العالم انجر وراء لعبة اسرائيل الحمقاء لكن حفلة مقاطعة حماس التنكرية انتهت بسرعة

حجم الخط
0

كان علي اولمرت أن يزور رام الله قبل السفر الي واشنطن والقاهرة

هذه كانت حفلة تنكرية قصيرة جدا، وما أن مرّ شهران أو ثلاثة حتي انتهت حفلة مقاطعة السلطة الفلسطينية. هذه كانت ايضا حفلة تنكرية حمقاء بصورة استثنائية: بامكان حماس أن تُلوح الآن بانجازها الهام. اسرائيل والعالم خضعوا من دون شروط، والاموال ستعود الي التدفق علي المناطق.

المصيبة هي أن جزءا من الأقنعة قد بقي، واللعبة الحمقاء ما زالت مستمرة: اسرائيل والعالم لن يمرروا الاموال لحكومة حماس مباشرة، وانما بواسطة آلية خاصة للالتفاف علي حماس. هذا القناع سيُرفع هو الآخر بسرعة.

ما الذي كسبته اسرائيل من هذه اللعبة؟ لا شيء سوي الخسارة، والخسارة وحدها. صور الضائقة الاقتصادية في المناطق ارتبطت باسمها عن جدارة. وأي وجه يوجد للعالم الذي يعزف بصورة اوتوماتيكية حسب الألحان الاسرائيلية؟ لعبة القط والفأر التي لعبها العالم بعزف اسرائيل لم تتمخض إلا عن انضمام عشرات آلاف العائلات الي دائرة الفقر في المناطق المحتلة. جائزة نوبل التي منحت في هذه السنة للاسرائيلي الذي طور نظرية اللعب لم تقصد ألعابا كهذه بالتأكيد.

علي العالم الآن أن يتوقف للحظة وأن يسأل نفسه كيف حدث أن دولة صغيرة واحدة تستطيع أن تتلاعب به وأن تدفع الدول الكبري للتصرف بمثل هذه الصورة التي تفتقر الي الحكمة والبصيرة. من يتمعن في سلوك العالم بواسطة قرار الرباعية الدولية بمقاطعة حكومة حماس، لا يلبث إلا أن يتساءل من أين تجد اسرائيل هذه القوة لابتزاز المزيد فالمزيد من القرارات التي تناقض المصلحة الدولية، ومصلحتها هي نفسها ايضا. كان علي العالم غير المعني بحدوث كارثة انسانية في رفح أن يرفض المطلب الاسرائيلي بوقف المساعدات للمناطق فورا، بدلا من الانجرار وراء حماقة لم تنته بعد. فهل ستؤدي قوة اسرائيل الوهمية هذه الي خدمتها لمدة طويلة؟ بالتأكيد لا، سيأتي يوم ويمل فيه العالم الألعاب الفارغة التي تفرضها عليه اسرائيل والولايات المتحدة.

يجب العودة الي حقيقتين أساسيتين راسختين: الشعب الفلسطيني انتخب حماس في انتخابات ديمقراطية جرت بمبادرة امريكية وموافقة اسرائيلية. دولة اسرائيل تتحمل المسؤولية عن مصيبة الفلسطينيين في المناطق المحتلة. أردتم الانتخابات؟ حماس هي التي فازت فيها. رغبتم في تدمير السلطة الفلسطينية بقيادة م.

ت.

ف؟ النتيجة ماثلة أمام أعينكم. تريدون الاحتلال؟ عليكم دفع الثمن المترتب عليه. لا مجال للفرار من هذه الحقائق.

نحو 165 ألف عائلة تعتمد علي السلطة الفلسطينية في دخلها المتدني، اضطرت الي تدبر أمورها خلال الشهرين الماضيين من دون رواتب. هذه المسألة ذات معني هائل بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني الواهن والفقير. 3.5 مليون فلسطيني يعيشون في ضائقة اقتصادية صعبة في اغلبيتهم، ويضاف اليها الآن ايضا نقص نابع من تجميد المساعدات. في المناطق المحتلة يعيش شعب لا يملك أية وسيلة لاطعام نفسه، لأن كل الطرق مسدودة في وجهه ـ هو لا يستطيع الوصول الي سوق العمل في اسرائيل، وليس لديه ميناء أو مطار، وعشرات الحواجز تحول دون تحركه من مكان الي آخر ولا منفذ أمامه.

العالم اختار تحمل مسؤولية غير مباشرة فقط علي ما يحدث. بدلا من انهاء الاحتلال، هو يفضل تقديم المساعدة. هذا حل مريح جدا لأنصار الاحتلال في اسرائيل، لذلك لا نفهم لماذا اختارت اســـــرائيل عرقلة ذلك ايضا؟ لماذا يرفضون تمرير الامـــــوال عبر حماس غير الفاسدة بينما يقبلون تمريرها من خلال فتح الفاسدة؟ الافتراض بأن الضغط الاقتصادي علي السلطة سيؤدي الي سقوط الحكومة المنتخبة كان فكرة بلهاء: هذا النوع من الضغط سرعان ما يؤدي الي نتائج عكسية وزيادة العداء لاسرائيل.

لا يوجد هناك طريق التفافي علي حماس. علي اسرائيل والعالم أن يعترفا بذلك. كل تقدم سياسي سيمر منذ الآن عبر هيئات الحركة السياسية المنتخبة للحكم. ومثلما صمدت المقاطعة الاقتصادية اسابيع قلائل فقط، لن تستغرق المقاطعة السياسية إلا اياما قلائل. السويد استقبلت ممثلين عن حماس، وباقي الدول الاوروبية ستسير في أعقابها. امريكا ستضطر، ومن بعدها اسرائيل بتأخر كبير جدا، للاعتراف بحكومة حماس. لذلك يتوجب أن نتساءل: لماذا الانتظار والحالة هذه؟

عِبرة المقاطعة الاقتصادية قصيرة العمر يجب أن تُستخلص الآن. صحيح أن اسرائيل قد فوتت قطار أبو مازن ـ وأصبح الآن شمعون بيريس الفلسطيني: من اللطيف التحدث معه، ولكن كلامه أصبح ذا أهمية وتأثير قليلين. ومع ذلك، كان علي اسرائيل أن تبادر فورا الي الالتقاء بأبو مازن باعتبارها قد خصصت مدة نصف سنة للمفاوضات السياسية. هذا لو كانت راغبة في التفاوض فعلا. كان علي اولمرت أن يسافر الي رام الله من قبل أن يسافر الي واشنطن والقاهرة.

ما الذي يفترض أن يحدث بالضبط خلال هذه الاشهر الستة في الوقت الذي ترد فيه اسرائيل يد أبو مازن الممدودة للالتقاء؟ وماذا كان سيحدث لو توجه اولمرت الي نظيره الفلسطيني اسماعيل هنية، الذي يتوخي الحذر في تصريحاته منذ انتخابه، ودعاه الي الالتقاء به؟ هل كانت السماء ستسقط في هذه الحالة؟ أم أن الأمل بالسلام كان سيتبدد من جديد؟ إلا أننا نفضل مواصلة الاستمتاع بالحفلة التنكرية، بينما يئن شعب بأكمله تحت الاحتلال ورهبة الارهاب والحرب التي تحوم فوق رؤوسنا.

جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) 14/5/2006من الأجدر برئيس الوزراء أن يبدأ بالمفاوضات مع ابو مازن قبل أن يجبره المجتمع الدولي علي ذلكقد لا يكون الشريك المطلوب لكنه الوحيد.. واسرائيل لا يمكنها رسم الحدود النهائية بناء علي رغبتها فقطالعالم انجر وراء لعبة اسرائيل الحمقاء لكن حفلة مقاطعة حماس التنكرية انتهت بسرعة يبدو أن الطريق أمام رئيس الوزراء ايهود اولمرت طويلة. فخلال نصف سنة، هكذا أعلن أمام الجميع، سوف يبدأ في تنفيذ خطة الانطواء. فلماذا يا سيدي رئيس الوزراء تريد تأجيل هذه الخطوة التاريخية الي موعد آخر وبعيد كهذا الذي تقوله؟ يمكن أن نبدأ بذلك اعتبارا من الغد.. فهكذا يمكن أن يرتاح رئيس الوزراء من لهاثه المتصاعد وأن يعمل سريعا علي تحقيق وعوده لسبب واحد ووحيد، لأن هذا ما اعلنته حركته منذ البداية، وعلي هذا قام حزب كديما. يمكن أن نفحص ذلك بعمق وانتباه، وبارادة واحترام بأن الامكانيات الحقيقية لانهاء النزاع الطويل مع الفلسطينيين يمكن أن يحدث دون ارتكاب أخطاء جديدة تنسف كل تطلعاتها القديمة.

تطلعات كثيرة وأفكار أكثر من ناحيتي وزملائي ايضا، تلاحقت بهدف واحد وهو الاثبات، بأن عملية الانطواء لن تشكل حلا للنزاع الطويل مع الفلسطينيين. وذلك ليس فقط لعدم وجود أي شخص يمكن أن يتعهد بالنتيجة التي ستتمخض عنها، ولا سيما دفع مئات المليارات من الشيكلات والتي هي ضرورية جدا لاسرائيل ولمواطنيها، وليس فقط من ناحية التجربة التي سنقوم بها بفصل أجزاء في المجتمع الاسرائيلي وتعريضها لأخطار قادمة ستكون أكثر فداحة من جميع الأخطار التي تنجم عن الحروب وسفك الدماء، لأن هذا يحدث نتيجة لاعتماد طرف واحد علي قدرته ـ كما يعتقد ـ بأن يُنهي هذا النزاع الدموي من طرف واحد.

قد يتمكن رئيس الوزراء اولمرت خلال زيارته القادمة لواشنطن، أن يبتز من فم الرئيس الامريكي بوش بعض كلمات التأييد المحددة لخطته، ولكن ليس لديه أي احتمالات بأن يسمع من الرئيس موافقة صريحة، بأن اسرائيل وحدها هي التي سترسم الحدود النهائية وبناء علي رغبتها فقط. وكما نري فانه في جوهر مخطط اولمرت تكمن المسألة الأساسية القائمة علي الاعتقاد بأن المجتمع الدولي سوف يؤيد اسرائيل في رسم الحدود النهائية وحسب احتياجاتها ومصالحها فقط.

فمن الواجب والضروري، والأمر الذي لا يقبل التأجيل، العودة السريعة الي النظرية القديمة، وقبل أن تقرع الأجراس المنذرة من تنفيذ خطة الانطواء وأن تطن في آذاننا: أنه فقط وبواسطة المفاوضات المباشرة مع القيادة الفلسطينية المنتخبة، وفقط بالاتفاق بين اسرائيل وبين هذه القيادة، يكمن الاحتمال ولو كان ضئيلا، بأن نري النور في نهاية المطاف وأن نُنجز الحل لهذا الصراع، وكل ما عدا ذلك ليس بأهميته. لقد صدق الرجل الثاني وراء رئيس الوزراء، شمعون بيريس، بمطالبته لرئيس الوزراء أنه فور عودته من واشنطن لا بد وأن يجتمع مع رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن. وكذلك بأن موقف وزير الدفاع الجديد، عمير بيرتس، الذي ينادي بضرورة تقوية أبو مازن وأن يتم نقل اموال، ولو جزء من عوائد الضرائب التي تجبيها اسرائيل من الفلسطينيين، الي السلطة الفلسطينية وذلك كتعبير عن حسن النية الذي قد يُحدث الانطباع الجيد علي مستقبل الحوار.

صحيح، بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، فان مكانة أبو مازن قد تضررت في اوساط السلطة. ومع ذلك، فقد تبين لاسرائيل أن فكرتها واسلوبها الذي انتهجته في إضعاف السلطة وتجويع الفلسطينيين عن طريق تأزيم الوضع الاقتصادي ووضع هذه العملية كعقدة كبيرة أمام السلطة، وذلك عن طريق قيام اسرائيل بسد جميع الطرق عن وصول المساعدات الدولية للشعب الفلسطيني ولعدم تمكينها من دفع رواتب العاملين لديها بمن فيهم العاملون في الاجهزة الأمنية، هذا الاعتقاد الذي حاولت اسرائيل بواسطته تقويض حكومة حماس وأن تُجبر السلطة علي التحرك من اجل حل هذه الحكومة والاعلان مجددا عن انتخابات تشريعية جديدة. ادعاءات رئيس الوزراء اولمرت ووزيرة خارجيته، تسيبي لفني، باقامة سور مانع دولي أمام انقاذ هذه الحالة الاقتصادية، والتي بواسطتها منعت اسرائيل نقل الاموال الي حكومة حماس، قد اتضح أمرها في النهاية بأنها غير واقعية. ففي الاسبوع الماضي قررت الرباعية الدولية انشاء صندوق جديد لتقديم المعونات الانسانية للفلسطينيين. وهذه هي الضربة الاولي للموقف الاسرائيلي التي أوقعت الحجارة الاولي من هذا السور الذي أقامته اسرائيل. وبقية هذا السور سوف تنهار خلال زمن قصير.

جوهر الموقف والصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة حاليا هو ضد برنامج ايران النووي. وكل ما عدا ذلك، فانها تتوقع انجازه وتحديده كأهداف ليست عاجلة أو مُلحة باستثناء ما تراه اسرائيل ايضا بامكانية قيام الاولي بتدمير مواقع الابحاث النووية الايرانية، بل علي العكس، فان الولايات المتحدة ما زالت تري في امكانية الضغط علي الموقف الايراني بواسطة العقوبات الاقتصادية التي تحتاج لتنفيذها الي موافقة كل من الصين وروسيا. وحتي أنه اضافة لكل من يعتقد بأن من واجب الرئيس الامريكي بوش التعهد والالتزام بأمن وحماية اسرائيل، قد تتعرض للخطر ايضا، ولكن الولايات المتحدة تعود وتكرر ذلك باستمرار بأنه لا يوجد اصدقاء لها أكبر من صديقتها اسرائيل، ولكن في نفس الوقت فان لها مصالحها.

الموافقة الأولية، والسماح المبدئي من قبل المجتمع الغربي باتجاه هذه الحكومة، سوف تُمكّن حماس من تليين المواقف في الداخل ومن ثم تليين مواقفها بصورة تدريجية: فنحن نسمع من هنا وهناك بعض البيانات المعتدلة، صحيح أنها ليست من أفواه زعماء الصف الاول، مشعل وهنية، فهؤلاء سيحافظان باستمرار علي مواقفهما العنيدة والرافضة. ولكنهما سيتركان للآخرين من الصف الثاني أن يُدلوا بهذه التصريحات هنا وهناك مثل: الي حدود 1967، والقدس عاصمة الدولة الفلسطينية، حق العودة للفلسطينيين، وهذا كله يُعتبر تمهيدا قد يصبح لصالح اسرائيل مستقبلا. وهذا في نفس الوقت قد يكون كافيا للعالم الغربي بأن يتمسك به وأن يبدأ بالضغط علي اسرائيل لتتخذ مواقف أكثر اعتدالا.

في الواقع تزداد وتتعاظم قضية طبيعية لا تتفق مع الادعاء لا يوجد شريك، وبسبب وجود قلة حتي الآن موجودة داخل السلطة، فان أبو مازن لن يكون الوحيد الشريك لاسرائيل بدرجة كافية، ولكن اسرائيل تستطيع أن تجعله الشريك الوحيد، ولذلك فمن الأفضل لرئيس الوزراء اولمرت أن يبدأ مُسرعا ودون تأجيل في البدء في المفاوضات معه، وقبل أن يبدأ المجتمع الدولي، بزعامة الولايات المتحدة، في إجبار اسرائيل علي فعل ذلك.

دوف غولدشتاينكاتب يميني(معاريف) 14/5/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية