لئن كان لكل جانب من جوانب الحياة تصورات نظرية على أساسها نتعرف على العالم من حولنا، وما قد ينتج عن هذه المعرفة من عمليات إدراكية، فكذلك يكون لكل فاعلية أدبية نظرية ما تحاول تفسير سياقات الفعل الإبداعي فيها، وتحديد الخطوات أو المراحل التي وفقها تتنوع وتتطور. والتجسير واحد من تلك السياقات، التي بها نفهم عملية العبور الأجناسي، وندرك أن التجنيس عملية ليست مشرعة كيفما اتفق، ولا هي مشاعة كل حين، بل هي مقننة بقوانين تحكم فاعليتها، وتجعل خطواتها محسوبة حساباً لا مجال فيه إلا لما هو أهل لأن يمنح ذلك.
إن التجسير هو التفسير العملي الذي على أساسه نفهم لماذا صارت قضية الأجناس الأدبية أحد أقدم قضايا الأدب وأهمها، حتى أننا قلما نجد منظّراً من منظري النقد إلا وقف عند هذه القضية وتناولها، بدءا من أفلاطون وأرسطو ومرورا بغوته وشليغل، ثم ياكبسون ولوكاش وباختين ونورثروب فراي ورينيه ويليك وتودوروف، إلخ.
وليس التجسير حلا لإشكالية التجنيس، إنما هو توصيف مبدئي للصيغة، أو الطريقة التي بها احتلت أصناف كتابية معينة مكانة في عالم النص فوصفت بأنها أجناس أدبية، بينما بقيت أصناف أخرى ـ على كثرة تداولها وشيوع الكتابة فيها ـ على حالها لم تستطع أن تثبت استقراريتها لترتقي بحالها أجناسا قائمة بنفسها وحدها، لا يشاركها في حدودها أحد.
وعادة ما يتمظهر العبور الأجناسي في تشكيل الجنس الأدبي كعملية توسطية بين متعاينين اثنين، أحدهما يخالف الآخر في النوعية التصنيفية، ويغايره في الممكنات الإنتاجية، لكن ما بينهما من انتمائية إلى فن أدبي واحد هو الذي يقيم جسرا بينهما يوثق روابط التقارب ويوطد الصلة ويعزز الآصرة، محولا ما هو أقل وأفقر إلى معبور عليه يقطع من خلاله العابر ـ الذي هو أكثر مساحة وأعمق فاعلية ـ المسافة، مستوعبا إياه فارضا على حسابه وجوده ماهية وهوية.
إن التجسير هو الأداة التي بها تتحقق فاعلية التعابر، ولا عبور من دون مد الأواصر، كما أن لا عبور من دون ممر مجسر هو شكل أو نوع، أو جنس يسمح لجنس آخر من صنفه أن يكون عابرا عليه، وفي الآن نفسه يفيد من رسوخه وينطبع بممكناته. وليس لجنس أدبي أن يكون قادرا على عبور غيره، متخذا منه جسرا يمد عليه حدوده، ويضفي عليه ما لديه من خصائص سوى ذاك الجنس الذي أثبت التجسير نجاعة فعله، وكشف عن قابلياته، وأنه لا يعبر على غيره إلا لكي يكسب المعبور عليه من صفاته، من دون أن يتأثر أو يتشارك أو يتداخل مع أي صفة من صفاته، لأن (المعبور عليه) سيُذاب في قالب (العابر) إذابة لا تعود فيها لماهية الأول أي خصوصية شكلية. وإذا افترضنا حصول تبادل للخصائص بين المتعابرين في عملية التجسير، فعندها لا تعد هذه العملية تجسيرا، وإنما هي تعالق على مستوى النصوص لا القوالب، وتداخل في البنيات الشكلية والثيماتية. والمحصلة التناص كتجميع وترابط بين نص سابق ونص لاحق، يتشاركان في الخصائص والسمات ويتجاوران كمتعادلين لا سيادة لأحدهما على الآخر، كما أن تجاورهما متعادل تظهر عبره ماهية كل منهما بلا تفوق في الطبيعة، ولا امتياز لماهية ما كان عليه كل منهما قبل التداخل. إن التجسير هو عملية إضفاء طابع توصيلي غايته الانتقال من ضفة هي إشكالية وليست آمنة عمليا، ولا مأمونة فكريا إلى ضفة ناجزة عمليا وفكريا، وأعني بالضفة المؤشكلة، الكتابات الإبداعية التي لم يستقر قالبها بعد، فهي غير مأمونة لعدم صواب ما يعتقده كتّابها من أنهم يكتبون ما ينتمي إلى أجناس قائمة بذاتها، كالسير والقصص القصيرة جدا والحواريات وقصائد النص والهايكو والومضة، إلخ.
ولو افترضنا أن التجسير كان بين نوع أدبي هو سيرة ذاتية وجنس هو رواية، فإن السيرة الذاتية ستتجسر لتعبر عليها الرواية لما لها من ممكنات لا تمتلكها السيرة، وبالعبور تتوكد قدرات الرواية كجنس عابر قائم بمفرده. والمحصلة انتفاء إشكالية تجنيس أعمال هي ليست أجناسا، وتوطد قوالب أجناس هي أقوى وأرسخ أمام أنواع وأشكال هي أدنى وأضيق من أن تكون كجنس الرواية، الذي له من العمق والبعد ما يجعله قابلا لأن يحتوي السيرة في قالبه، ومن ثم تتوطد هيمنته على السيرة التي ستتموضع بعد العبور نوعا سرديا هو بمثابة جسر يحقق للرواية عابريتها الأجناسية.
ولو افترضنا أن التجسير كان بين نوع أدبي هو سيرة ذاتية وجنس هو رواية، فإن السيرة الذاتية ستتجسر لتعبر عليها الرواية لما لها من ممكنات لا تمتلكها السيرة، وبالعبور تتوكد قدرات الرواية كجنس عابر قائم بمفرده.
والتجسير بوصفه طريقة توصيفية للعملية التي فيها القالب الأنجع، يفرض وجوده، ويؤكد حظوته بحدود لا يمتلكها إلا القليل مثله، فإنه أيضا برهان على أن لفعل العبور شائكية لا يحلها إلا جنس معروفة قابلياته، في مقابل يسر فعل الاجتياز والتوصيل بين الأنواع أو الصيغ وربما الأجناس.
وإذا كان العبور يحل الإشكالية، مفضيا إلى جنس وطيد هو عابر، فإن التجسير هو الذي يساهم في هذا الإفضاء، بالتخطي والتعدي، ممهدا السبيل ومعبدا إياه ليكون جسرا عليه تجري عملية الانتقال توصيلا بين (نوع شعري) هو مثلا لا حصرا قصيدة رثائية و(جنس شعري) هو قصيدة النثر، فعندها ستمد الأخيرة حدودها على الأولى وتحتويها، نظرا لاقتصار قدرة هذا النوع الشعري على التجسير انضواء وانصهارا ولقابلياته على أن يكون معبرا تجتاز بموجبه قصيدة النثر المسافة بكل ثقة واقتدار. ومثل ذلك يقال بين (جنس شعري) هو مثلا قصيدة العمود و(جنس شعري) هو قصيدة النثر.
والأمر نفسه يقال مع الرواية وهي تعبر على (تقانة) مثل المتوالية أو الميتاسرد، أو (صيغة شكلية) مثل الحوار، أو (جنس أرسطي) مثل الدراما وتنتهي بضمها هذه كلها في قالبها العابر. فالتجسير فاعلية اختبار بها تلغى محاولات اعتبار الأنواع والأشكال كلها أجناسا، وبالعكس أعني، لا اعتبار للأجناس في توصيف الأشكال والأنواع، ولو كان الأمر كذلك لكانت بنائية الأدب فوضوية لا ضابط لها ولا قوالب تحددها، بيد أن التجسير هو الذي يعطينا تصورا نظريا لطبيعة الفاعلية التي تنطوي عليها العملية الكتابية، ويجعلنا نتثبت من أنه مثلما للأنواع أن تتداخل نصيا وأجناسيا، فإن لبعضها القليل أيضا أن يتجاوز التداخل إلى العبور.
ولعل هذا التصور النظري سيضعنا أيضا أمام فارق نوعي كبير وشاسع ما بين العمليتين: (التداخل والعبور) اللتين هما غير متوافقتين على أساس أن الأولى هي تعليق وترابط على مستوى البناء النصي، بينما الثانية هي توصيل وانتقال على مستويي النص الشكلي والإطار الحدي. وإذا كان الاحتواء والتعيين والتماهي قوانين بدئية، فإن التجسير يلتحق بها كقانون إتمامي، حتى لا عبور ناجزا من دون التجسير، الذي يضع الجنس على جادة التقولب الفني الموحد، والتكون النهائي، متكاملا من مجموع ما تم الابتداء به تضادا واختلافا، وما تم تمريره احتواء وجذبا وإذابة وتماهيا.
وليس التجسير إضاعة لسمات امتلكها المعبور، ولا هو إضافة تنويعات ليست عند العابر، بل هو تحشيد لسمات المعبور في العابر، وفي الوقت نفسه توطيد سمات العابر وتوكيد تميزها، بما يمنح المعبور أيضا قوة وتميزا في الأساسات والأركان وكذلك في التفرعات والامتدادات.
كاتبة عراقية