العالم ليس جمعية خيرية والغرب ليس بابانويل: الفرصة الاخيرة امام النظام الرسمي العربي
سامي لطيفالعالم ليس جمعية خيرية والغرب ليس بابانويل: الفرصة الاخيرة امام النظام الرسمي العربي سأل مايكل جيرسون، كاتب خطابات بوش خلال ولايته الاولي هنري كيسنجر عن سبب تاييده للحرب علي العراق، فاجاب لان افغانستان لم تكن تكفي في الصراع مع الاسلام، وهم يريدون اذلالنا ونحتاج الي اذلالهم.احتلت امريكا العراق وحاولت بشتي الوسائل اذلال العراقيين والعرب والمسلمين من خلال الاحتلال.ـ ارست الفوضي الامنية التي تمثلت في شهور طويلة من عمليات النهب والسلب مارستها الميليشيات امام العدسات.ـ داهمت البيوت واعتدت علي الرجال امام الزوجات والاطفال، ونقلت ذلك ايضا علي الهواء مباشرة، ودنست حرمة المساجد وقتلت المعتكفين داخلها بالرصاص.ـ صورت وبثت عمليات التعذيب الجنسي، والتقتيل وصلب المعتقلين احياء في سجن ابو غريب وسائر المعتقلات.ـ اهانت وقتلت رجال الدين وطاردت علي الطرقات كل من قال كلمة رفض للاحتلال وزبانية الاحتلال.وعندما انفجر بركان الغضب وبدا رد المقاومة العراقية الباسلة، لم تجد امريكا وعملاؤها سوي الارهاب تهمة تصم به المقاتلين دفاعا عن امتهم وعقيدتهم وشعبهم وحرماتهم…وبعد ثلاث سنوات من الغزو وجدت امريكا نفسها في المأزق الذي اوقعت نفسها فيه: حرب استنـــــزاف هائلة حصرت الوجود الآمن للامريكان في منطقة اسموها الخضراء لا تتجاوز مساحــــتها في بغداد اربعة اميال مربعة، وكما قال الصحافي الامريكي بوب وودوارد، مصنفاً: لقد دخلنا مرحلة ما بعد الحرب، في الحرب فقدت امريكا 140 امريكيا، وبعد الحرب وحتي الآن اكثر من 3000، ان ما يحدث في العراق الآن شيء بلا اسم.. بلا مضمون.. بلا خطة شيء ليس حرباً . بالنسبة للشعب الامريكي فان حرب العراق قد دخلت فصلها الثالث والاخير، هو فصل: كيف نخرج من العراق؟احد كوميديانات امريكا علّق صبيحة اعلان نتائج الانتخابات النصفية في الكونغرس عن رأيه الذي بات يمثل الآن رأي ثلثي الامريكيين مفارقة عجيبة، ذهبت امريكا الي العراق لتغير نظامه.. لكن اليوم العراق غيّر نظام الولايات المتحدة !فالذين جاؤوا الي العراق بهدف اذلال العرب والاسلام والمسلمين، انتهوا الي ما انتهي اليه نيكولاس كريستوف المحلل بصحيفة نيويورك تايمز : انه امر يثير الشفقة ان نكون قادرين علي الوصول الي القمر بسلام، لكننا لا نستطيع ان نذهب الي الانبار بالطريقة نفسها ..! قبل ان يستطرد..: نحن اسوأ الاعداء لانفسنا من ديمقراطيين (حرب فيتنام) وجمهوريين (حرب العراق) .انه الفشل الامريكي الكبير، وتلك عبارة شديدة التلطيف، يمكن تسميته بلا مواربة بالهزيمة الامريكية الكاملة في العراق علي مستوي الاهداف الاستراتيجية او علي مستوي التكتيكات المرحلية.انه الفشل الذي يكابر بوش ولا يريد الاعتراف به لاسباب حزبية انتخابية اساساً، لان اقراره بالفشل وشروعه في تقليص قواته في العراق تمهيدا لانسحابها يعني عملياً وواقعياً. اولا: حسم معركة الانتخابات الرئاسية والنيابية عام 2008 لصالح الحزب الديمقراطي، وثانيا ربما نصب المحاكمات له ولرموز نظامه، تشيني ورامسفيلد وهادلي وسواهم باعتبارهم هم الذين يتحملون المسؤولية التاريخــية والمباشرة للكارثة التي حلت بامريكا في العراق.لهذا اخترع بوش ما اسماه استراتيجيته الجديدة في العراق، والتي اراد فيها ممارسة الهروب الي الامام بحشد المزيد من القوات لارسالها الي الأتون، وتعميق التورط الامريكي في الوحل العراقي، فيما تبقي من وقت لانتهاء ولايته، بحيث يتخذ الرئيس الديمقراطي القادم قرار الانسحاب فيتحمل ذلك الرئيس مسؤولية الهزيمة والخروج المذل بدلا من ان يتحمله الجمهوريون الذين سينقلبون الي موقع المعارضة عندما يحين الوقت.فاستراتيجية بوش التصعيدية الجديدة هي علي المقلب الامريكي نوع من الهروب لا يحظي بدعم معظم الامريكيين، وان كان ـ ويا للمفارقة قد حظي بدعم النظام الرسمي العربي الذي انبري منافحاً عن خطة بوش، ومتبنياً لها من القاهرة الي الرياض دون خجل، هذه المفارقة تسوقنا الي التساؤل المشروع: اذا كان الامريكان يشعرون بانهم هم اعداء انفسهم، فكيف لا يشعر النظام الرسمي العربي حتي الآن بانه عدو نفسه؟واذا كانت امريكا نفسها تشعر بمأزقها وتراجع نفسها وتبذل خططها وتضغط علي ادارتها لتغيير ومراجعة استراتيجيتها، فكيف لا يشعر النظام الرسمي العربي حتي الساعة بمأزقه ويراجع نفسه وكيف لا يبدل خططه ويراجع سياساته، اذ لا يملك ولم يمتلك يوما اية استراتيجية حقيقية؟لقد فعلها اللاتينيون لما ادركوا ان الارتهان لواشنطن والارتماء في احضانها لم يورثهم سوي الفقر والبطالة والقهر والعذاب، الذي لم يفارقهم منذ عشرات السنين، فخرج المارد الامريكي اللاتيني البوليفاري من قمقمه والتحق شافيز بكاسترو والتحق موراليس بشافيز، وانتصر الساندانيون وتغيرت شيلي والاكوادور وكولومبيا وبوليفيا والتغيير مستمر، ولم تعد معاقل اليمين الموالية في الاوروغواي وباراغواي بمنأي عن التغيير، واضطرت ـ كما ظهر في اجتماع دول المجموعة الاقتصادية لامريكا اللاتينية ـ الميركور ـ الاخير الي ان ترفع رأسها مع الرافعين رؤوسهم في البرازيل في كبرياء لم يعرفوها من قبل.بل لقد فعلها الافارقة، عندما اصطفوا وراء الجماهيرية كاسرين الحصار ـ الجوي الذي فرضته القوي الامبريالية عليها لعقد من الزمن، ثم ها هم قد انبروا للدفاع عن زيمبابوي والسودان والامن القومي الافريقي ضد التدخل الامريكي الاوروبي، هو احساس آخر بالكبرياء يلف القارة السمراء.بل ان الكبرياء القومي للكوريين حفز الجنوبيين رغم كل التناقضات السياسية والعقائدية الي رفض التهديدات الامريكية اليابانية لبيونغ يانغ، رفضت سيول وترفض اي غزو امريكي للشمال في شبه الجزيرة الكورية..في العالم هذا الف مثال ومثال علي شعوب حيّة رفضت الاذلال الذي يحلم به كيسنجر وبوش لها، وعبرت سياسات انظمتها وحكوماتها عن ذلك الرفض بدرجة او بأخري..اما النظام الرسمي العربي فهو:ـ غائب عن الاستراتيجية.ـ غارق في التبعية.ـ غافل عن الغرق.في امريكا وفي اوروبا وفي امريكا اللاتينية وحتي في كوريا هناك من يراجع وليس لدينا في الوطن العربي الكبير من يراجع..في امريكا ثمة من يدرك ان هذه لحظة مناسبة للتوقف ومحاسبة الذات وتفقد الاخطاء واستنباط الحلول..بل وفي كيان العدو الصهيوني من يفعل ذلك اولاً بأول ضماناً للحفاظ علي تفوق الكيان الغاصب واستمرار ظلمه وتجبره..الا عندنا نحن العرب، ليس ثمة خطة ولا اعتراف بالخطأ ولا تراجع عن السياسات التي اوصلتنا الي الهزائم والممارسات التي ادت الي الفشل الذريع المخيم علي السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والجيش بل والفن والرياضة ايضا!وقد يكون التوصيف الذي سردناه هو ايسر ما في الآمر، وانما التوصل الي مبادئ الحل ومنطلقات الخروج مما نحن فيه هو الجزء الصعب حقاً..ولعل المنطلق الحقيقي للتغيير لا يبدأ الا عبر الاعتراف المباشر للنظام الرسمي العربي لنفسه ولنا وللعالم بفشله الذريع..