العاهل المغربي يعين حكومة مخفضة بنغمة تكنوقراطية

سعيد المرابط
حجم الخط
0

الرباط-“القدس العربي”: عيّن العاهل المغربي محمد السادس، الأربعاء الماضي حكومة جديدة تتألف من 23 حقيبة بمعية رئيس الحكومة.

وطيلة الـ70 يوما التي حبست أنفاس المغرب، في إنتظار الإعلان عن “حكومة الكفاءات” كان الجميع ينتظر أسماء هذه الكفاءات، لكن الآمال جاءت مخيبة، فقد كان بقي جل الوزراء على كراسيهم، وحتى من عينوا مؤخرًا، لا تُرى فيهم كفاءات وفقا لما يقوله المغاربة.

ويقول الناشط الحقوقي خالد البكاري لـ”القدس العربي” إن “مطلب الكفاءات في الاستوزار، تضليلي، ذلك أن الوزير يفترض أن يكون بخلفية سياسية، ما دام ينتمي لحكومة يفترض أنها من مخرجات مسلسل انتخابي يعكس تمثيلية سياسية، وبالتالي فالوزير هو شخصية سياسية يجب أن تتوفر فيها صفة القائد القادر على تنزيل مفردات البرنامج الحكومي المتعاقد حوله”.

ويرى أن “غياب الخبرة التقنية في المجال الذي سيسند للوزراء ليس عائقا أمام قدرتهم على القيادة والتنزيل، لأن الكفاءة المطلوبة هي القيادية، وليس التقنية، كفاءة القدرة على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها، والقدرة على التفاوض والإنصات، والقدرة على الحسم ومواجهة لوبيات الفساد”.

وأضاف أن جل الذين “احتفظوا بمناصبهم الحكومية ممن فشل في تدبيرها، وإذا استمعت للمواطنين العاديين لن تجد حديثا عن التعديل الحكومي، لأن صدى هذا التعديل لم يتجاوز المنابر الإعلامية وإذا استثنينا اسمين أو ثلاثة في الحكومة، فأغلب المواطنين يجهلون أسماء الوزراء الجدد والقدامى على حد سواء”.

وقال البكاري إن الخطورة تكمن في أن المغاربة لا ينتظرون سوى “القرارات الملكية، ويؤمنون أنه الحاكم الفعلي في كل التفاصيل، ويعتبرون الحكومة والبرلمان مجرد ديكورات ومجالات للريع والنهب والارتقاء الاجتماعي، وهذا مؤشر خطير، لأن أي انفجار اجتماعي قادم على شكل الحراكات السائدة في المنطقة، سيجعل المؤسسة الملكية في الواجهة بعد تآكل رصيد كل مؤسسات الوساطة الحكومية والبرلمانية والحزبية” حيث أن الجميع يعلم “أن لا رئيس الحكومة ولا الأحزاب السياسية ولا حتى النخب، يمتلكون الجرأة في مناقشة الملك صراحة حول مطلب التعديل الحكومي، الذي حمله خطاب العرش الأخير”.

وبعد خروج النسخة الثانية من الحكومة المغربية، في الولاية الثانية التي يقودها حزب العدالة والتنمية منذ 2011 قال الصحافي المغربي رشيد البلغيتي، إن التعديل الحكومي “حقق غايته الكبرى، وذلك بشغل العامة بنقاش جدوى التعديل، منذ الخطاب الأخير للملك، والاستمرار في هذا النقاش إلى اليوم بعد ظهور الفريق الحكومي الجديد/القديم” واعتبر أن “الاهتمام بالتعديل كتعديل بدون رهانات وتحوير النظر، مؤقتا، عن الأزمة الكبرى وهي أزمة نظام سياسي مغلق، بدون أفق، لكنه يرفض الاقرار بذلك”.

ويرى الباحث السياسي، عزيز إدامين، في قراءة للمشهد السياسي المغربي “يصعب التكهن حول أداء الحكومة الحالية فيما تبقى لها من الولاية الحكومية، ولكن يمكن تقديم بعض المؤشرات التي تسمح بالقول بإن مردوديتها ستكون غير مرتبطة بأي نموذج تنموي مستقبلا”. وقال لـ”القدس العربي” إن “الحكومة الحالية ترقيعية غير حاملة لأي مشروع تغييري أو برنامج جديد، كل ما هناك تم تغيير بعض الوجوه بوجوه جديدة ولكن في النسق الحكومي نفسه. الهيكلة الجديدة للحكومة عشوائية لأنها غير مرتبطة بأي برنامج أو مشروع، ضم حقائب وزارية في قطاع واحد وحذف بعض القطاعات الأخرى، يجعل سؤال المشروع هو ما هي خلفيات ذلك في ضل غياب وثيقة مرجعية؟ وغلبة التكنوقراط على تشكيلتها؟”.

 وأضاف أن جميع الحكومات السابقة “كانت تضم وزراء تكنوقراط، وكان يتم (صبغهم) باسم أحزاب معينة، ولكن المستجد الذي وقع مع الحكومة الحالية أننا إزاء أكثر من ثلث أعضاءها تحت مسمى المستقلون” وأضاف إذا كانت الدولة سابقا “تسعى إلى الاحتفاظ ببعض القطاعات الحكومية باعتبارها وزارات السيادة، وعددها محدود، فاليوم أصبح وزارات السيادة أكبر عددا، وتضم قطاعات لم تكن يوما ما ضمن القطاعات السيادية، وهو ما يسمح بالقول بتغول التقنوقراطيين في الحكومة”. ويُرجع “توحش” التكنوقراط في الحكومة لعدة أسباب، منها “عقم الأحزاب السياسية في إنتاج النخب ودورانها، وأن الفعل السياسي أو الفعل الحزبي لم يعد مغريا لا للمجتمع ولا للدولة، وتوجد في التجارب الدولية العريقة في الديمقراطية، أن يتم تعيين أشخاص من خارج الدوائر الحزبية، نظرا لخبرتهم وكفاءتهم، ولكن هؤلاء الأشخاص معروفين في المشهد السياسي كفعاليات سياسية، ولكنها غير متحزبة، للأسف في المغرب نجد تعيين أشخاص لم يسبق لهم أن مارسوا أو تحدثوا أو اقتربوا لا من السياسة ولا من الأحزاب، وهذه هي المعضلة الكبرى”.

أغلبية غير متجانسة

وقال الباحث السياسي كريم عايش لـ”القدس العربي” إن التعديل الحكومي الأخير “اكتسى طابعا استثنائيا نظرا للظرفية التي أتى فيها والتي تميزت بمقتضيات خطاب العرش الأخير وضرورة تغذية الحكومة بكفاءات وطنية، مع الرفع من قدراتها التدبيرية، إضافة إلى الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في النموذج التنموي المغربي، والذي أبان عن محدوديته وصار لزاما تغيير الرؤى وطرح بدائل جديدة تمكن من بلوغ الأهداف، التي يطرحها الملك منذ اعتلائه العرش، في تحقيق العيش الكريم للمواطن المغربي”.

ويرى عضو مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية، أنه “أمام ما ينتظر هذه الحكومة المعدلة من الانكباب على مشروع ميزانية 2020 والتي ستكتسي صبغة تقشفية بسبب تقليص عدد الحقائب، وما يتبع ذلك من تقليص في عدد كتاب الدواوين والمستشارين، وفي صبغة إدارية ضيقة تتطلب تكثيف الجهود من أجل إدماج الإدارات والمصالح والرفع من فعاليتها ومردوديتها مع مراعاة ضرورة تنزيل الجهوية واللامركزية، وهذا ورش ضخم؛ سيظهر لنا الفارق الزمني في تطبيقه وتنزيله مدى استجابة الحكومة الجديدة للأهداف المسطرة مع تسجيل علامة فارقة في عدم تجانس التحالفات السياسية داخل الأغلبية، وهشاشتها وبناءها على المصالح بدل الأهداف الكبرى”.

هذا وكان حزب التقدم والاشتراكية، (يسار) قد أعلن يوم الجمعة الماضي، أنه ترك الائتلاف الحكومي، وانضم إلى صفوف المعارضة، قبل إعلان تشكيلة الحكومة الجديدة التي طلبها الملك محمد السادس.

ولا يبدو المحلل السياسي المغربي مراد بنعيش، متفائلا بهاته الحكومة التي يراها “لا تختلف عن سابقتيها، واللتان لا تختلفان عن أي حكومة قبلهما، هذا وإلا لما كان حال المغاربة وصل إلى ما وصل إليه الآن، ولكان المغرب على الأقل قد حقق طفرات نوعية على مختلف الأصعدة، في حين ما زال البلد يتخبط في مشاكل وصراعات سياسية جوفاء، وفارغة تبين للقاصي قبل الداني أهداف من نصبوا أنفسهم حماة قلاع السياسة في المغرب” وحتى لو “يذهب زيد ويأتي عمر، ستبقى دار لقمان على حالها، لأنه وبكل بساطة، المتحكم والقابض على (البرشمان) يعرف كيف يحبك خيوط السياسة في المغرب”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية