لقد أفصحت جائحة كورونا عن الوجه المظلم للعولمة، بيد أنَّ غلاة المتفائلين بالعولمة، كما يقول المفكر المغربي علي أومليل: «قالوا إنها آتية بالخير العميم، وأنها ستعظم اختيارات الناس، وستمكن من توزيع أفضل للثروة وستوسع قاعدة الطبقة الوسطى، خاصة في البلدان الفقيرة، كما أنها ستنشر ديمقراطية المعرفة بفعل ثورة وسائل الاتصال والتواصل، لكن الثروة لم تجتمع في أيدي أقليّة كما هو حاصل اليوم، فما يملكه واحد في المئة يعادل ما يملكه ثمانون في المئة. وحصل أيضا تفاوت صارخ بين أقلية تمتلك المعارف والمهارات المطلوبة في عالم اليوم، وأغلبية لا تملكها بسبب رداءة تعليمها وضعف مهاراتها».
الانحسار
بينما لا ينفكُّ العالم يتشابك ويتلاقى بفضل العولمة، أفصحت كورونا عن انحسار التضامن بين الدول، فكل دولة غدت تُدَبِّر هذه الجائحة العالمية بمفردها، إذ أضعفت العولمة منظمة الصحة العالميّة، وانسحبت منها أعظم قوى العالم: الولايات المتحدة الأمريكية، التي أدارت ظهرها للعالم، ألم يرفع رئيسها الحالي في حملته الانتخابية شعار: أمريكا أولا، ألم يعلن أن اللِّقاح سيستفيد منه الأمريكي أولا؟ كما أن منظمات من قبيل الاتحاد الأوربي، الاتحاد الافريقي، جامعة الدول العربية، إلخ لم تبدي أدنى تضامن اتجاه هذا الوباء الفتاك.
لقد أدت الجائحة حسب علي أومليل، إلى انبجاس مقايضات زائفة: «مقايضة بين الحرية الشخصيّة، حق الفرد في ملكيّة جسده وحريته في الامتناع عن وضع الكمامة، وعدم الامتثال لضوابط الحجر الصحي، وحق الآخرين في الحياة وسلامة الصحة العامة. المقايضة بين الحريات الديمقراطية وأولوية الأمن والاستقرار. سنشهد لا شك، بفعل آثار هذه الجائحة، اهتزاز استقرار مجتمعات ودول، التي سيؤول بعضها إلى دول فاشلة، وهو ما يجعل الأولوية لتأمين الأمن والاستقرار وباسم تأمينها سنشهد مقايضة الحرية بالأمن العام».
في الحاجة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة
كما شهدت الدول منعطفاً حاسماً أدَّى إلى المقايضة بين سير عجلة الاقتصاد، وحفظ وضمان حق الناس في البقاء. علماً أنَّ حياة الناس وبقاءهم يتوقف على حيوية الاقتصاد، وحيوية هذا الأخير تتوقف على حيوية الإنسان. هنا تظهر الحاجة إلى ترسيخ ثقافة المواطنة، ونقصد: الالتزام بالإجراءات الوقائيّة، تنميّة الثقة بين الدولة والمواطن. هكذا، فإن مواجهة الجائحة تختلف من مجتمع لآخر حسب الثقافة التي تسود في كل مجتمع. لقد أسقطت هذه الجائحة الحجاب، كما يقول علي أومليل على «التفاوت الفاضح في التأمين الصحي والضمان الاجتماعي وفي مستوى الدخل والسكن ونوعية التعليم، كما كشفت التفاوت بين الاقتصاد الرقمي والاقتصاد المادي، بين الاقتصاد المهيكل والاقتصاد العشوائي، إنه تفاوت بين الأقوياء والمستضعفين وبين المندمجين والمهمشين، لقد طرحت هذه الجائحة الحاجة إلى العدالة الاجتماعية فالناس دونها لا يتساوون، ليس فقط في فرص الحياة، وإنما، أيضا، في مواجهة خطر الموت». إذا كانت العولمة ضرورة ملحة فرضت نفسها على البشرية جمعاء، فإنما وجب تشييد أولياتها على أسس العدالة، والتضامن والتشارك، وتقاسم الثروة والمعرفة، «وإلا ظل الناس غير متساوين ليس فقط في فرص الحياة، وإنما أيضا في فرص الموت، كما هو الحال اليوم أمام هذه الجائحة». لقد عاد شبح الموت ليرخي ظلاله على الحياة، بعد أن جعل الناس يتوهمون أن الحياة انتصرت على الموت، بعد أن جعلهم يتوهمون أن زمن الأوبئة، ولى ولم يعد له حضور إلا في كتب التاريخ، بالنظر إلى الثورة التي يشهدها مجال الطب، وتنامي نسب الشيخوخة. فجأة ظهر «فيروس أرعن متقلب حيّر الأطباء والعلماء. جائحته أوّل جائحة معولمة في عصر العولمة. خيب آمال مداحي العولمة، أنها ستوسع توزيع الثروة والمعرفة، إلا أن التفاوت في حظوظ البشر فيها ما كان أفدح مما هو عليه في عصرها.
قوام السياسة إذن هو الحرية، غير أن الحرية لا تعني هنا غياب الحاكم والمحكوم، وإنما تعني ذلك الفضاء العمومي الذي لا يمكن أن يشيّد إلا بتظافر جهود الناس أجمعين داخله.
في السياسة وعد
لقد كشفت كورونا على أن السياسة لا تتحقق بوصفها مطلبا، إلا بتحقق ما تعد به. ولعل أعظم وعد تعدنا به هو الحرية، بما هي قيمة سياسيّة منشأها من السياسة نفسها. ولهذه الأخيرة قواعد قوامها الشِركة والاشتراك والمشاركة والتشارك. يقول جيروم كوهن في التقديم الذي خصه لكتاب حنة أرندت: في السياسة وعد – الذي تكفل بنقله إلى اللغة العربية معز مديوني عن منشورات الجمل 2018 ـ «اتحد عدد من الرجال والنساء أحيانا، وإن بشكل نادر، من أجل الفعل سياسيا، ونجحوا في تغيير العالم المتشكل بينهم. لكن المفكرين الذين انسحبوا من ذلك العالم جراء فعلهم المعزول يعملون على اعتبار الإنسان مفردا، أو اعتبار الناس وذلك هو الأمر نفسه، كثرة من الأجناس الفريدة، وهم يجهلون أيضا، أو يشوهون كما هو الحال مع ماركس، تجربة الحرية السياسية التي نظرت إليها أرندت على أنها الإمكان الأعظم للفعل. وهكذا يعدم الفعل، كما فهمته أرندت، من عرف الفكر السياسي والفلسفي الذي أسسه وقدمه هؤلاء المفكرون».
إن المعايير التي يعتمد عليها العمل السياسي في ممارسته للحكم حسب حنة أرندت، لا يمكن أن تنشأ من معاني متعالية، وإنما منشأها يأتي من صلب التعدد والتنوع البشريين، بيد أن الحكم السياسي ليس مسألة معرفية أو فكرا تأمليا، بل هو مسألة حرية إنسانية، أي أنه يحيل على عالم يشترك فيه الناس الأحرار في ما بينهم: «إنه يؤسس واقع الحرية الإنسانية في عالم مشترك، يشمل النشاط الفكري للحكم ردّ أرندت على الشرخ القديم بين شكلي الحياة: حياة الفكر وحياة الفعل، الفلسفة والسياسة، وهو ما بدأ بموجبه تقليد الفكر السياسي عندنا، وما تتجذر في صلبه ابتساراتنا وأسباق أحكامنا». ولعل أشهر الابتسارات التي يتم تداولها ضد السياسة: الأمل والخوف، خوف من إمكانات توظيف أدوات العمل السياسي من أجل تدمير الإنسانية، ثم أمل في أن تسترجع الإنسانية حواسها وتخلص العالم من السياسة، الأمر الذي يمكن أن يتحقق عبر حكم عالمي يحول الدولة إلى آلة إدارية، تحل الصراعات السياسية بيروقراطيا وتستبدل الجيوش بقوات الشرطة. إذا تحددت السياسة في معناها المعتاد على أنها علاقة بين الحكام والمحكومين، فإن هذا الأمل هو بالطبع طوباوي خالص».
قوام السياسة إذن هو الحرية، غير أن الحرية لا تعني هنا غياب الحاكم والمحكوم، وإنما تعني ذلك الفضاء العمومي الذي لا يمكن أن يشيّد إلا بتظافر جهود الناس أجمعين داخله. تقول حنة أرندت: «الفكرة المتمثلة في أن السياسة والحرية متصلتان معا، وأن الطغيان هو أسوأ أشكال الحكم السياسي وأنه بالفعل مضاد للسياسة، تخترق مثل الخيط فكر وفعل الثقافة الأوروبية، إلى حدود الأزمنة الأخيرة. ولم يجرؤ أحد على قطع هذا الخيط إلا الأنظمة الكليانية والأيديولوجيات المنسجمة معها – ولم تفعل ذلك حتى الماركسية التي أعلنت إلى حدود هذه اللحظة عن مجال الحرية وديكتاتورية البروليتاريا (مدركة بالمعنى الروماني) بوصفه الأداة المؤقتة للثورة. فما يجعل من الكليانية أمرا جديدا بالكامل ومرعبا لا يتمثل في إنكارها للحرية أو الادعاء القائل، إن الحرية لا هي خيرة ولا هي ضرورية في حياة البشر، وإنما بدلا من ذلك الفكرة القائلة بضرورة التضحية بالحرية من أجل تطور التاريخ، المسار الذي لا يمكن أن يعاق، إلا حينما يفعل البشر ويتفاعلون بشكل حر».
كاتب مغربي