العبد الآبق

حجم الخط
0

محمود القرني

لم أتعلق بالكثير من تراث مدرسة شعر، لأسباب ترتبط ـ علي الأغلب ـ بمنجزها الشعري في الكثير من تجلياته، بأكثر مما تتعلق بتراثها المتعاظم في تطوير وتهجين القصيدة العربية.

فعلي درجات التفاوت الواسعة بين الشعراء الذين قدمهم هذا التيار، تظل القيمة التحريضية ضد المتون المتكلسة والراكدة هي أهم هذه القيم تأثيرا في تطور النص العربي في الأربعين عاماً الأخيرة.

وربما أنضجت السنوات وعي كثيرين منا، لا سيما فيما يتعلق بالدوافع التي جعلت من مشروع محمد الماغوط الشعري خروجاً سافراً علي المقولات التليدة للمدرسة التي تربي في كنفها.

وأتصور أن الشعر العربي، في امتدادات كثيرة منه، تجاوز كثيرين ممن قدسوا تجربتهم داخل مدرسة شعر، فهؤلاء الذين كانوا أكثر إخلاصاً للمقول النظري بدوا أكثر بؤسا علي الصعيد الشعري، وفي المقابل نجد صعوداً واضحاً للآبقين من أبناء المدرسة، هؤلاء الذين كانوا أكثر نكوصاً وضلوعاً في مؤامرات مجنونة تحولت بهم إلي الضفة الأخري من الوعي.

فقد كان هذا الآبق ـ محمد الماغوط ـ واحدا ممن ضربوا عرض الحائط بمقولات جذرية لدي القرناء من قبيل التكثيف والمجانية والوحدة العضوية، وما ترتب علي ذلك من قصائد سيمترية تشابهت وتناسلت، وكانت المحصلة اقل قامة مما ينبغي.

في هذه الاجواء المشحونة استطاع الماغوط أن يؤلف بين اتشاحات واسعة ترتبط بوعيه الذاتي أولاً، ثم بوعيه بعناصر جوهرية مثل مفهومه للحرية وللوظيفة اللغوية وطاقاتها الممكنة، والوعي النقيض بمفهوم المجانية الذي كان من أكبر وأكثر الالتباسات التي أحاطت بقصيدة النثر ففيها تنفي أدبيات القصيدة أية غاية خارج ذاتها وتتماهي في الزمن المطلق باعتبارها بالأساس ضد مفهوم الزمنية، وكذلك ضد موقفها السلبي من مفهوم الغرض. يتجه الماغوط ـ في المقابل ـ إلي مفهوم أكثر اتساقا مع الوعي الجمعي الذي استمسك بغناء ناسه ودبيب أقرانه، ليتحدث، بفجاجة لا تخشي أحداً، عن هذه الأبقار والحمير الضالة وعن الحدادين والشيالين وعن العربي الكسيح، وعن أغلال الحكام الذين لم ينجحوا في كسر إرادته.

وينتقد بمرارة هذا التركيب الدعي الذي كتب عنه في إحدي مقالاته الطريفة التي ينتقد فيها المثقف العربي المفتون بالمقولات منقطعة الصلة بواقعها عندما أشار إلي أن بعض هؤلاء يعتقدون أنهم لكي يكونوا مثقفين لا بد من أن يستلقوا في حمام السباحة وهم يقرأون ماركس وإنجيلز ويتحدثون إلي خادماتهم عن الصراع الطبقي، ولا يألون جهدا في السخرية من كل ما يمت للشعوب بصلة، وليس غريباً علي هذا الوعي أن يقرر مستقبله قائلاً: أنا أكتب لكي أعيش.

بهذا المعني لم يكن نص الماغوط خطوة شديدة الأهمية نحو تخليص قصيدة النثر من أسر القاموس الفرنسي فحسب، بل كان بطبيعه الحال خطوة تعريبية مهمة تنفي ـ في واقع الأمر ـ الأهمية المعقودة علي كثيرين انتسبوا للريادة في قصيدة النثر مثل توفيق صايغ وجبرا وأمين الريحاني وعلي احمد باكثير وحسين عفيف وبدر الديب وغير هؤلاء. فمن ناحية لا تبدو هناك أهمية معقودة علي وعي هؤلاء بالضرورة التاريخية لهذا النص ومن ثم فقد ولد علي أيديهم وهو فاقد لمبرر وجوده، ومن ناحية أخري لم يبرر النص حضوره جماليا لأسباب ربما تعلقت بموهبة هؤلاء من ناحية، ومن ناحية أخري بسبب وقوع هذه المشاريع في أسر مرجعيات متعدده أولها النص الفرنسي، وثانيها النص الإنكليزي في صورته الفيكتورية أما التيار الثالث فقد وقع في براثن المقامة العربية وسجع الكهان بزعم التأصيل والتجذير.

وفي المقابل كانت تجربة الماغوط أكثر إيمانا بأهمية الاكتشاف سواء كان ذلك علي مستوي لغته الشفيقة التي امتازت بجرأة الكشف والتوليد، في صيغ بلاغية غير مسبوقة دلاليا، أو علي مستوي وعيه بمفهوم الحرية، وهو وعي دفعه لتجاوز الاسقف التقليدية للثالوث العربي المحرم بامتداداته التاريخية والحاضرة، ويبقي لدي الماغوط هذا الاجتراح الذي أجراه علي المواصفات البائسة التي رافقت مشروع قصيدة النثر وأودت بالكثيرين في غياهبه، واكتشفنا مع حزن في ضوء القمر و الفرح ليس مهنتي بالاضافة لمسرحه الصارخ بكل المعاني التي تعالت عليها قصيدة النثر، أن التعقيد كان يسبق الظاهرة بكثير، وثمة حاجة ملحة لان يحترم النقد تبعيته ولا يتطاول الي هذه الحدود الاستثنائية.

كان هذا الاستشراف المبكر من الماغوط سببا كافيا ومبررا موضوعيا لخروج أشبه بالاسطورة علي إجماع ترهيبي كانت تنشره فصول الدرس الاول في مدرسة شعر وقد أنصف التاريخ القريب تجربة الماغوط وسط الضجيج الممض للحداثة العربية. في المقابل تبدو هذه التجربة ضميرا ناقصا يقض مضجع الشعرية العربية الحديثة التي ارتبطت بقصيدة التفعيلة، والتي انتهي كثير من رموزها الي أسلاف يستعيدون الخطي المتعثرة التي بدأوا في أجوائها.

وثمة تصريحات مضحكة لعدد من هؤلاء الكبار تشير الي أنهم يقبلون بقصيدة النثر من أجل عيون محمد الماغوط فحسب، فيما يعني أن قصيدة النثر مرفوضة في الاجمال تحت تعلاًت رخوة نعرفها جميعا، ونضج من سخف تكرارها، وكأن درس الحرية الذي ألقاه الماغوط علي مسامع الكافة لم يلق صدي. لذلك ستظل قصيدة الرجل أكثر طليعية وأكثر تقدما من مقولات مدرسة شعر ومن مقولات الرواد المهتزة التي تسير علي استحياء.

لقد كان الماغوط عبدا أبقاّ في معبد لايمنح البركة الا للأوابين، ولانه عاش ومات في زمرة العصاة، فقد أطلق تراتيله بالطريقة التي أرادها لا بالطريقة التي أرادها لنفسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية