العباقرة يفضلون ‘جيري’

حجم الخط
0

رحاب أبو هوشرسألت عددا من الأطفال من أعمار مختلفة، عن أي من الشخصيتين يحبونها ويودون لو يكونونها، في المسلسل الكرتوني ‘توم وجيري’، الأثير لدى الصغار وكثيرا من الكبار مثلي، فأجابوا كلهم أنهم يودون تقمص شخصية ‘جيري’، ولما سألتهم عن السبب، أجابوني بأنه منتصر، قوي ويفوز دائما، بينما كان’توم’ يثير سخريتهم ونفورهم لأنه يسقط في مقالب جيري، وأنه ضعيف ويخسر دائما، إلا طفلا واحدا في الرابعة من عمره، قال أنه يحب توم، ولما تساءلت: ولكنه يخسر، أجابني مبتسما بثقة: عادي، ممكن أن يفوز مرة.هذا ما يتغذى عليه الإنسان العربي، منذ الطفولة مع تعلمه المشي والكلام، ازدراء الفشل وقرنه بالضعف، والإصرار على النجاح وقرنه بالقوة، وهي قيم أساسية، لصوغ شخصية الفرد والجماعة، لو أنها قامت على مفاهيم حقيقية، إنسانية وفكرية وأخلاقية، أو صدرت عن فلسفة تعظم الإنسان كقيمة أساسية في الحياة، وتؤنسن معه قيم القوة والضعف، والنجاح والفشل.القوة والنجاح، عناوين اجتماعية مشوهة البنية، مفرغة من معناها الإنساني، تعوض غياب المفاهيم والرؤية بالالتفاف عليها، وانتزاعها من سياقاتها الفكرية والمعرفية. تحول بين الفرد واستكشاف طاقاته الذاتيه ونموها، وتصادر حقه في اختبار قدراته وإمكانياته ورغباته، وتمارس قسرا لمفاهيم كونية على الاتساق مع مفاهيم اجتماعية بدائية، لثقافة متضخمة بالأوهام، معيارها الوحيد مرآة تاريخية مهمشة، لم يعد يعرف أو يعترف بسواها. سيرى الجميع فيها أبهى انعكاس لصورته، سيرى كل منا نفسه جميلا، بل الأجمل، فمثل هذه المرآة لا تتسع لانعكاسات صورة جماعية.في أول اشتباك له مع الحياة، على الطفل أن يكون ‘غالبا’، هذا ما تلقننا إياه ثقافتنا الاجتماعية، وما تدفعنا إليه دفعا قهريا. وأن يكون مغلوبا، فهذا يستدعي سخط العائلة، وقلقها على مستقبله الذي لا يعني لها إلا مستقبلها. إذا ما تعارك مع أقرانه، وخسر ‘المعركة’، ذهبت الحادثة وصمة عار لترافقه سنوات، أما إذا فشل في دراسة أو علاقة عاطفية في مرحلة الشباب، فذلك العار الذي لن ينمحي من سيرته، ويصبح ما حدث معه، قصة للضحك في السهرات بعد عشرين عاما، وإن غلبته الدنيا بعد ذلك، صار فاشلا مسكينا، مثارا للشفقة والسخرية!بين هذه الثنائيات النمطية، تغيب أي مساحة وسطى، هي الميدان الحقيقي لاختبارات القوة والضعف، ومواجهة النجاح والفشل، واكتشاف الذات والأدوات وطرق الدروب باستقامتها ومنعرجاتها أيضا، وبروز المواهب والميول وتقدير القدرات والإمكانيات والاعتراف بها. عوضا عن ذلك، هناك إنكار لتلك المساحة، يتوطأ عليه المجتمع، بأفراده ومؤسساته، فإما أن تكون قويا أو ضعيفا، مهزوما أو منتصرا، ناجحا أو فاشلا.ماذا أنتجت تلك الثقافة المسكونة بأوهام القوة والنجاح، والمنفصلة عن واقعها والعالم معا، بتكريس تلك الثنائيات؟ لقد أنتجت منتجها الأهم، الفشل. في مجتمعات ‘العباقرة’، لن نعثر إلا على المسكونين بالخوف من الفشل، الفاقدين لثقتهم بذواتهم وطاقاتها، من أصبحوا أسرى الخوف من النجاح، والحريصين في نفس الوقت على إخفاء ضعفهم، وادعاء القوة، واختراع نجاحات كاذبة ومواهب زائفة، فمن كتب مقالا أو أصدر كتابا، وإن كان رديئا، ظن في نفسه عبقرية لم تتح لسواه، وربما وضع نفسه في ميزان العالمية، رغم أن منجز ودور منطقته كلها غير مرئي على خريطة العالم، والموظف يشعر بأنه الأجدر دائما بمنصب أرفع، وإن شغل الوظيفة بالواسطة، وسائق التكسي في حالة دفاع دائمة عن مهنته التي لا يعدها المجتمع عملا ‘ناجحا’، فلولا سوء الحظ لكان في موقع آخر، وآخرون لا يخرجون من فشل إلا ليقعوا في آخر، مع إصرار بائس على إنكاره، وإنكار مسؤوليتهم عنه، ولو جزئيا. هل ستبقى روح الطفل ابن الأربع سنوات عفية وقوية، عندما يكبر ويدخل في صراع الفاشلين؟ بودي أن يظل محبا لـ’توم’، وأن يحب فشله كما يحب نجاحه.لم ننجز إلا الفشل، في مجتمعات ترتدي ريش العبقرية، ويرى أفرادها في أنفسهم عباقرة لا بد أن يلازمهم النجاح طوال حياتهم، وأنهم يمتلكون القدرات الكلية لممارسة كل الأعمال وكل الأدوار.النجاح الحقيقي المبني على المعرفة والتجريب وامتلاك حس المغامرة، غير معترف به، معاييره تتناقض مع المنظومة الثقافية، فأن تعمل ما تحب ويتفق مع مفردات شخصيتك، وما يتواءم مع قدراتك وطموحك الفردي، فهذا يعد مغامرة خارج سياقات الثنائيات النمطية، حيث يصبح المرء في مهب احتمالات الفشل أو النجاح، النصر أوالهزيمة. وأن تفشل، هذا لا يعني إلا نهايتك مهنيا واجتماعيا، وربما إنسانيا، أما أن لا يقتلك الفشل وأن تمضي بالمحاولات، ، فهذا يعني أنك مضطرب، لا تملك البصيرة، وستثير الريبة حولك. يمكنك على الأقل أن تماثلهم في الوعي والسلوك، ليس مهما لحظتها فشلك، ولكن احرص على الكذب والإنكار، وادعاء النجاح، وإن كان وهما في رأسك. اكذب وراكم الفشل، وتنقل مثل قنبلة تبذر السخط والغضب والرغبة بتحطيم الناجحين، وستصبح ناجحا بقدر ما تعيق تقدم الأقدام الواثقة حولك، وهكذا، تحقق نوعا من شفائك. كلنا فاشلون، والفشل مع الجماعة، نجاح، بل عبقرية.الثقافة العاجزة فقط، لا تحترم الضعف باعتباره مكونا طبيعيا من مكونات الشخصية، وضروريا لنموها وتطورها، ويتقاطع مع قوتها، هي ثقافة لا تحترم الإنسان، وتمارس حجرا على طاقاته وقدراته، وعلى حقه في اختبار الضعف كما يختبر القوة، يقتل أفقها ويشوهها، تجاه إنتاج متوالية من الفشل. ثقافة لا تحترم الفشل مفهوما وتجربة بوصفه مكونا عضويا للنجاح ودافعا اساسيا له، لن تحقق نجاحا يعتد به. ثقافة ‘مجتمع العباقرة’ ستبقينا قيد الكساح الحضاري والإنساني، بينما أوصالنا الاجتماعية يتغذى عليها الخوف والإنكار.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية