العبّارة المصرية: تحقيقاتنا الوهمية

حجم الخط
0

العبّارة المصرية: تحقيقاتنا الوهمية

محمد كريشانالعبّارة المصرية: تحقيقاتنا الوهمية وأمر سيادة الرئيس بفتح تحقيق فوري في الحادث لتحديد ملابسات ما جري ومنع حدوثه في المستقبل ، تكاد تكون هذه الصيغة النموذجية الموحدة في كل مرة تقع فيها كارثة ما في بلادنا العربية ثم لا نسمع شيئا أبدا عن نتائج هذا التحقيق، وبالطبع لا شيء أيضا عن تحديد مسؤوليات أو محاسبة مقصرين أو مهملين، ويخشي أن يتكرر ذات السيناريو المشؤوم مع مأساة غرق العبارة المصرية السلام 98 الذي ذهب ضحيتها ألف بني آدم تقوم الدنيا ولا تقعد بشأنهم في دول تحترم مواطنيها أولا وتقدس الذات الإنسانية والروح البشرية قبل كل شيء.كوارث عديدة في السنوات القليلة الماضية في مصر سواء في مجال النقل كسقوط طائرة وحريق قطار وغرق عبارة من قبل أو حريق بمسرح في عرض كبير دون أن نسمع لاحقا، وبالهالة الإعلامية التي نري هذه الأحداث بها جديرة، عن نتائج تحقيق مدوية كشفت بصراحة وصرامة عن تقصير في كذا وإهمال في كذا وربما في فساد في كذا يتحمل مسؤولياته الجنائية فلان وفلان ومسؤوليته السياسية فلان وفلان. لم يحدث هذا في مصر ولم يحدث في غيرها للأمانة حتي لو كان الأمر متعلقا بحوادث محددة وليس كوارث كبري فإلي حد الآن مثلا لا يعرف من سرق ونشا عملاقا اختفي من القاهرة عند حفر أنفاق المترو في الثمانينات وإلي الآن ما زال التونسيون ينتظرون نتائج التحقيق في اغتيال القيادي الفلسطيني البارز خليل الوزير (أبو جهاد) في ضاحية سيدي أبو سعيد في نيسان (ابريل) 1988 في وقت ما زالت تتردد من حين إلي آخر إشاعات لا احد يعلم مدي صدقيتها عن تورط هذا أو ذاك من المسؤولين السابقين. يحدث هذا في وقت نعمد فيه غالبا، إذا ما صادف أن رأي تحقيق ما النور، إلي أحد أمرين: إما تقديم رواية ضعيفة ومهزوزة للمصيبة التي حدثت وإما البحث المتسرع عن كبش فداء تمسح علي صوفه الوفير كل العثرات والثغرات قبل أن ينحر بكل بساطة دونما قناعة كبيرة لدي أوسع فئات الشعب بأن ما توصل إليه من نتائج يمكن أن تشفي غليل قوم مظلومين. ولعل السبب يعود في معظم الأحيان إلي أن تركيبة لجنة التحقيق توشي منذ البداية أن من فيها ليسوا بتلك المكانة الأدبية والشخصية التي توحي بالثقة في النزاهة أو الجسارة أو كلتيهما. فليس من السهل أبدا أن تخلص عندنا لجنة تحقيق ما إلي أن المسؤولية يتحملها هذا الجهاز أو ذاك إن كان يتبع مباشرة قمة هرم السلطة التنفيذية أو أن فلان الفلاني هو المسؤول عن هذا الإهمال أو التقصير أو التواطؤ إن كان صاحبنا من المحميين والمرضي عنهم سواء من الرئيس أو الملك أو الأمير أو من عائلاتهم وأصهارهم وحوارييهم ومراكز النفوذ المتحلقة بهم جميعا أو ببعضهم فمبدأ أن القانون يعلو ولا يعلو عليه لا مكان له عموما في هذه الأوساط التي لا تراعي إلا الولاء وتشابك المصالح وتبادل المنافع. وحتي نعود إلي مصر التي منها بدأنا فقد أعلن مجلس الشعب أنه شكل لجنة تحقيق وقد توجه فعلا بعض نوابه إلي ميناء سفاجا لجمع بعض المعطيات الأولية. إنها فرصة ذهبية نادرة ليخرج من هذا المجلس ما لا يمكن أن يخرج من غيره وفي ذلك قد تكون شهادة غير مسبوقة لتحمل مسؤولية تمثيل الشعب وضميره حقيقة وليس زورا أو بهتانا.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية