العجز العربي في مواجهة العنف والوحشية

حجم الخط
1

عادة ما نجد على رأس النظام الحاكم زعيما يحيط نفسه بهالة من القداسة والغموض ولعلنا خلنا أن ثقافة الزعماء قد لفظها الربيع العربي بكل ما جاء به من ثورات بيد أن أحادية الرأي لا تزال تحتل موضعا أثيرا في الممارسة السياسية العربية بينما يتسلح النظام بخردة أمريكية وسوفييتية ويراهن على شعارات رنانة جوفاء يأسر بها أتباعه ومناصريه .
كلنا نعلم أن العرب يهرعون لما يسمى بجامعة الدول العربية عند نشوب أي صراع يهدد أمنهم القومي، ويعقدون قمما بصفة دورية يتباحث فيها قادة الدول حول المستجدات. لذلك فإن ثقافة الرأي الواحد التي ورثها الزعماء مع الحكم أبا عن جد تصطدم بحواجز الاختلاف فيما بينهم وتباين الرؤى والمصالح والتوجهات، فكم من مرة انتهت القمة بخلافات ومناوشات حادة بين هذا الزعيم وذاك مما يحول دون التوافق حول المصالح المشتركة إلى أن قال أحد الظرفاء معلقا على هذه المهازل ”اتفق العرب على ألا يتفقوا”.
وقد وعى المجتمع الدولي أن هذا الهيكل قد أفرغ من محتواه فهو لن يبادر وإن بادر فلن يقرر وإن قرر فلن ينفذ وإن نفذ فماذا تنتظرون غير بيانات الرفض والتنديد والاستنكار والشجب وصارت القوى الإقليمية تملي أوامرها مباشرة دونما حياء يقينا منها بضعف الأداء الديبلوماسي العربي الناجم عن اهتراء المنظومة السياسية فهل يستقيم الظل والعود أعوج؟
وعلى رأي بيت الشعر ”أسد علي وفي الحروب نعامة” فإن النظام الرسمي العربي عكس ضراوته في عرينه فإنه يبدو حملا وديعا أمام القوى العظمى حيث بات مشهد الزعماء وهم يحجون تارة نحو البيت الأبيض وطورا صوب الكرملين وغيره مألوفا عند الرأي العام العربي ولا سيما في صفوف نخبة المفكرين وأصحاب الضمير الذين التهبت قرائحهم وجفت أقلامهم في سبيل اصلاح النظام العربي لتدارك الهزيمة والخيبة وما غفل عنه هؤلاء هو أن ولاة الأمور يأبون الإصلاح ويأنفون من تغيير منظومتهم البائسة لتسيير الشؤون العربية التي أقاموها في إطار صفقة مع القوى الإمبريالية العالمية تضمن لهم السلطة والنفوذ والمال ولتذهب الأوطان للجحيم.
والأمثلة أكثر من أن تحصى في الحديث عن العجز العربي حيث أن احتلال العراق قد مثل قمة انهيار القدرات الإقليمية العربية وعرى ورقة التوت التي كانت تستر عورات أنظمة هنا وهناك سارعت إلى تجديد فروض الولاء والطاعة للعم سام وأعلنت التوبة النصوح عن المروق عن البيت الأمريكي عوض إعادة ترتيب البيت العربي وتوحيد المواقف، وتدخل الناتو في ليبيا يصب في بوتقة العجز نفسه ، وكذلك الملف السوري الشائك الذي برهن أيضا على فشل ذريع للأجهزة الديبلوماسية العربية العاجزة عن حل مشاكلها بمعزل عن المجتمع الدولي، فالأزمة السورية التي أريد لها أن تكون ثورة لم تكتف بتدمير بلد عربي جديد فحسب بل أطلقت رصاصة الرحمة على نظام عربي رسمي ودبلوماسية عربية فاشلة عاجزة عن العمل المشترك ومخيرة في المقابل العمالة والولاء لأجندة خارجية صادرة من هذا المعسكر أو ذاك.
والواقع يفترض المزيد من الهزائم والنكبات ما لم تعالج الأسباب الرئيسة المؤدية لذلك وهنا يبدو جليا أنه لا مناص من ثورة فكرية وثقافية تركز مفهوم الاختلاف وثقافة احترام الرأي المغاير في العقل العربي وإن لم تتحقق هذه الطفرة فإنه لا فائدة ترجى من تغيير الأنظمة ولعل دول الربيع العربي خير شاهد على ذلك .

محمّد غسّان القرقوري – تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية