العبــارة..

حجم الخط
0

مصطفي شعبان

يبتسم الشيخ لويس فوق قامته المقوسة. يجرّ عصاه بتأن. يدخل إلي المقهي. يطلب كأسا من النبيذ الأبيض. لقد اعتاد علي طلبه. يبدأ ارتشاف الكأس في طقوس كانت تمليها الجلسة. لقد أصبح يداوم علي ذلك منذ مجيء النادلة الجديدة، تستقبله بعبارتها:

ـ صباح الخير أيها الرجل الشاب. ينتشي مع العبارة. يقوي بمحاذاة الكنتوار. يطلب كأسا آخر. يتطلع إلي النادلة بما يستفيض وجهها وتتكرم شفتاها. تبتسم في وجهه. تضع الكأس بين يديه. يشرع في فتح بريده اليومي. يشرب الكأس بتنسّم جرعات، جرعات. ويترك لها إكرامية سخية. يجمع البسمة المنتشية في تجاعيد وجهه. تحاول أن تقرأها النادلة وبصعوبة لتفكّكَ ما خطّ علي وجهه. تبتسم. ويعود إلي البيت. فتودعه بكلام لطيف:

ـ إلي اللقاء أيها الرجل الشاب.

يكور فمه كلمات. يودّع باسما. يهز عصاه مرتجفا والعبارة ترن في أذنه. يفتشها في سريرته. فيدخل المنزل مبتسما. وبقرب سورالكنيسة يستيقظ الشاب نيكولا. يمد يده إلي القنينة الموضوعة عند رأسه. يبلل يديه بمائها. يمررهما علي وجهه. يمسح بالفوطة المكومة في جرابه. يمرر يده اليمني علي رأسه. يتهندم. يتغبن في نفسه:

ـ ليست هناك حنفية قريبة مني حتي أتمعن في غسل وجهي فأتهندم أحسن. أصبح نيكولا يفعل كل ذلك باكرا. يترقب تحية الآنسة لورنس في طريقها إلي العمل. تحييه كل صباح والمحفظة في يدها. والبسمة منشورة علي شفتيها.

كان نيكولا بدون مأوي. يبيت عند سورالكنيسة. عَلَقت برأسه صورة الآنسة لورنس منذ أن أهدت له هدية لعيد مولد السيد المسيح. ساقتها الدردشة فتعرفت عليه أكثر. أصبحت تناوله الكتاب تلو الكتاب.

تسأله كل صباح بعد التحية:

ـ كيف أصبح نيكولا؟

وعند الفجر يتقلب في فراشه السي إبراهيم الفقير إلي الله. كانت تلك ساعة يقظته قبل أن يعجز عن العمل. تصله عبر نسيم الفجر تحية الضيعة. يتحرك في فراشه ينتظر فلق الصبح ولا يتردد لتلبية النداء. يتحسس بعصاه الطريق إلي الدكان، حيث كان يتقاسم كأس الشاي مع الفلاحين. يقترب من ضيعته المحاذية لدكان القرية. يحييها وتحييه. يتنفس نفسا عميقا من هوائها. يفوح به علي جلبابه حتي يثخن ببركتها.

أصبح الرجل الشاب ـ لويس ـ يعود إلي المقهي في المساء. يشرب كأسا آخر علي الساعة السادسة مساء. عادة دخلت عالمه. لم يعد المنزل عالمه الوحيد. ولم يعد يكتفي بفسحة الصباح ثم يتمدد في الأريكة يتنصت إلي الأخبارويطوف علي برامج التلفزة.

ـ كيف أصبح نيكولا؟ عبارة راح نيكولا ينتظرها. غيرت من عوائده. يستيقظ باكرا، تلك عادته. يبعد جانبا قنينات النبيذ الفارغة. ويتعفف عن السعي حين يترقب عودة الآنسة لورنس في المساء. ينتظر التحية يفتشها. يقرأ قسماتها. عرف مكتبتها. وعرفت ذوقه. حين تعرف مكتبة الشخص فقد عرفت أحد مفاتيح شخصيته.. نصف توجهه. إلي وقت غير بعيد، كانت اختيارات نيكولا لا تتزحزح. الشارع ملجؤه والسماء سقفه، تلك كانت فلسفته. وحين يشتد البرد يرفض بعنف الذهاب مع دوريات الإسعاف لقضاء الليل في الدفء. كان لا يحب أن ينام بعيدا عن الشارع. يكره العودة إلي المنازل. كابوس يربطه مع الذكري.

كان أولاد الحاج إبراهيم يحثون أباهم علي لبس الجلاليب البيضاء والبلغة الصفراء لتكون مُناسبة مع شخصه ولتزيده وقارا علي وقار. تلك هي لباس أيام الجمعة والأعياد. وبعد مرضه واعتزاله بدلة العمل الزرقاء، صارت لباس سائر الأيام.. وحين يزيد المرض ويشده الفراش، تستعصي الحركة بعيدا عن المنزل وعن الفراش يتشوق لتحية الضيعة. يُهدئ باله ويُسكّن قلبه. تطوي المكان والزمان، تلبس خرقتها وتعوده قبل طلوع الفجر. تفسح له خرقتها يتجول فيها بلباس العمل. يطوف بين أشجارها خطوة خطوة وبجانب لالة فاطمة. يتفقد الغلة، مجاري المياه والنبات.

الفقير إلي الله كما يحب تسميته. وضع الرضي في قلبه ووضعته الضيعة في قلبها. يرتوي لريّها ويعطش لعطشها. يصلي ويطلب الغيث لتروي.

ازداد بالضيعة تعلقا بعد ان فاضت روح لالة فاطمة زوجته. كانت له وكان لها طوال أربعين سنة.

من أين يبدأ الاختيار؟ كيف يقرر الإنسان؟ علي ماذا يستند في قراراته؟ كيف يعود ويعدل عنها؟

نيكولا ينتعش للدفء، دفء العبارة، دفء الابتسامة. يغير من عادته.

ولويس الشيخ الشاب لا تسعفه رجلاه، يصرّ علي الخروج ببطء يبحث عن كأس، عن العبارة التي تنعشه.

والسي إبراهيم الفقير إلي الله يتشوق إلي الضيعة وتتشوق إليه. حين يقعده المرض تطوي هذه الضيعة الزمان والمكان فتأتيه قبل طلوع الفجر. تفتح له ذراعيها. فيمشي فيها خطوة خطوة وبجانب لالة فاطمة، كما كان يحلو له أن يسميها. باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية