العالم يعيد تشكيل نفسه.. بدون العرب

حجم الخط
0

رياض العكبريقيّض لنا العيش في زمن سوف يتم تذكّره في تاريخ البشرية ولأمد طويل بأنه الزمن الذي شهد أسرع وأضخم عملية تحوّل وانتقال سلمي للنفوذ كونيا. وسيدوّن التاريخ كذلك فرادة هذا التحوّل من حيث استناده المتزايد الى المعرفة. ومع هذا الحراك الكوني المتداخل حدّ الاشتباك، يعيد العالم تشكيل نفسه، ويعيد رسم خارطة موازين القوى في الحلبة الدوليّة المتسمة بالتنافس المحموم، ويعيد فرز كتلة الأقوياء عن غيرهم، بمن فيهم أولئك التابعون من مسلوبي الارادة. ذلكم هو ديدن الأحداث والوقائع الكبيرة على مرّ التاريخ؛ لا رحمة فيها لمن لا يهبّ لنصرة قضاياه. وحالما تتبادر الى الذهن تلك الآفاق المكفهرة لمستقبل أبنائنا وأحفادنا، يصبح غير ذي معنى إن استشاط المرء منّا غضبا أو مات من الأسى كمدا؛ فالأجدى، بدلا من ذلك، تحفيز النخب العربية المثقفة بأن لا تتوقف برهة عن البحث العميق في الأسباب الحقيقية، والعواقب الوخيمة، لهذه الحالة العجيبة من السبات واللامبالاة والحيرة والشعور بالعجز التي تحيط بأمّة العرب، واصرارها على التموقع خارج دائرة هذه المعمعة الجارفة التي يضجّ بها العالم من حولنا؛ وبالتالي شحذ العقول المخلصة لاستخلاص سبل الخروج من تلك الحالة.

ولعلّ العلامة الفارقة لهذا التحوّل العالمي للنفوذ لا تتمثّل في كونه نادر الحدوث تاريخيا وحسب، بل كذلك في كونه نادرا ما يتّسم بالسلميّة، من دون إغفال احتمالات نشوب الصراعات في المستقبل. وهناك اشارات لتقبّل الغرب، وان على مضض، لضرورة تكييف نفسه قبل فوات الأوان مع هذا التحوّل المذهل للنفوذ نحو آسيا والمحيط الهادئ، والأهم، الاقرار بأن عملية التحوّل الاقتصادي الحاليّة لا مناص لها من ان تتشكّل تدريجيا في صورة نفوذ سياسي وعسكري متعاظم. وثمة سيماء للقمم الاقتصادية المنعقدة مؤخرا في سيول ويوكوهاما، وهي الانحسار المتوالي لمزية فرض واشنطن لرأيها على العالم. وعلى الرغم من بقاء أمريكا القوة العظمى الوحيدة على المدى المتوسط، طفق بعض المحللين الأمريكيين في الدعوة لتأقلم امريكا مع هذه التحوّلات، ومن باب أولى ضرورة تغيير طريقة تعاملها مع العالم. ومع تزايد ادراك العالم لكون الولايات المتحدة هي مصدر المشاكل التي يتخبط فيها الاقتصاد العالمي، تكفّلت الأزمة المالية بتقليص مصداقية الولايات المتحدة كقوّة قائدة للخروج من هذه الأزمة. وباتت سياسات واشنطن الدوليّة، ذات النزعة العسكرية المتزايدة، عنواناً لعدم الاستقرار والفوضى في مناطق ساخنة عديدة حول العالم، والنزوع الى عقد التحالفات الأمنية والعسكرية مع النظم التسلّطيّة والفاشلة، بما يسهم في اعاقة عملية التغيير والخلاص من الاستبداد والجهل والتخلف، وتطلّع شعوب المنطقة الى بناء دول مدنيّة عصريّة تمتلك مقومات القدرة على مواجهة تحديات العولمة وكلفها الباهظة والمنهكة. ان اعادة توزيع القوة والسلطة في قمّة النظام الاقتصادي العالمي تترافق كذلك مع حدوث جملة من التحوّلات الأقليمية المهمّة. وتنبئنا الوقائع المرّة، راق لنا ذلك أم لم يرق، بأن عالما جديدا مختلفا يهلّ علينا، من دون ان يكون العرب، ككتلة أقليمية أو كتجمعات أو دول فرادى، طرفا فاعلا في عملية رسم ملامحه وتخطيط مآلاته. فمع البدايات الآخذة في التشكّل للنظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب، وما تقتضيه من اعادة هيكلة المنظمات الدولية المختلفة، ومنها اعادة تقاسم العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ينزوي العرب خارج عضوية نادي القوى الصاعدة الجديدة. وفي ذات السياق، وفي ظلّ اضمحلال الثقل التقليدي الأقليمي الغابر للدول العربية الرئيسية، يضع البروز المتنامي لتركيا وايران، كقوتين اقليميتين فاعلتين، بصماته الواضحة على اعادة تشكيل خارطة موازين القوى في المنطقة. والواقع ان تركيا وهي تختار تغيير الدفّة نحو محيطها التقليدي التاريخي في الشرق المجاور، فانها ستشكّل معادلا استراتيجيا للقوّة مع الدور الأقليمي المتصاعد لجارتها ايران. وترتكز السياسة الجديدة لتركيا على بناء رؤية سياسية مشتركة تسندها شبكة مصالح اقتصادية مشتركة. وعلينا ان نلاحظ ان هذه الساحة الأقليمية ستصـبح مورّدا أساسيا للغاز الطبيعي لوسط أوروبا، بمجرّد استكمال انشاء خط أنابيب ‘نابوكو’، المدعوم أمريكيا وأوروبيا، والذي لن يستبدل فقط روسيا كمصدّر رئيسي لتوريد الغاز لأوروبا، بل يلقي بظلاله المؤثرة ـ تدريجيا – على الأهمية الجيواستراتيجية للمملكة العربية السعودية. ولا نغفل خطورة الاستراتيجيات العسكرية الرامية الى الهيمنة على المضائق والممرات المائية في المنطقة، من دون مراعاة المصالح القومية للعرب، أو حتى مجرّد استشارتهم. دع عنك القائمة الطويلة من المخاطر التي نجمت عن حالة الضعف والتهميش، كالمخاطر المهددة للأمن المائي والغذائي، والاستدعاء للدخول في مشاريع تكتنفها تساؤلات تتعلق بتكافؤ المصالح والشراكة كـ’الاتحاد من أجل المتوسط’. واذا ما تركنا جانبا كل الرطانات القوميّة الرسميّة الجوفاء، فإن الدولة التسلّطيّة العربية، أضحت في حدّ ذاتها محطا للشكوك المتزايدة حول شرعيتها، تعصف بها نذر التفكك والإضعاف الممنهج المتزايد لمقومات ومشاعر الانتماء والهويّة، ممّا يجعل من التعلّق بالآمال في نشوء كتلة عربيّة سياسية واقتصادية، لا نقول موحّدة بل متكاملة، ذات ثقل حقيقي يحسب له حساب في العلاقات الإقليمية والدولية، أمرا لا يتصل بالواقعية في شيء. ورغم الإقرار بالتغييرات العديدة التي فرضت نفسها على مجتمعاتنا العربية خلال العقود القليلة المنصرمة، مثل الاحتكاك ببعض الابتكارات التكنولوجية، والتحوّلات النسبيّة في مجالات التعليم والبنية التحتيّة ومكانة المرأة ودور الأحزاب والمنظمات المدنيّة والصحافة وغيرها، سرعان ما ينكشف حجمها المتواضع عندما تعرّف بالأرقام والإحصاءات والوقائع، أو عند مقارنتها بدول العالم الصاعدة، بما فيها تلك التي كانت الى وقت قريب أقل تطوّرا؛ كماليزيا وفيتنام واندونيسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا. وكمثال، وبينما اعلنت فيتنام انها ستتحوّل بحلول عام 2020 الى دولة صناعية، فان الدول العربية المعتمدة حتى الإدمان على الاقتصاد الريعي الاستهلاكي، ظلّت منهمكة حدّ الانهاك في العملية الهزلية لمطاردة ‘القاعدة’ و’الإرهاب’، والتشريع للتوريث، وتعميق جذور مؤسسة الفساد، وتسديد الفواتير الخيالية لمشتروات السلاح. وبينما هناك مؤشرات الى نمو مذهل للطبقة الوسطى في بلدان عديدة كان غالبية سكّانها يعيشون الى وقت قريب تحت خط الفقر، تكفلّت السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام العربي باندثار وتآكل قطاع كبير من الطبقة الوسطى العربيّة، لحساب اتساع نطاقات الفاقة والفقر والأمية الى مستويات مخيفة. ومن المؤكّد ان من أسباب الضعف العربي كذلك، إضفاء الطابع المؤسسي على الغش والفساد وشراء الذمم والولاءات، الأمر الذي ساهم بدوره في دكّ ما تبقّى من هياكل الدولة في عدد من البلدان العربيّة، وإبدالها بدويلات العصبيات ما دون الوطنية: الطائفية والمذهبية والإثنية والقبليّة والأسرية. وبما ان لا شيء في الأفق يشي بإرادة نظم الحكم في الكف عن النزوع المفرط للارتهان للخارج، والمراهنة على ترميم علاقتها مع شعوبها، ومراجعة فشلها الذريع حتّى في أكثر المحاولات تواضعا لتحقيق تكاملها الاقتصادي والتجاري وانشاء شبكة المصالح البينية العربية- العربية، والكفّ عن التطرّف في مناصبتها العداء لجميع الأصوات الداعية للتغيير والإصلاح؛ فان شكوكا عميقة ستظلّ تحيط بقدرتها على تنسيق وتحقيق رؤية إستراتيجية شاملة، بما في ذلك إستراتيجية التحرّر من هيمنة الاقتصاد الريعي، والاستثمار في التنمية البشرية والقطاعات الاقتصادية المنتجة، لا في القشور التي لن تغني أو تسمن من جوع عندما تحين – لا محالة – إستحقاقات مرحلة ما بعد النفط. وباستمرار الحال على هذا المنوال، فان الأمل يظلّ معقودا فقط على حدوث صحوة شعبية تفرض على النخب والحكومات العربية الانصياع لمطالب التعجيل بإعادة بناء النظام العربي الراهن برمته، والشروع الفوري في الإصلاحات الحقيقية الشاملة نحو إحلال دولة المؤسسات والنظام والقانون، والمواطنة المتساوية، محل الكيانات الضعيفة الموغلة في الشخصنة. تلك الإصلاحات التي بدونها يستحيل، استحالة قطعية، الخروج من نفق الوهن الراهن، ومواجهة التحوّلات الخطيرة إقليميا ودوليا. ومع التسليم بأن عملية الإصلاح والتغيير في العالم العربي لن تكون نزهة سهلة، فإن اتجاه البوصلة لا ينبغي أن يحيد عن الهدف الإستراتيجي الكبير: زحزحة ركائز الاستبداد والتسلّط، بصفتها العائق الحقيقي أمام تحقيق التقدّم، والطموح في انتزاع المكانة التي تليق بالعرب بين أمم المعمورة.’ كاتب عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية