العامة يعتبرونه نزهة رخيصة والمثقفون يعتبرونه افسادا
معرض القاهرة الدولي التاسع والثلاثون للكتاب يواصل فعالياته:العامة يعتبرونه نزهة رخيصة والمثقفون يعتبرونه افساداالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني استمرت فعاليات معرض القاهرة الدولي التاسع والثلاثين للكتاب في اثارة الكثير من البهجة لعامة الجمهور وفي الكثير من الاحباط للمثقفين في مصر، فعلي مستوي العامة يعتبر المعرض فسحة سنوية رخيصة الثمن، يذهبون اليه بعوائلهم لقضاء يوم بين عشرات وآلاف البشر، وأمام ضجيج محلات الأدوات المنزلية والكاسيت والبرمجيات والحواسب الآلية ومحلات المأكولات والمقاهي والمشروبات المرطبة، أما المثقفون فيرون ـ في الأغلب ـ كل هذه المظاهر نوعا من الاعتداء السافر علي الطريقة التي يجب أن يقدم بها الكتاب الي قارئه، وقد سعت أصوات عديدة الي تقليص الكثير من الأنشطة لتجاوز هذا الضجيج العارم الا أن شيئا من ذلك لم يحدث.وفي الأيام الماضية استمرت مشاركات ايطاليا كضيف شرف في العديد من الفعاليات حيث التقي الكاتب ادوار الخراط مع الايطالي دانيالي جوديتشي في لقاء بين أدبين وثقافتين. ايضا اقيمت اكثر من ندوة لمناقشة العديد من الموضوعات المرتبطة بالحوار الحضاري وأزمة العلاقة بالآخر، علي غرار تلك الندوة التي تحدث فيها عبد الله التطاوي، وحوار الشرق والغرب الذي تحدثت عنه الدكتورة آمنة نصير والدكتور محمد الجليند، هذا بالاضافة الي الأنشطة الابداعية في ملتقي القصة والمقهي الثقافي وعكاظ للشعراء، وسوف نحاول هنا أن نرصد أهم ملامح الزخم الحادث في المعرض خلال الأيام الثلاثة الماضية.في اطار سلسلة من المواجهات بين مصر وايطاليا في اطار استضافتها كضيف شرف المعرض التقي كل من الكاتب الايطالي دانيالي ديل جوديتشي مع الكاتب ادوار الخراط في لقاء أدارته ماريا ايدا مدير مهرجان الأدب الدولي بايطاليا.تحدث الخراط في البداية عن مغامرة الكتابة التي تعادل مغامرة الكشف عن مجهول لاكتشاف اعماق أوسع للمعرفة الانسانية، وعن العلاقة بين الشرق والغرب قال الخراط انها علاقة تسودها أشكال مختلفة من العطاء والتواصل منذ عصر النهضة وتقوم علي درجة من درجات التكافؤ، وأضاف ان تلك الطموحات المشتركة هي التي تجعلنا نقف في مصر انسان واحد.وأكد الخراط علي أن الأدب يمكنه أن يكون تلك الوسيلة الأهم للتعايش، لأنه يكشف عن الكثير من التوافقات الانسانية، والأحلام المشتركة، ورفض الخراط فكرة تقسيم العالم علي أساس شرق وغرب، مؤكدا أن الحدود السياسية والجغرافية لا يمكنها أن تصنع مثل هذه الفرقة، وأضاف أن فكرة الآخر تعني تأكيد مفهوم الثراء سواء داخل الثقافة الواحدة أو الثقافات المتعددة. أما الكاتب الايطالي دانيالي ديل فقال انه يبحث في الأدب عن الحقيقة والحرية، وقال ان الكاتب لا بد أن يبحث عن الحقيقة الذاتية الخالصة.وعن رؤيته للعلاقة بين الشرق والغرب قال دانيالي:ان الغرب كما نعنيه نحن يشير الي الغرب، فالغرب قارة عظمي تمتد من الولايات المتحدة الأمريكية وحتي الشرق، وهو ما يدفع الغرب الي النظر الي نفسه من حيث كونه كماً ونوعاً، ويحاول فرض منظومته القيمية علي الآخرين من وجهة النظر النوعية هذه، بينما ينظر للمسلمين نظرة كمية وليست نوعية، ويضيف دانيالي تأسيسا علي ما قاله:لا بد لنا من احترام الثقافات النوعية للشعوب الاسلامية. ويري دانيالي ان معرفة الآخر تبدأ من اللحظة المستحيلة والصعبة اذا كنا نريد الوصول الي معرفة حقيقية وهو الأمر الذي يتطلب منا بذل جهد مضاعف للعثور علي هذه المعرفة.كذلك وفي محور الشهادات قدم استاذ الفلسفة الدكتور صلاح قنصوة شهادته علي رحلته العلمية، وذلك بعد فوزه بجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية. وقد انتقد قنصوة الكثير من الأوضاع القائمة وتناول الوضع المتردي الذي وصل اليه الانسان المصري، كذلك تناول مشكلة الهوية والغزو الثقافي والحقد علي الاسلام، واعتبرهما من قضايا النصب الفكري عبر مصطلحات يتم استخدامها في غير مكانها.كما أشار الي ما سماه ابتزازا دينيا وسياسيا للمواطن، باسم الثوابت والعادات والتقاليد، وهي نظرة يراها قاصرة للدين.الحوار الثقافي وتعريب العلومأما في محور كاتب وكتاب فتمت مناقشة الدكتور عبدالله التطاوي الحوار الثقافي مشروع التواصل والانتماء وحضر الندوة الدكتور وجدي زيد والدكتور مصطفي لبيب والدكتور يوسف عبدالفتاح، وناقش الحضور مشكلة الحوار الثقافي والاتجاه نحو افريقيا وآسيا عبر العمق الحضاري الطويل، وكذلك تناولت الندوة مسألة تعريب العلوم وكان المثال هو التجربة السورية. تحدث في البداية الدكتور مصطفي لبيب الذي أشار الي أن الكتاب عبارة عن مشروع ثقافي يقدم للوطن العربي ونحن علي مستوي الأفراد والأمة نعاني من عدم التواصل مع تراثنا وبين صفحات الكتاب جميعا نجد هذا التأكيد علي قيمة هذا التراث وأهميته وعلينا ضرورة تاريخية للتواصل مع هذا التراث الي جانب التواصل مع الآخر ليس بهذا التهافت الذي نراه الآن علي المستوي العربي أو السياسي ولكن بعلاقة الند والشعور بالانتماء الحقيقي لتاريخ العربي وتراثه، وأضاف أن المؤلف بحكم دراسته بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة فهو عاشق للحضارة الاسلامية، ويراها حضارة عالمية استطاعت ان تمتزج بالحضارات الموجودة في عصر ازدهارها الحضاري، واضاف لبيب ان الخطاب الحواري المنشود مع الآخر لا بد أن يكون له شروط أولها الرغبة في الحوار عبر العقل، حتي نتعرف علي هذا الآخر، أما الشعور بالاحباط والشعور بالعجز فهما عائق حقيقي لهذا التواصل، فلا بد من الثقة الكاملة بالعقل وتجاوز الصعوبات والرغبة المتصلة بالتطور والاكتمال ولهذا فان الكتاب يطرح قضية ان نتحاور وهناك مستويات للحوار تحكم واقعنا الثقافي الراهن والدكتور عبدالله التطاوي علل مشاكل الواقع الثقافي ولعل أولها الفكر الديني، وقد حذر من ضرورة تركيز الحوار الديني علي الثوابت الدينية والبعد عن التفكير والمصادرة علي رأي الآخرين ويتمثل جيدا وروح الحضارة الاسلامية التي لا تعرف التفكير.وأضاف أن هناك ظاهرة تكفير مسبق لأفكار وشهادات يجب دراستها بالعقل وليس بالتفكير والعلماء المسلمون انفتحوا علي الثقافة الغربية علي تنوع روافدها اليونانية والرومانية والهندية والفارسية ونظروا اليها علي أنها طريق المعرفة وعالمنا اليوم يحتاج الي من يمتلك مفاتيح المعرفة لأنها العزة والمنعة وليس في كثرة الأموال أو تعداد السكان.وأضاف ان علماءنا المسلمين وعوا هذا الدرس التاريخي منذ أن كانت الحضارة الاسلامية في عزها ثم بعد القرن الثالث الميلادي الهجري ظهرت كتابات ذات عناوين ملفتة مثل الشكوك علي بطليموس، الشكوك علي لانجوس أي ان العلماء المسلمين لم يأخذوا حضارة الآخرين كما هي بل درسوها وعقبوا عليها ونقدوها وطوروها.وأشار الي ان الكتاب يطالب بالاتحاد مع الصين واليابان في تطورهم التنموي وقال ان الحضارة الاسلامية كانت تأخذ من الحضارات الشرقية البعيدة والغربية.أما المؤلف فقال: للعرب مثل قديم يقول ما ترك الأول للآخر شيئا، ولقد خجلت من كل هذا الذي قيل ولكن الكتاب اضافة علمية تصورت أننا في حاجة اليها في واقعنا الثقافي ونحن ينقصنا نقص ذواتنا أولا ثم يأتي كتابي الثاني الطريق الي المشترك مثل المشترك بين الأديان، وهو بحث مشروع في هذه المرحلة، فكل ما طرح يضعني أمام مسألة في غاية الأهمية وضرورة الاتجاه نحو الشرق أو افريقيا وقضية الاتجاه نحو افريقيا مسألة في غاية الأهمية، وافريقيا تحتاجنا وتحتاج أن نمد لها يد المساعدة . وأضاف انه يعرف أستاذا من أذربيجان يخشي علي اللغة العربية من أن تنسحب من أذربيجان وبخاصة المدارس وليس الجامعات فما بالك بكازاخستان وهذه الشراكة في بنية الثقافة والفكر لا بد أن تمد لها يد العون بدلا من أشياء كثيرة. وأضاف التطاوي أن هناك محاور أساسية قام عليها بناء الكتاب أولها انسانية الثقافة وانسانية الحوار وكيف نجد منطقة مشتركة حتي لا نصل الي درجة القطيعة المعرفية سواء مع النفس أو مع الآخر أو التراث، وكل هذه القطيعة المعرفية غاية في الخطورة وكأنها أمة تفقد ذاكرتها، وهناك موجات لقتل القوميات والهوية الوطنية والقصور حتي في التحاور بمنطق التفاوض ونحن الأمة التي صنعت الحوار بدون مزايدة فحضارتنا تسمي عربية اسلامية وعربية تعني كل الأديان والملل واسلامية تضم كل الأجناس. وأضاف التطاوي: منذ أن صدرت الحضارة الاسلامية لكل البلاد من جزيرة صقلية الي الصين والهند وصدرت أفضل ما في داخل العقل العربي وأذكر بالفضل فؤاد سوسكين وموسوعة تاريخ الفكر العربي. ويضيف أن العرب وصلوا الي الأمريكتين قبل كريستوفر كولومبس فهي أمة وحضارة خطيرة كانت تريد أن تنشر العلم والمعرفة في كل أرجاء المعمورة.وموسوعية الحوار في الثقافة العربية بدأت من قضية الايمان بالمشترك وذلك عبر حوار متكامل من الحوار المشترك وهناك مثال آخر هو ابن سينا وكذلك الجاحظ، ويشير التطاوي الي الفروق بين الالتزام والحرية والفوضي حتي لا تضيع القضية الأساسية تحت شعار الحرية العلمية.ويتساءل التطاوي: كيف نقيم حوارا، ويجيب: في الاسلام لدينا الاجتهاد بشروط وأسس منهجية ونحن لدينا مدارس فقهية وتفسيرية عديدة تدل علي تفتح الحوار، حتي في الدراسات التاريخية والاجتماعية التي تؤكد علي قبول الآخر حتي ولو كان منا فلدينا تواريخ الشعراء وتواريخ المدن، كتاريخ بغداد وأصفهان وغيرهما، أي الي هذه الدرجة وصلت الحضارة الاسلامية من الرقي وتقبل الآخر والحوار المشترك وتجديد الحوار والخطاب، وعلينا تجاوز المرحلة الحالية والبحث عن حلول. أما الدكتور وجدي زيد فقال انه حضر مؤتمرا في الصين تحت عنوان الصين والغرب ووجد أن الصينيين مشغولون بضرورة التواصل مع الغرب، وأضاف أنه قدم مداخلة كان مفادها ان الغرب يعاقبكم لأنهم نسيتم الحضارة العربية ودورها المهم في الصين وبالتالي نحن أولي بهذا التواصل الثقافي معكم بدلا من الغرب.أما الدكتور يوسف عبدالفتاح فيقول: هذا الكتاب يعطي مثلا رائعا لدور المثقف تجاه المجتمع، وفي العصور الذهبية في الاسلام كان للمثقف دور رئيسي في مجتمعه، والحوار الثقافي هو المفتاح الحقيقي لأي حوار سياسي، وأن السياسي اذا دخل حوارا دون أن يعرف ثقافة الآخر الذي يحاوره ستفشل لغة الحوار كذلك سيفشل الحوار، اذا لم يكن يعرف ثقافتي وهويتي واعتزازي بها.الاسلام وارادة الهيمنةأما قاعة 6 أكتوبر بالمعرض فقد شهدت ندوة حول موضوع الصراع الحضاري بين الاسلام والغرب تحدثت فيها الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة بجامعة الأزهر وكذلك الدكتور محمد الجليند استاذ الفلسفة بكلية دار العلوم وأدارتها الدكتورة تيسير مندور عضو اللجنة الدائمة لحوار الأديان.قالت مقدمة الندوة ان الموضوع شديد الأهمية وفي توقيت مناسب نظرا لما يدور حولنا علي المستوي العالمي في ظل العولمة وعلي المستوي الاقليمي في ظل ما يحدث في المنطقة. وأضافت: ان علينا أن نناقش الهيمنة في ظل انفراد القوي العظمي الوحيدة، وهل الصراع الدائر حاليا هو صراع سياسي اقتصادي وحضاري، لقد أصبحت هذه القوي الوحيدة تحاول فرض سيطرتها، خاصة بعد أن اختفي الاتحاد السوفييتي السابق، وأضاف أنه في هذا الاطار لا بد أن نناقش هل هناك خلاف ديني حقيقي، رغم أن التاريخ مليء بالخلافات بين أبناء الدين الواحد، هناك خلافات مسيحية مسيحية، وخلافات اسلامية اسلامية.بعد ذلك تحدثت الدكتورة آمنة نصير فقالت:الصراع التاريخي بين القوي التقليدية والقوي المعاصرة، قد فرض نفسه الآن والتاريخ مليء بهذه الاحتكاكات لكن أقول ان الاسلام لم يكن يوما معاديا لأي من الديانات لكن أقول ان مرض البشرية وعدم فهم الكتب السماوية جاء نتيجة عدم تصدير الكتب الاسلامية الي هؤلاء في العالم الغربي والمسيحية قالت ما جئت لألهم الناموس وهذا أساس التسامح.وأضاف أن الكل يتواري خلف الدين وهذا هو لب الصراع، ومع ذلك هناك اختلافات أدت الي وجود المذاهب في الدين الواحد، وأضافت نصير: انني حضرت مؤتمرا في سويسرا بحضور جميع أصحاب الديانات في العالم اتفقنا علي أن الأديان بريئة من الصراعات السياسية علي مر تاريخ البشرية، لكن هناك من يحاول استغلال الأديان لتحقيق انتصارات سياسية واقتصادية. وأشارت الي أن الهيمنة بدأت بمناوشات وانتهت الي احتلالات كبري. أما الدكتور محمد الجليند فقال ان علاقة الانسان بالعالم وبالآخرين مؤسسة في جميع الأديان اذ أن جوهر العقيدة واحد والقواعد والقيم الأخلاقية واحدة، واضاف أنه ليس هناك خلاف لأن المصدر واحد لكن المشكلة تأتي عندما يتناول الانسان بطريقة أبعد عن منطقها ويتم تطويعها لأغراض هي في جوهرها ضد الانسان.0