أوروبا المعاصرة، قامت على أنقاض الحروب القومية والدينية، هذه الحروب هي مقدمات لتحولات تاريخية عميقة لم تفلح المجتمعات في إنجازها بولادة طبيعية، من وجوه عدة يشبه حالنا اليوم حال أوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، العصبيات القومية والمذهبية المرتبطة بكيانات سياسية في طور التشكل والتي أفلتت فجأة من الأطر الجامعة التي حفظت وحدتها طويلاً!
في مطلع القرن العشرين نجحت الفلسفات السياسية الماركسية والرأسمالية في إنشاء أطر جامعة جديدة صمدت عقودا في وجه التحديات ولم تلبث أن وهنت وانهارت وعاد العالم المعاصرإلى التفكك والتشكل من جديد!
ولم يكن عالمنا العربي والإسلامي بمنأى عن التأثر بهذه الموجات،على الصعيد الفكري والسياسي والإقتصادي، لا بل إنه تشكل بالفعل في ظل هذا التأثير حتى أن التحولات السياسية ارتبطت ارتباطا مباشرا بالدعم القادم من أحد المعسكرين،الشرقي أو الغربي، إلا أنه فشل في التماهي معها بطريقة جذرية تكفل له خط تطور منتظم!
ليس فقط بسبب توزع المكونات القطرية بين المعسكرين المتنافسين! وإنما بشكل أساسي، بسبب الهــــوية المهــــددة بالأيديولوجية الشـــيوعية المتناقضة مع الهــــوية الدينــــية الإسلامية من جهة والتهـــــديد الغــــربي الداعم للوجود الإسرائيلي، الذي يمثل تهديداً حاضراً ومباشرا لهذه الهوية بكل أبعادها الوطنية والإقتصادية والسياسية!
الدولة القطرية ذات التوجهات القومية وليدة الإنفصال عن دولة الخلافة الإسلامية خلقت تهديدا داخليا للمكونات القومية الأخرى المنضوية تحت جناح هذه الدول الناشئة فظهرت مشكلة الكرد والأمازيج وغيرهم، والذين استلهموا الثقافات واللغات المحلية، التي انطوت قبلاً من غير غضاضة، تحت جناح الدولة الإسلامية لقرون متوالية!
على الضفة الأخرى بدأت المذاهب الدينية المخالفة التي أخضعتها سطوة الخلافة وقوتها لعهود متطاولة، بدأت تتململ هي الأخرى، بتشجيع ظاهر وخفي من الدول المستعمرة إبان الحكم الإستعماري وبدعم ظاهر وخفي من إسرائيل أيضاً، ولم تنجح الدولة ذات الأيديولوجية القومية في احتواء هذا التململ لا بل إنها بتجاهلها للمكون الديني الإسلامي الرئيسي للهوية قد قوت شوكته باعتبار أن الفوارق المذهبية، من وجهة نظرها، لا تشكل عائقا أمام الطموح القومي لا بل إنها ترفده وذلك على اعتبار أن الدين والمذهب عوامل فرقة وتفتيت لحلم الدولة القومية التي رفعت شعارها!
هاتان الخطيئتان اللتان اجترحتهما الدول ذات الأيديولوجية القومية، عبدتا الطريق الذي أوصلنا للصراعات المسلحة التي تشهدها ساحاتنا في هذه اللحظة التاريخية الراهنة!
الأحزاب والحركات الدينية التي تمثل التيار السني الغالب اصطدمت بالأيديولوجية القومية ونجحت في توسيع قواعدها الجماهيرية بالرغم من التنكيل والإقصاء والمصادرة، وربما بسبب هذا التنكيل بالذات، وبإرادة التحدي. هذا النجاح أوصلها بأمان وببنية قوية إلى اللحظة التي تفجرت فيها الثورات الشعبية العربية على خلفية معاناة إجتماعية مقرونة بإحباطات وطنية وقومية وأزمة هوية وشعور عميق بانتقاص الذات وخاصة في مواجهة إسرائيل والمعاهدات المهينة التي وقعتها هذه الأنظمة بالذات فاضحة هشاشة الشعار القومي المرفوع في مواجهة التحدي الإسرائيل!
الخيار الذي تمخضت عنه الإنتخابات، لم يكن عجباً أن يحمل هذه الأحزاب الدينية إلى سدة الحكم بالخيار الحر!
هذه النتيحة بالطبع لم تكن لترضي لا القوميين، ورثة العهد القديم ولا الأقليات الدينية والمذهبية بالطبع، أما الأقليات القومية فقد وجدت في لحظة التشكل الرخوة فرصة تنتهزها لخوض معركتها الخاصة وهذا ما يفعله الأكراد في سوريا وما فعلوه من قبل في العراق!
لحظة التحول الرخوة هذه أغرت هذه المكونات بتشكيل جبهاتها وتحالفاتها وخوض معركتها ضد التيار الجديد الغالب آملة أن تسحب البساط من تحته وحتى لا تكون تحت وصايته من جديد ساعية وباستماتة نحو ما تراه تحررها التاريخي!
هذه الأرضية هي الأرضية الأكثر خصوبة لولادة الأصوليات وهذه الأصوليات التي تمثل الأغلبية تشكل تهديدا مباشرا لإسرائيل وللغرب المتبني لمشروعها. أما الأصوليات التي تمثل الأقليات فهي الحليف القديم الجديد للهجمة الإستعمارية الإسرائيلية ويقف الشيعة بأطيافهم المتحالفة على طرفها الأقصى!
في السياسة هناك متلازمات تَسهل قراءة الخريطة السياسية من خلالها على أرض الواقع فقد سحب الإحتلال الأمريكي للعراق الغطاء عن كثير من الإدعاءات: فمن أول ضحاياه كان الفلسطينيون المقيمون في العراق في ظل حكم صدام حسين فقد تعرضوا للبطش على أيدي الميليشيات الشيعية ومن المفارقات أنها تحمل أسماء مثل: فيلق القدس، قوات بدر وجيش المهدي! وكان أول المستفيدين من البركات اليهود العراقيين المقيمين في إسرائيل فقد أعيدت إليهم الجنسية والأملاك، وأدلوا بأصواتهم في الإنتخابات العراقية، كما منحوا حق تملك العقار وشرائه حتى أنهم اشتروا المسيب البغدادية شبه كاملة وهي التي كانت محل تركزالوجود الفلسطيني. هذه المتلازمة تعني أن العداء الإيراني لإسرائيل لم يكن سوى دعاية سياسية لا أكثر فأنت لا تحب فلسطين ثم تقتل أهلها وتنصر محتلها!
الأمر كذلك فيما يتعلق بسوريا، فالموقف من اللاجئين السوريين بالتعاطف من عدمه ينبئك بشكل قاطع عن الموقف السياسي الذي يقف وراءه، وانظر كيف انعكس الموقف بين عهد الرئيس مرسي والإخوان وعهد الإنقلاب! وكذا الموقف من قطاع غزة وكيف أصبح الفلسطيني فجأة عدواً على أرض مصر وخارجها في ظل العهد الجديد!
هذا الصراع يتخذ الآن شكل حياة أو موت ولهذا فهو صراع سيطول قبل أن يحسم، أما نتيجته فهي مرهونة بقدرته على الإستقطاب الجماهيري إلا أن صراع الهويات لا يحل أبدا بالتوافق ولا بالصلح أو اللقاء في منتصف الطريق،إنها ثورات جديدة يعاد فيها تشكيل الأمة وهويتها الأيديولوجية التي أظن أنها لن تتوقف حتى تستعيدها كاملة!
الآن تهرع أمريكا إلى إعادة تنصيب الأسد ويعلن رئيس مخابراتها السابق أن هذا الخيار هو الأكثر أماناً!
لا غرو في ذلك، فالسوريون الذين دربهم الأمريكان ودفعوا بهم عبر الحدود الأردنية لموازنة القوى الإسلامية في الظرف الراهن ثًم قتالها فيما بعد ‘انضموا للقوى الإسلامية المقاتلة’ ببساطة لأن الجيش الحر هو مسمى جامع للتشكيلات الإسلامية التي استوعبت المنشقين عن الجيش النظامي، ولا يزيد عن ذلك كثيراً، وها هو سليم إدريس يدفع ثمن فلتات لسانه التي فضحتها الصحف الغربية ويفر إلى تركيا فقد أصبح بدون غطاء بعد ما أبدى استعداده لقتال التنظيمات الإسلامية للحصول على البركة الأمريكية وإذن فلم يبق إلا من تصفهم أمريكا بالإرهابيين! وهكذا أوقفت مساعداتها الإنسانية أو ما تسميه بغير القتالية وقررت إعادة تنصيب الوثن! وها هي تصِم حتى الإخوان المسلمين بالإرهاب على لسان ضباط الإنقلاب الذين ساندت استيلاءهم على السلطة!
ترى من سيبقى خارج دائرة التعريف الإمريكي للإرهاب؟ ربما ستلحق الصفة بأطفال درعا، الذين خربشوا على الحيطان شعاراتهم المطالبة بالحرية!
العالم يفلت من القبضة الأمريكية، وها هي تطارده برعونة لإعادته إلى تلك القبضة ولكن من خلال الوكلاء الطائفيين هذه المرة، فلم تعد أمريكا قادرة على خوض الحروب، ولن تسعفها الطائرات العمياء ‘الدرونز’التي لا تستهدف إلا حفلات الأعراس، من وزيرستان إلى اليمن!
قريباً ستعلو أصوات داخل أمريكا، مطالبةً إياها بإخلاء الساحات الدولية من الجيوش، وقد بدأت هذه الأصوات فعلاً بالهمهمة…
أليست هذه هي الديمقراطية؟!
وربما تكون مشكلة بحر الصين الطارئة، الشعرة التي ستقصم ظهر البعير! والله لما يشاء لطيف خبير!
نزار حسين راشد