العالم في قطرة ماء

حجم الخط
0

العالم في قطرة ماء

محمد بنعبد القادرالعالم في قطرة ماءكان الرئيس المكسيكي فسنتي فوكس يتلو علينا في معرض خطابه الافتتاحي للمنتدي العالمي الرابع للماء، شذرات شيقة من ثنايا كتاب المايا المقدس بوبول فو ، شذرات من غابر الأزمان تتـــغني بالماء قوام الوجود وأصل الخلائق وألق الحياة، في تلك اللحظات كان شارع انخيل ديلا اندبندنسيا يغوص في خليط من أدخنة التلوث الهوائي وافرازات اللاكريموجين، أدخنة كثيفة تتراقص علي ايقاع أبواق السيارات وهتاف الشعارات وصياح البوليس وصراخ الجرحي والمهرولين في كل اتجاه. ازدادت قوات حفظ النظام ارتباكا عندما انضم طلبة الجامعات في مكسيكو الي نشطاء المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، لتتشكل مسيرة ضخمة من حوالي عشرين ألف متظاهرحاولوا اختراق الشوارع المؤدية الي قصر المؤتمرات بمركز بيناميكس، حيــــث يجتمع لمدة أسبوع (16 ـ 22 مارس) عشرات الآلاف من المسؤولين الحكوميين والخبراء ورجال الأعمال من مختلف الدول والمنظمات العالمية من أجل تشخيص التحديات المطروحة والبدائل الممكنـــة لمواجهة أزمــــة الماء في العالم.بعد مراكش، لاهاي وطوكيو، ها هي مكسيكو تستضيف الدورة الرابعة للمنتدي العالمي للماء، وقد أحسنت عاصمة المكسيك بقبول هذه الاستضافة، ليس لانها مهد لحضارة عريقة نحتت هويتها علي صفحة الماء، وقال شاعرها الكبير خوسي ايميليو باتشيكو كل العالم ينغلــــق في نقطة ماء، قطرة تختزل الطوفان والظمأ وامتداد الأمازون وجلال المحيط ، وانما لان هذه العاصمة المثــــقلة بكثافة سكانها (21 مليون نسمة) والمريضة بتلوث مائها، وبتدهور حوض اناواك من حولها، هي خير مثال بالضبط لما ينبــــغي تجنبه في معالجة مختلف القضايا المـــدرجة في جدول أعمال المنتدي، كالحفاظ علي التوازن الايكولوجي وسلامة الموارد المائية، والتوزيع العادل لماء الشرب ومعالجة المياه العادمة.يجري الماء صافيا مترقرقا في الناحية الشمالية الغربية عبر المساحات الخضراء والاقامات الفاخرة، بينما في الجنوب الشرقي للعاصمة تقطر صنابير أحزمة الفقر بماء وسخ مائل الي الصفرة متقطع علي الدوام، مما يضطر سكان بعض الأحياء مثل اسطاكالكو واتثابالبا لترقب مرور العربات، من أجل شراء حصة هزيلة من الماء العذب. وبينما يزداد سعر الماء ارتفاعا مما يثقل كاهل فقراء مكسيكو، يزداد مستوي الأرض انخفاضا بخمسين سنتمترا في السنة بفعل استنزاف الفرشاة المائية، ويزداد قلق من حتمية عجز مائي كاسح في غضون العشر سنوات المقبلة.بعد ثلاثة أيام من الكر والفر، استطاع نفر من الحركة الاحتجاجية ولوج مبني المنتدي، رفع المتظاهرون اللافتات وصاروا يجوبون أرجاء المركز وهم يخبطون قنينات بلاستيكية معبأة بقطع نقدية احتجاجا علي تسليع الماء، كانت أقصي غايتهم هي الضغط علي المنتدي من أجل تنصيص بيانه الختامي علي ان الماء حق من حقوق الانسان .بينما الخطابات الرسمية تتدفق من المنصات كشلالات تنزل علي السامعين بآخر الأرقام والمعطيات الاحصائية حول ندرة الماء، وكلفة الماء، وتلوث الماء، وحكامة الماء، وأخلاقيات الماء.كان هناك بالموازاة نقاش آخر يتشعب في أروقة المنتدي ويفصل المشاركين الي فريقين، فريق يري ان الماء ثروة انسانية مشتركة ينبغي تدبيرها وتوزيعها بكيفية عادلة، ضمن مقاربة تنموية شاملة ومستدامة في اطار التدبير العمومي والتضامن الدولي، وفريق ثان يذهب الي ان دروس التاريخ تعلمنا ان الماء لم يكن أبدا ثروة مشتركة للانسانية جمعاء، وانما رهان جيواستراتيجي تولدت عنه العديد من الحروب والنزاعات، وهو مورد طبيعي محدود ومكلف، وبضاعة تنطبق عليها قواعد الملكية ويمر تدبيره عبر آليات السوق، والحال ان مفهوم الحق في الماء كان قد تم الاعلان عنه ضمنا أو صراحة في عدد من المحافل والمواثيق الدولية، في مقدمتها خطة عمل مؤتمر الأمم المتحدة حول الماء الذي انعقد في ماردي بلاتا بالأرجنتين سنة 1977، والاتفاقية الدولية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة في 1979، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل سنة 1989، واعلان دبلن حول الماء والتنمية المستدامة سنة 1992، كما نصت أهداف تنمية الألفية سنة 2000 علي خفض نسبة الأشخاص المحرومين من ماء الشرب الآمن الي النصف بحلول عام 2015، وكانت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد تبنت في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 بجنيف ملاحظة عامة حول الحق في الماء أكدت خلالها علي ان الماء مورد طبيعي محدود وثروة عمومية أساسية بالنسبة للحياة والصحة، وذلك علي اعتبار ان تمتيع الانسان بحقه في الماء ضروري من أجل حياة كريمة وشرط لازم من أجل تمتعه بباقي الحقوق الانسانية. وحتي لا يذهب الظن بأحد الي ان الحق في الماء يعني بالضرورة مجانية الماء، فانه ينبغي التوضيح ان الأمر هنا يتعلق بتمكين كل شخص من التوفر علي كمية من الماء كافية لبقائه وكرامته، حيث يلزم ان تعطي الأولوية لغاية الاستعمال الشخصي والبيئي وللوقاية من المجاعة والأمراض.بالرغم من ان العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا ينص صراحة علي مفردة الماء، فان الحق في الماء يبقي متضمنا في عدد من الحقوق المنصوص عليها في المادتين 11 و12 من العهد، والمتعلقة أساسا بحق كل فرد في مستوي معيشي مناسب لنفسه ولعائلته بما في ذلك الغذاء المناسب والملبس والمسكن، وهذا ما يفرض علي الدول الاعضاء في العهد واجب حماية الساكنة، ومنع أي جهة من الجهات من التدخل بأي طريقة في تعطيل حقها في الماء، وحتي يكون الماء في متناول الجميع علي الدول الأطراف ان تتخذ الاجراءات الضرورية لتكريس وصيانة هذا الحق بما فيها السياسات الملائمة في مجال الأسعار، وفي مجال التدبير والتوزيع علي أساس العدالة، وانطلاقا من مبدأ الاستدامة الذي يضمن هذا الحق بالنسبة للاجيال المقبلة أيضا.هذه الملاحظة العامة التي اقرتها اللجنة المكلفة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أكـــــدت كذلك علي ضرورة مساهمة المنظمات الدولية المعنية كالمنظـــمة العالمية للتجارة، والمؤسسات المالية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، في التعاون مع الدول والحكومات لتفعيل هذا الحق، واعتباره ضمن سياساتها المتعلقة بمنح القروض وبرامج التقويم الهيكلي.صحيح ان هذه الملاحظة العامة تبقي من وجهة نظر القـــــانون الدولي مجرد توصية فاقدة للقوة الالزامية، ولكنها مع ذلك شـــكلت خطوة دالة نحو اعتراف المجتمع الدولي بهذا الحق في أفق بلورة اتفاقية دولية تكرس حق الانسان في الماء كحق أساسي غير قابل للتصرف أو للمتاجرة، فاذا كانت المواثيق الدولية لحقوق الانسان كلها تمجد الحق في الحياة، فكيف لا تعترف بالحق في الماء وبدونه لا وجود لأي حياة؟الحاجة الحيوية الي الماء ضمن حقوق الانسان الأساسية.ہ كاتب من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية