سنغافورة/لندن ـ رويترز: إحتل الارتفاع القياسي في أسعار الأغذية قمة جدول أعمال صانعي السياسة بفعل مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى انفلات التضخم وإتخاذ إجراءات حمائية واندلاع قلاقل واضطرابات وتراجع طلب المستهلكين في اقتصادات ناشئة رئيسية.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) يوم الأربعاء إن أسعار الغذاء سجلت ارتفاعات قياسية الشهر الماضي متجاوزة مستويات 2008 حينما أثارت احتجاجات في دول في مناطق مختلفة من العالم مثل مصر والكاميرون وهايتي.
وفي آسيا أشارت بيانات رسمية وتقديرات محللين إلى ضغوط تضخمية. فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار الفلفل الحار خمسة أمثالها في تايلاند في العام الماضي ودعا رئيس إندونيسيا مواطنيه لزراعة الأغذية في حدائقهم الخاصة.
واثار ارتفاع أسعار الأغذية غالبا احتجاجات في المناطق المدنية في الدول الفقيرة حيث تشكل الأغذية المستوردة الجزء الأكبر من مشتريات الأسر. وقال محللون إن الاقتصادات في أفريقيا والكاريبي التي تعتمد على تصدير الأغذية قد تتضرر بشدة على وجه الخصوص مما يساعد على إثارة احتجاجات ويدفع الحكومات نحو فرض حظر على التصدير ومصادرة الأراضي الزراعية المملوكة للأجانب.
وإذا اضطر المستهلكون في آسيا واقتصادات ناشئة أخرى لإنفاق مزيد من دخلهم على الغذاء فسيتراجع إنفاقهم على مشتريات أخرى، وقد يشكل ذلك أنباء سيئة للاقتصاد العالمي الذي يضع كثيرا من آماله على انتعاش الاستهلاك في الاقتصادات النامية.
وحث روبرت زويلك رئيس البنك الدولي في مقال صحافي الحكومات على تفادي إتخاذ إجراءات حمائية مع ارتفاع أسعار الأغذية، ودعا مجموعة الدول العشرين التي تضم اقتصادات متقدمة وناشئة على إتخاذ خطوات للتأكد من حصول الفقراء على إمدادات كافية من الغذاء.
وقال مصدر مطلع إن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طلب من البنك الدولي إجراء دراسة عاجلة على تأثير ارتفاع أسعار الغذاء قبل اجتماعات قمة العشرين في أواخر هذا العام.
وكانت الاحتجاجات على ارتفاع أسعار الغذاء من بين العوامل التي أدت إلى سقوط حكم سوهارتو في إندونيسيا في عام 1998. وكان الغضب من قيام شركة دايو الكورية الجنوبية بشراء أراضي زراعية في مدغشقر في وقت ارتفعت فيه أسعار الغذاء عاملا وراء إنقلاب عام 2009. وأظهرت بيانات صدرت امس ارتفاع معدل تضخم أسعار الغذاء في الهند إلى أعلى مستوى له في عام بما يزيد عن 18 في المئة في العام المنتهي في كانون الأول/ديسمبر. ويتوقع محللون أن يؤدي ذلك مع زيادة أسعار الوقود إلى قيام البنك المركزي برفع أسعار الفائدة هذا الشهر.
وإتخذت الحكومة الهندية سلسلة من الإجراءات منذ أعوام لتحقيق استقرار أسعار الغذاء لكنها قامت منذ العام الماضي بدعم بيع المخزونات الوطنية من الحبوب وتعهدت باستمرار إعفاء واردات الزيوت الخام النباتية من الرسوم الجمركية.
وفي الصين فرضت عدة مدن قيودا مباشرة للحد من ارتفاع أسعار الغذاء، وتعهدت الحكومة المركزية بالقضاء على المضاربات في أسواق السلع الأولية في البلاد.
وارتفعت نفقات الغذاء 11.7 في المئة في العام حتى تشرين الثاني/نوفمبر بينما ارتفعت منتجات غير غذائية 1.9 في المئة فقط. لكن أسعار منتجات إستهلاكية ونفقات الإسكان قفزت ايضا مذكية المخاوف من أن التضخم يزحف متجاوزا الغذاء إلى الاقتصاد الكلي.
وقال فو بينجتاو الخبير الاقتصادي بالبنك الزراعي الصيني في بكين في تقرير إن أسعار الحبوب وهي أهم غذاء في البلاد سترتفع عشرة في المئة في 2011 إضافة إلى صعود بلغ 11.7 في المئة في 2010. واضاف ‘ربما تستمر المضاربات في الإتجار وعمليات اكتناز منتجات زراعية معينة’. وقال فردريك نيومان الاقتصادي في بنك اتش.
اس.
بي.
سي في هونغ كونغ ‘تضخم أسعار الغذاء قد يدخل فعليا في خانة العشرات في مختلف ارجاء المنطقة ويرتفع بدرجة تقوض القوة الشرائية للأسر ونتيجة لذلك يتباطأ طلب المستهلكين والنمو الاقتصادي بشكل عام’. ودقت السلطات في كوريا الجنوبية بالفعل جرس الانذار امس الخميس بشأن ارتفاع أسعار السلع.
وقالت وزارة المالية إنها ستبذل جهودا ‘على جميع الجبهات’ للحد من ضغوط الأسعار التي ترجعها إلى ارتفاع اسعار النفط والسلع وأشار البنك المركزي إلى احتمال رفع سعر الفائدة بقوله إنه سيبقي على التضخم داخل النطاق المستهدف بين اثنين واربعة بالمئة.
غير أن اسعار الفائدة المرتفعة لا تحقق نتائج تذكر في تخفيف الضغوط على أسعار الغذاء. فالطلب على الغذاء غير مرن لأن الناس يجب أن تأكل لكن ضغوط الأسعار الراهنة يقودها العرض بدرجة كبيرة لذلك فإن تشديد السياسة النقدية لن يساعد بشكل مباشر في تحسين الوضع.
لكن الخطر يكمن في أن يمتد ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.
ويقول نيومان ‘أعتقد ان هناك حاجة ملحة لاتخاذ المزيد من الاجراءات الوقائية المتمثلة في تشديد السياسة النقدية لمنع بعض هذه الضغوط التضخمية من التفاقم’. وأضاف أن بعض البنوك المركزية اتخذت اجراءات لتشديد السياسة النقدية لكن يتعين عمل المزيد. ويقول محللون إن رفع أسعار الفائدة أو احتمال ارتفع قيمة العملة لن يشجع سوى مزيدا من التدفقات. كما يشعر صناع القرار كذلك بالقلق من ان يؤدي ارتفاع قيمة العملة إلى الإضرار بالصادرات العماد الرئيسي للعديد من الاقتصادات.
ومن مظاهر ارتفاع ضغوط أسعار الغذاء زاد سعر القمح 47 بالمئة العام الماضي متأثرا بسلسلة من الأحداث المناخية منها جفاف في روسيا والدول المجاورة المطلة على البحر الاسود. وارتفع سعر الذرة الأمريكية باكثر من 50 بالمئة وفول الصويا الأمريكي بنحو 34 بالمئة.
ويقول لوك ماتيوس محلل السلع في بنك كومنولث الاسترالي إنه ليس هناك ما يدعو الآن لتوقع أي انحسار لموجة ارتفاع الاسعار. وأضاف ‘نحن نعتقد إن العوامل الهيكلية وراء ارتفاع أسعار الغذاء ستستمر على الأرجح لبعض الوقت… المخزونات محدودة في أسواق الذرة والسكر ومخزونات القمح العالمية معرضة للهبوط مع توقع استمرار ظاهرة لانينيا لمدة ثلاثة أشهر اخرى أو نحو ذلك’. ولانينيا ظاهرة مناخية تتمثل في انخفاض درجات الحرارة وارتفاع مناسيب الأمطار في استراليا واجزاء من جنوب شرق اسيا.
وقال تيرانس وونج المحلل في دي.
ان.
جي في سنغافورة إن العوامل الهيكلية تجعل من المواد الغذائية والسلع ومخزونات شركات الغذاء قطاعات استثمارية ساخنة هذا العام. واشار إلى أن شركة زراعة الخضروات الصينية تشاينا مينزونغ وشركة صناعة أدوية الحيوانات تشاينا أنيمال هيلث كير مرشحتين لأكبر مكاسب في السوق المحلية.
وقالت الفاو امس الاول إن أسعار السكر واللحوم سجلت أعلى ارتفاعات منذ بداية تسجيلها في عام 1990. وسجلت الأسعار أكبر صعود منذ أزمة 2008 بالنسبة للقمح والأرز والذرة والحبوب الأخرى.
غير أن الأسعار القياسية للارز في آسيا تشير إلى اتجاه مختلف. فالغذاء الرئيسي في المنطقة يبلغ سعره 535 دولارا للطن اي نحو نصف سعره في عام 2008 البالغ أكثر من ألف دولار للطن والذي دفع العديد من الحكومات في ذلك الوقت إلى فرض حظر على الصادرات لحماية السوق المحلية.
لكن يتوقع معظم الخبراء استمرار الضغوط التي تدفع الأسعار نحو الصعود وبصفة خاصة إذا اتجهت الدول نحو فرض حظر على الصادرات ومزيد من تقييد الإمدادات وبدأ المستثمرون على الأمد القصير مجددا شراء السلع الأولية الزراعية مثلما حدث في 2008.