فاذا كان النظام الرسمي العربي لا يعرف انه فاشل فتلك مصيبة، اما اذا كان لا يعرف او لا يريد ان يعترف بالطريقة ذاتها التي اعترف بها بوش فالمصيبة اعظم بكثير..علي النظام ان يعترف بفشله لتكون الخطوة التالية هي الرغبة الصادقة في الانقاذ والخروج من المآزق كافة، واول ذلك الخروج استدعاء نوع من الاحترام والنفاذ للمواثيق والمعاهدات والاتفاقيات التي ابرمتها المنظومة الرسمية لذلك النظام اي جامعة الدول العربية، وتفعيلها وتطبيقها دون اي اعتبار لمؤثراث خارجية من اية جهة اقليمية او دولية كانت.علي النظام العربي ان يفعّل معاهدة الدفاع العربي المشترك ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وان يدفع مؤسسة القمة الدورية للتصدي للمخاطر الاستراتيجية التي تتهدد الامة.وبدلا من الاستجابة لمطالب حصار مالي علي المقاومين في كل من فلسطين والعـــراق، علي النظام ان يوجد آلية لدعمهم عسكرياً ومالياً.وبدلا من الرضوخ لطلبات تغيير المناهج التعليمية والثقافية والدينية علي النظام ان يستنبط مناهج جديدة احيائية استنهاضية توحيدية.وبدلا من خطط امنية جزئية فاشلة تتذرع بالاقليم وتتلطي خلف الاسوار ووراء الحدود، علي النظام اقرار خطة للأمن القومي العربي تتضمن:ـ الوحدة الداخلية لكل كيان قطري.ـ الوحدة القومية بشكل ما لكيان عربي متكامل.ـ اسلوب التعامل والتعاون مع دول الجوار.ـ منهج التعامل مع الفضاءات والكيانات الدولية الكبري في هذا العالم.البديل لذلك ببساطة ووضوح هو الفشل الراهن ومزيد من الانحدار والفشل والهزيمة والتخبط في المستقبل الذي قد بدا فعلا منذ الامس غير القريب!علي النظام العربي ان يغير بدلا من ان يتغير اذا كان لهذا النظام فضلة من احساس بالخطر علي وجوده، او ادراك لحجم المأزق او معرفة بأهمية الزمن او تبصر بعواقب التخلف او فهم لما يحدث فيه ومن حوله..لن يجدي النظام نفعا بعد الآن افتعال المشاكل علي الطريقة القديمة، تارة مشاكل مع القوميين وتارة مع الاسلاميين وتارة مع التقدميين وتارة مع الليبراليين الوطنيين، تلك المشاكل مع التيارات الرئيسية ومع النخب المجتمعية الرئيسية والقيادات الفكرية والثقافية، واصطناع الصدام بغرض التلهي بمعارك داخلية تحرف اهتمام الجماهير والشارع عن القضايا الرئيسية، تكتيك كان ينفع لشهر او شهرين، ثم اصبح ينفع لاسبوع او اسبوعين، ثم هو اليوم لاينفع لساعة او ساعتين في زمن البث المباشر لما يحدث في فلسطين والعراق ولبنان والصومال وموريتانيا وكوريا!النظام العربي لم يعد بوسعه الضحك علي الذقون بالسهولة التي كانت تلك العملية تجري بها قبل ذلك، فالجماهير تعيش الحدث لحظة بلحظة وموقفها يتخذ في اللحظة التالية للحدث من اول مخاطر انفلونزا الطيور والي جريمة اختفاء معارض ما..وما يخدم النظام العربي في سعيه لتجاوز مأزقه والخروج من فشله هو المصالحة مع الذات، مع الشارع، بعد ان اصبح الشارع في الشارع، كما نراه في فلسطين والعراق ولبنان وفي غير مكان.. والنظام العربي الذي يريد ان ينقذ نفسه من مشنقة كتلك التي لفها الامريكان علي رقبة الشهيد صدام حسين، عليه ان يحتمي بهذا الشارع من تلك المشنقة، اذ ليس يحميه من مصير صدام سوي الناس اذا اقتنعوا…!اما الاذعان لخطة بوش واستراتيجية امريكا فانها لن تحمي راس النظام العربي، لم تحمه في السابق ولن تحميه لاحقاً.بل ان امريكا التي تستعمل راس اي نظام هي اول من سيضحي به ويسقطه عندما تنتهي فائدته او تتغير مصالحها تجاهه..علي النظام العربي الذي استقوي بامريكا ضد اقوي واهم محاولة عربية للنهوض في العصر الحديث مع عبد الناصر، ان يسأل نفسه كيف قتل السادات وميزانية حمايته في (سي آي ايه) هي 25 مليون دولار سنوياً. علي النظام الرسمي العربي الذي استقوي بامريكا ضد الشهيد صدام حسين ان يسأل نفسه كيف كانت علاقات امريكا الودية بصدام حسين ابان الحرب العراقية ـ الايرانية، وكم مرة جاءه رامسفيلد وكم مرة حملت ابريل غلاسبي اليه تحيات البيت الابيض.. اذا كانت امريكا تستغفلكم ايها السادة، فقولوا لها انها قد تفعل بعض الوقت ولكن ليس بامكانها ان تفعل كل الوقت..والنظام العربي ما لم يبادر الي ان يتغير فسيتم تغييره، هذه سُنة الله في الكون وسُنة الشعوب والامم في الزمن، وُسنة الجماهير في الشارع، والذي يستهين بتلك السنن يدفع الثمن غالياً من فرعون الي بوش.والنظام العربي ما لم يبادر الي الخروج من مأزقه بنفسه، فان القوي الحية من قوميين واسلاميين، من مسلمين ومسيحيين من تقدميين وليبراليين وطنيين، من شباب غاضب في الجامعات والمعامل والمزارع والورش، من شهداء احياء يتمنون حياة اخري في حواصل الطير الخضر في الجنة، هذه القوي الحية في كل مكان من ارض العرب والاسلام لم تعد تطيق ذلاً او ترضي خنوعا او تقيم وزنا لمسلمات النظام ومقدساته وبديهياته، بعد ان باتت العواصم لا تتقن سوي السقوط من القدس الي بغداد الي بيروت الي مقديشو، وبعد مشهد الشنق الذي بثه الامريكيون وصنائعهم تشفياً بالشهيد صدام حسين ومواصلة لنهج الإذلال ذاته الذي تحدث عنه كيسنجر كما ذكرنا في مستهل المقال..النظام العربي سيجد نفسه في العاجل لا الآجل ازاء قوي جهادية قومية وحدوية اسلامية، تمثلت روح الأمة وعرفت كيف تنسج استراتيجية بديلة للمآزق الراهنة بعد ان تقاعس النظام عن ايجاد تلك الاستراتيجية..هذه القوي التي تبلور الآن خططها للتقدم لملء الفراغ الناشئ عن الاداء الحكومي العربي، وتحشد قواها وتعبئ شبابها قد يكون بمقدورها اليوم التوصل الي اتفاق مع الحكومات العربية للتنسيق وتنظيم الادوار، ولكن ذلك لن يكون ممكنا غداً اذا ما انطلق المد الشعبي وبدأ الهدير الجماهيري، فالفرصة الاخيرة امام النظام الرسمي العربي هي فقط الآن!اما اذا واظب ذاك النظام علي الرهان علي الادارة الامريكية فقد حكم علي نفسه بنفسه..ولو كان العراق قد استكان تحت الاحتلال، ولو لم توجد فيه مقاومة فان امريكا ذاتها كانت وفقا لنظرية الدومينو التي تعشقها ربما كانت تتحدث الآن عن كم دولة ينبغي ان ترث آل سعود، او ربما كان الحديث ليكون عن حق الاقباط في دولة مطلة علي البحر الاحمر، وهناك شواهد من كلام الطاقم السياسي الامريكي الحاكم علي ذلك المنطق في دراسات وتصريحات ومقالات ومقابلات مذاعة بل وخطب مباشرة قبيل وبعد الحرب علي العراق..لذلك فان السذاجة وحــــدها هي ما يمكنها وصف الذين يصدقون كلام بوش اليوم عن الحـــــــاجة الي دعم المعتدلين العرب في المنطقة.. آن الاوان كي يبلغ هذا النظام العربي الرشد، ويميز ويدقق ويستوعب… ويراجع… فالعالم ليس جمعية خيرية، والغرب ليس بابا نويل وامريكا ليست مائدة رحمة وبوش ليس النجاشي، هذا عالم الاقوياء وخيار البقاء الوحيد امام النظام الرسمي العربي هو الوحدة..علي الرؤوس الحاكمة اليوم ان تستوحي امريكا في مراجعتها لاستراتيجيتها وتضع خطة لملء الفراغ قبل ان يتقدم الشارع لفعل ذلك، اما اذا كانوا يصرون علي مراوحتهم الراهنة، فان عليهم ان يستوحوا الكيان الصهيوني، اذ لا يعقل ان يتم عزل موشيه كاتساف لاغتصابه واحدة من رعايا اليهود، ولا يتم عزل تلك الشلة التي اغتصبت امة العرب والاسلام.. ہ كاتب وباحث سياسي8