وروية من أجل التحايل عليها، ومن ثم تجد نفسها في خندقٍ واحد على المكشوف مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة القوى المصنفة على أنها جزء من محور الشر.

لن تستطيع القيادات العربية بعد اليوم أن تلجأ للسرية في المشاركة بهذه الحرب القادمة لا محالة، لأنها لن تستطيع أن تقنع الشعوب العربية بأنها على حياد، وهي التي تطالب الإدارة الأمريكية بقطع رأس الأفعى، التي صنفت على أنها العدو اللدود ولا يشاركها هذه الرؤية إلا إسرائيل التي ستصبح حليفاً محتوماً لا يمكن الالتفاف عليه والتملص من التنسيق معه.

ما قامت به تسريبات ويكيليكس أشبه ما يكون بِرش سطلٍ من الماء البارد على شخصٍ يضع قدميه في البحر ويتردد بالغوص فيه خوفاً من البرودة، لأنه بعد الابتلال من الرأس إلى أخمص القدمين لن يجد ما يتعذر به أو ما يخشى عليه.

بهذا تكون أمريكا وإسرائيل قد قطعتا الطريق على هذه القيادات إن هي أرادت العودة إلى شعوبها من أجل التصالح معها، لأنها أبدت من السوءات ما يكفي لقطع شعرة معاوية التي تربط بينهما، وعليه فإن هذه القيادات سوف تحتاج لأمريكا وإسرائيل من أجل حماية نفسها من غضب هذه الشعوب، لتجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن تستمر في الحكم وتقوم بتنفيذ سياستنا، ونعني بذلك أمريكا وإسرائيل، وإما أن نرفع يدنا عنك لتفتصل مع شعبك، ولك أن تتخيل سيناريو الخيار الثاني كما يحلو لك.

نحن لا نتهم أسانج ولا برادلي، وهما القابعان في السجن بانتظار المصير المظلم، لأن شكوكاً كبيرة تساورنا، ونحن نحاول نحاول التصديق بقدرة كائنٍ من كان على اختراق بنوك معلوماتها السرية لولا أنها ترغب في ترك الباب مشقوقاً أمام أحد المتطفلين لغايةٍ في نفس يعقوب.

صحيح أن الولايات المتحدة قد أصيبت ببعض الإحراج، وأن دبلوماسييها يجدون صعوبة في التباحث مع نظرائهم من الدبلوماسيين الأجانب، ولكنها تعلم جيداً أنها طالما مرت بأزمات أكبر من تلك التي أحدثتها ويكيليكس، وقد طواها النسيان ولم تعد تذكر إلا ما ندر، مثل فضائح أبو غريب وضلوع الجنود بقتل العائلات العراقية أو الأفغانية من باب التسلية والإثارة، ناهيك عن عمليات الخطف والتعذيب بالإنابة في دول الشرق الأوسط العربية، أو القيام بعمليات الإغراق الوهمي للسجناء، والقائمة تطول.

الشعوب العربية كانت عرضةً لجلسات متواصلة من التخدير والتدجين وقد تبعتها عمليات جراحية عضوية تمخضت عن استئصال الكثير من الأعصاب المتصلة بالكرامة الوطنية والحس العقائدي، وتم تجريدها من كل خصوصياتها التي قد تعيق حركة القوى الغربية وهي تعيث بالأرض فساداً.

لقد قامت القوى الغربية بإجراء الكثير من الفحوصات الميدانية لمعرفة مستوى الحساسية المتبقية لدى الشعوب العربية وجربتها وهي ترى الحصار المفروض على العراقل يزهق أرواح الملايين من الأطفال، ومن ثم تدميرها له وقتل ما يفوق المليون من شعبه، ثم جربته عندما قامت بتفحيم الجثث في لبنان، وعندما أرسلت أهل غزة إلى الجحيم وهم يذوبون بالفسفور الحارق. المسجد الأقصى والقدس والمستوطنات وأصوات وصور الثكالى على شاشات التلفزة أكدت لهذا الغرب بأن هذه الشعوب لم تعد جزءاً من معادلة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن فضح الحكام سيؤدي إلى انخراطهم في المنظومة الإسرائيلية العربية بشكلٍ علني وصريح من دون خوفٍ أو وجل.

هذا الفساد الأممي عم الأرض، وكل شعوب هذا الكوكب تتساقط في الحفرة المظلمة نفسها ولكن بنسبٍ متفاوتة. وحدها الشعوب العربية تبقى في طليعة الشعوب من حيث القدرة على احتمال الأذى والإذلال والاستغلال، ولا يوجد أي إشارة توحي بأنها على وشك التنازل عن هذا المركز إلا بمعجزة خارقة.

زياد علان العينبوسي نيويورك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية