أخيرا وبعد عقد من الزمان، من أعمال المطاردة والبحث والتحري، من قبل مخابرات واستخبارات أعتى دولة في العالم، وبإستخدام أحدث وسائل وتقنيات التتبع والملاحقة، تمكنت الإدارة الأمريكية من العثور على مقر إقامة أسامة بن لادن، زعيم ما يسمى بتنظيم القاعدة، الذي أقَضَّ مضاجع الأمريكان وحلفاءهم على مدى عقدين من الزمان.
نعم، تمكنت القوات الأمريكية من إختراق سيادة دولة الباكستان، وقامت بعملية عسكرية دون علم الباكستان، وهذا هو ديدن الإدارة الأمريكية في الإستخفاف بعملائها!
نعم، قُتِلَ بن لادن في بيت يسكنه، ولم يقتل هارباً ولا متخفيّاً، وأصابته رصاصة أمريكية في جبهته من الإمام وليس من الخلف!
وبغض النظر عن وجهة نظرنا في أسامة بن لادن، وإعتراضنا على تطرفه واجتهاداته، ولكننا لايمكن أن نحتفل بموته كما عمل غيرنا، إقتداءً بالفرح الأمريكي الذي أراده أوباما نصراً إنتخابياً يخدم أغراض حملته لتجديد رئاسته، فالقتيل رجل ثري ورث 375 مليون دولار امريكي لأنه ينتسب إلى واحدة من أثرى العوائل السعودية، لكنه بدلا من أن يسخر ثروته في إفتتاح فضائيات داعرة، وبدلا من أن يعيش حياة عابثة كحال غيره من مليونيرات العرب والخليج، آثر أن يعيش مقاتلا متغربا مطاردا يحمل هموم الأمة، ويحارب من يراهم سببا في بلاء الأمة ومحنتها، وقد نختلف معه في الرؤى والأساليب فنحن ضد استهداف المدنيين، وضد الطائفية وتكفير الآخرين، ولكن من هم أعداء لبن لادن، وبالأخص الولايات المتحدة ليسوا أشرف من بن لادن ولا أكثر طهرا منه.. فالإرهاب الأمريكي والصهيوني ضد العرب والمسلمين وبخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان وأقطار اخرى، لايميز بين مدني وعسكري، ولا يفرق بين رجل وطفل وإمرأة، ولايهمهم مقدار الضحايا الأبرياء؟ ألم تُسْأَل مادلين أولبرايت عن حصار العراق الإقتصادي الذي أودى بحياة نصف مليون طفل، إن كان يستحق هذا الثمن فقالت بإستهتار وعنجهية: نعم يستحق!! ثم ألم يقم المجرم بوش بحربه على العراق وأودى بحياة أكثر من مليون عراقي بين طفل وإمرأة وشيخ ورجل.. دون أن يميز بين مقاتل ومدني، بل وتبجح مجرم الحرب بالقول: إن ربيّ أمرني بغزو العراق!! فأي بجاحة وتصلف وعنجهية وغرور هذا؟
إن كان بن لادن إرهابيا لأنه قتل ثلاثة آلاف شخص في عمليات 11 سبتمبر كما يقولون وهي الحادثة التي ما زالت تلفها الشبهات، وعلى إفتراض صحة الرواية الامريكية، ترى ماذا نسمي قتل مليون ونصف المليون عراقي معظمهم من المدنيين نساء وأطفال.. أليس هذا قمة الإرهاب؟ وماذا نسمي حصارا ظالما طال الغذاء والدواء لمدة 13 عاما، وما زالت آثاره لليوم، وذهب ضحيته نصف مليون من الاطفال فقط.. ماذا يمكن أن نسميه غير تسمية (الإرهاب)؟!
نعم، لقد تمكنت الولايات المتحدة من قتل بن لادن، ولكن هل إنتهت عمليات مقاومة الإرهاب؟ وهل ستهنأ أمريكا واسرائيل بالأمان والإستقرار ورغد العيش بعد اليوم في ظل إستمرار الظلم والطغيان والجبروت والاستهانة بأرواح العرب والمسلمين؟
تقول إدارة الشر الأمريكية ان العالم بعد بن لادن سيكون أفضل!! ولكننا نشك يقينا بذلك.. فالإرهاب والتطرف لاينشأن من فراغ!! إنما هما رد فعل لتطرف أشد، ولعنف أكثر ظلماً، اننا في الامة العربية كما هو حال المسلمين في كل بقاع الدنيا، نمقت الارهاب ونستنكره، لانه ليس من شمائل العروبة والاسلام، ولاننا نحن العرب والمسلمين كنا وما زلنا اكبر ضحايا الارهاب الامريكي والصهيوني. لسنا مؤيدين ولا متفقين تماماً مع نهج وأساليب بن لادن، وربما لدينا شكوك في إختراق أمريكي وإيراني لبعض فعاليات تنظيم القاعدة، وهذا ما أثبتناه في مقالة سابقة عن إختراق إيراني لتنظيم القاعدة ووجود معسكرات داخل إيران لتدريب قاعدة العراق. نَعَم، لقد قُـتل بن لادن، لكن قتله لا يعني نهاية ‘القاعدة’. ولا يعني نهاية التطرف، ولا نهاية العنف المسلح، نعم، قد يُعتبر حدثاً مهماً في معركة الرموز، والثأر والإنتقام، ولكن المعركة إن كانت حقاً ضد الإرهاب، فإنها تتطلب قبل كل شيء تجفيف منابع العنف والتطرف، من خلال مكافحة الظلم والفقر والتهميش والاحتلال، كما أنها تتطلب توسيعا حقيقيا وليس دعائيا لمفاهيم الحرية والآفاق المفتوحة والتنمية والإصلاح والمشاركة. لقد إنتهى نهج بن لادن يوم قامت ثورات وإنتفاضات الشباب العربي في تونس ومصر وغيرهما من امصار العر، ضد القهر والظلم والطغيان وإرهاب السلطة، ونجح الشباب في التصدي لرصاص السلطة وبطش (بلطجيتها وأعوانها) بصدور عارية.. دون عنف ولا سلاح ولا عمليات انتحارية، فتحققت للشباب المنتفضين مطاليبهم، وما زالت ثورة الشباب العربي ضد القهر والظلم متقدة مستمرة، ولن يهنأ الظالمون والإرهابيون في العالم وبخاصة إدارة الشر الأمريكية وربيبتها الصهيونية، لن يهنأوا براحة ولا نوم، ما دام هناك ظلم، وعدوان وبالمقابل هناك ثورة وإنتفاضة ورد فعل ضد الظلم والطغيان.. ولن يهنأ ظالم بعد اليوم.. ولن تمر أفعال إرهاب السلطة بالقمع والاضطهاد دون حساب!
د. أيمن الهاشمي