العبارّّة.. منْ عَبَر من لم يعبر!!

حجم الخط
0

العبارّّة.. منْ عَبَر من لم يعبر!!

عناية جابرالعبارّّة.. منْ عَبَر من لم يعبر!!كنت انتويت السفر الي مصر أصلاً، لأري الي أصحابي وأحبابي. أسافر ما زلت، لأراهم طبعاً، ولأسأل أيضاً الناجين من مذبحة البحر الأحمر، عمّا مكنّهم من النجاة وعن كيف تسنّتْ لهم هذه، وعن كيف قضوا ساعات الماء ولم يلح أفق، ومذهولين في هيئة الموت المحددة، فبدلا من الشيخوخة التي تليق بالمصريين، بدلا من المرض وسيرورة الغناء، يتاح للمصري في حياته الآن، أن يتطلع الي ميتة عنيفة، حرقا في المسارح والقطارات، وغرقا في الترع والعبارات، وتمسي هذه، احتمالا حقيقيا، وهاجس كل دقيقة من دقائق حياته.الناس لم يعودوا يموتون لافظين انفاسهم الاخيرة بسكون في أسرتهم. فعلي الماء يمشون الي وهم حياة افضل، وعلي الماء يبتردون من قيظ الفقر. انهم يموتون الان اينما اتفق، والاينما اتفق هذه تعني علي الاغلب حرقا وغرقا.الحياة كما عهدناها انتهت. ونجد مشقة عارمة في مجرد العبور من يوم لآخر. وعلي سيرة العبور، ثمة تلك العبارة التي من صلب واجباتها ان تعبر، وما عبرت. غرقت بحملها الاسمر. من عبر ومن امتنع عليه العبور؟ مشهد البحر، الاجساد المتناثرة، الليل، غنائم العمر، ثم السماء فوق كالعادة.أذكر تحديقي الطويل الي الموج، كما لو اني افتش عن نقص فيه، او فائض، او عن شيء ما جعله مختلفا عن الموج في بحار اخري، او عن جثة ما جعلته غريبا، تماما كما لو انني قادرة علي تفسير ما كنت احدق اليه. قد اكون مخطئة تماما في ما لاحظته، ويحتمل اني انقل ملاحظات عن كارثة غرق آخر، تسونامي مثلا، واسقطه علي الكارثة المصرية، ولكن لا اهمية لهذا، الان علي الاقل. ما يبقي فقط، ما هو بالغ الثبات، وبعد تأمل دقيق وشديد، هي السماء التي تعلو فوق، الغيوم نفسها، الانقشاع عينه، العواصف ذاتها والصفاءات نفسها، واذا ما كانت السماء تبدو احيانا منذرة، فهذا عائد الي ما يحدث في الاسفل. في الواقع، هناك بكل بساطة اشياء ممتنعة علي التغيير، ثم لا احد يرغب في مناقشة موضوعة السماء.اللحظات الاولي كانت هي الاقسي، بعدها الخدر وقد جالوا في ارجاء الماء مسرنمين، غير عارفين علي اي بلل ترقد قلوبهم، ولا يجرؤون حتي علي الوثوق الي نهايتهم، وفي مرحلة ما، ابتدأ عويل الاعماق، وافلتوا في النجاة الي الاسفل، وبدأت لعبة الرذاذ القاتل، وغابت السماء نفسها. السماء الثابتة غابت.وسواء رضينا بذلك ام لم نرض، فان الفا من المصريين اصبحوا ملك البحر والي الابد.عبّارة كبيرة مسنة، وترغب في اكثر رغباتك رومانسية التسلق الي متنها والابحار بعيدا، غرقت بركامها الانساني وفضلاتها المغبرة. بدت اولا مائلة متدلية، ملتوية بفعل الثقل والدعاء الكثير، وكأنما لوت نفسها بنفسها بطيئا باتجاه الاعماق، تقشرت وتحولت فتاتا. ذوت كروحي تماما. هناك تلك اللحظة التي لن نعرفها، وهناك القهر من المصير المبلل، وهناك الدمع المختلط بالماء، ملوحة التسليم والاحلام المنتهية للتو. المصري في العّبارة، علامة حزن داخلي، ونداء استغاثة سرية. المصري في الماء وما من شارات دخان.أتري ما الذي واجهه المصريون الغرقي؟ ليس الامر مجرد اختفاء ابدان في البحر، ولكن ما ان يتواري هؤلاء حتي تتواري ذكراهم ايضا. تتشكل سريعا مساحات قاتمة في ادمغتنا، واذا لم نبذل جهدا مستمرا لاستدعاء صور اولئك المعذبين علي الارض، في الماء وفي السماء، فانها تضمحل سريعا وكليا من ذاكرتك.ضحايا محرقة بني سويف خمدت ذكراهم. انا لست اكثر مناعة من غيري ضد النسيان، ولا شك ان عندي العديد من الفراغات المهينة في رأسي، والا كيف يتأتي لي انني ما زلت اتنفس.لا اعتقد اني حدقت اطلاقا الي البحر بشدة تفوق تحديقي اليه اثناء عرض صور الجثث الطافية. كنت ارغب باحتضان كل تلك الجثث، في ان يصبح كل ذلك التناثر جزءا مني، اذ في مقدورك ان تثق في ان كم من دون احتضاني يصبحون منسيين، ضائعين ومتعذري الاسترداد.كيف يمكنك بالتالي ان تبقيهم في اللغة علي الاقل. قلت لأحدهم ان الفا من المصريين قد غرقت بهم عبارة في البحر الاحمر. سألني ما هي العبّارة؟ انه الامحاء السريع، وسوف يسقطون من اللغة ايضا. تصبح الكلمة مجرد صوت.عبّارة!! مجموعة عشوائية من الحروف الاحتكاكية المدومة، وتغدو الحادثة في النهاية ركاما من الحروف، عبّارة!!وتغدو الكلمة في الحقيقة عسيرة، ولغة للماء خاصة، وعاصفة من الرحيل الموجع.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية