العدالة والتنمية يخرج تركيا من العزلة الأتاتوركية إلي العثمانية الجديدة

حجم الخط
0

العدالة والتنمية يخرج تركيا من العزلة الأتاتوركية إلي العثمانية الجديدة

د. بشير موسي نافعالعدالة والتنمية يخرج تركيا من العزلة الأتاتوركية إلي العثمانية الجديدةكنت أجلس وسط عشرات من المدعوين في الحديقة الساحرة لقصر دلما بهجة الذي أمر ببنائه السلطان عبد المجيد علي حافة البوسفور في منتصف القرن التاسع عشر. عهد عبد المجيد هو بالطبع بداية حقبة التحديث العثماني، الحقبة المعروفة بالتنظيمات التي قادها رجال دولة عثمانيون متأوربون. ولأن العصر كان عصر التوجه نحو أوروبا فقد قرر السلطان التخلي عن طوبقابو سراي، المقر التقليدي لإدارة السلطنة طوال قرون، وبناء قصر أوروبي الطابع (علي طراز الباروك الفرنسي) كمقر جديد. وبالرغم من العبء الهائل الذي ألقته تكاليف بناء القصر الجديد علي الخزينة العثمانية، ومعمار القصر المختلف عن الطراز العثماني الذي رسم ملامحه سنان باشا في القرن السادس عشر، فإن القصر (وحديقته) يعتبر واحداً من معالم مدينة اسطنبول الحديثة. كانت المناسبة هي احتفال منظمة المؤتمر الإسلامي بتأسيس منتدي خاص للشباب، ولكن ما دفعني حقيقة للحضور كانت الرغبة في مشاهدة وسماع رئيس الوزراء التركي الطيب رجب أردوغان عن قرب. وعندما وقف زعيم حزب العدالة والتنمية لإلقاء كلمته لم يكن هناك شك ان الرجل يتمتع بكاريزما هائلة، وانه يملك قدرة بالغة علي إيصال ما يريد بلغة واضحة ومؤثرة.كانت البلاد تعيش جدلاً واسعاً حول قرار حكومة أردوغان إرسال الجيش التركي للمشاركة في القوة الدولية التي قرر مجلس الأمن نشرها في جنوب لبنان. ولأن هذه هي تركيا، بكل تاريخها المثقل بالتناقضات، فقد كان الجدل حاداً وصاخباً. وربما كانت تركيا هي الدولة الوحيدة التي رافق قرارها المشاركة في القوة الدولية مظاهرات وتجمعات شعبية معارضة، نددت بالحكومة ووجهت كل أصناف الاتهامات لرئيس الوزراء وسياسته. ولدت المعارضة من دائرتين رئيسيتين: الدائرة الإسلامية التي يقودها الزعيم التاريخي نجم الدين إربكان، والدائرة العلمانية. من وجهة نظر إربكان وحزبه، حزب السعادة، نظر إلي قرار أردوغان إرسال الجيش إلي لبنان باعتباره خضوعاً آخر للإرادة الأمريكية ومشاركة تركية مبطنة في المخطط الغربي لحماية الدولة العبرية والعمل علي تجريد حزب الله من سلاحه. أردوغان وأغلب رفاقه في العدالة والتنمية هم أعضاء سابقون في حزب اربكان، ولا يخلو موقف الأخير من حكومة أردوغان من مرارة الانشقاق والخروج علي الحزب الأم وقائده. ولكن موقف اربكان وجد صدي لا يمكن تجاهله في الشارع التركي الإسلامي، وكان من الواضح ان قطاعاً ملموساً من الأتراك يشك بالفعل في حقيقة الدوافع وراء المشاركة في القوة الدولية. وربما عزز من هذا الشك تسرب أنباء حول مطالبة حلف الناتو بأن تشارك الوحدات التركية في أفغانستان في القتال الدائر ضد قوات طالبان. كانت الوحدات التركية أرسلت لأفغانستان كقوة حفظ سلام، وليس كقوة مقاتلة، ولكن تصاعد نشاطات طالبان العسكرية وعجز قوات الناتو عن مواجهة صعود طالبان الحثيث، استدعيا مطالبة الأتراك المشاركة في القتال. والأرجح ان الحكومة التركية رفضت طلب الناتو؛ ولكن مجرد وجود مثل هذا المطلب ترك ظلالاً ثقيلة علي مستقبل الدور الذي قد تلعبه القوات التركية في لبنان.الاسلاميون الأتراك، وأغلب الشعب التركي، يرفضون رفضاً قاطعاً مشاركة جيشهم في حماية المصالح الغربية في أفغانستان أو غيرها. ويصبح الأمر أكثر حدة واستقطاباً عندما يتعلق بالدولة العبرية. أما الدوائر العلمانية، فتري قرار حكومة أردوغان من زاوية مختلفة تماماً. من وجهة النظر العلمانية تعتبر حكومة العدالة والتنمية حكومة إسلامية ـ إصولية مقنعة، بالرغم من ان أردوغان ورفاقه بذلوا كل جهد ممكن واستخدموا كل طريقة تعبير ممكنة لتوكيد عدم اسلاميتهم، بالمعني السياسي للإسلامية. وتري الدوائر العلمانية التركية، بخلافات بين قواها المتعددة، ان حكومة أردوغان تسعي إلي الانقلاب علي الميراث الأتاتوركي، وإلي إعادة تركيا بالتالي إلي العالم الإسلامي. هذه سياسة عثمانية رجعية، يقول هؤلاء، تدفع تركيا شيئاً فشيئاً إلي التورط في محيط إسلامي مضطرب وممزق ومتخلف، وهي سياسة لن تجر علي تركيا إلا الكوارث والأعباء، سياسة ستعزز من نفوذ القوي الأصولية في البلاد وتحرف تركيا عن طريق التقدم.من جهته، لم يخف أردوعان حنقه من الهجوم المستعر ضد حكومته وضد قرار يراه في صميم المصلحة الوطنية التركية ودور تركيا وموقعها في عالم القرن الحادي والعشرين. كعادته، أحياناً، في فقدان السيطرة علي ردود أفعاله، اتهم أردوغان خصومه، علي الأقل في مناسبة واحدة، بخيانة تركيا ومصالحها. لم تغير حقيقة ان المعارضة لقرار المشاركة في القوة الدولية جاءت من جهتين مختلفتين تماماً شيئاً في الموقف، وحتي اليوم الذي صوت فيه البرلمان التركي (حيث تتمتع الحكومة بأكثرية مريحة) لم يكن من المؤكد ان حكومة أردوغان ستنجح في تمرير قرارها. وهو ما يثير أسئلة كبري حول حقيقة دوافع أردوغان وحكومته، وحقيقة السياسة الخارجية التي يسعي إلي تكريسها.حكومة العدالة والتنمية ليست حكومة إسلامية، ولكنها حكومة يقودها سياسيون متدينون يحملون احتراماً عميقاً لميراث تركيا الإسلامي والعلماني. أية محاولة توصيف اخري، وأية محاولة لزج العدالة والتنمية في هذه الخانة أو تلك، هي مضيعة للوقت. تخلي أردوغان ورفاقه عن السياسة الإسلامية، وهم الذي نشأوا في أحضان حزب الرفاه الإسلامي، هو قرار نبع من تقدير لموازين القوي التركية الداخلية وأزمة الاستقطاب التاريخي بين التوجه الإسلامي المتنامي في البلاد والأسس العلمانية للجمهورية كما وضعها أتاتورك. ولكن سياسة حكومة العدالة والتنمية الخارجية هي نتاج معادلة أخري، معادلة موازين القوي العالمية، والعلاقات التاريخية بالولايات المتحدة، من جهة، والسعي التركي إلي الانضمام للوحدة الأوروبية، من جهة أخري. وربما يقول البعض ان السعي إلي أوروبا هو أيضاً ورقة قوة داخلية، ساعدت وتساعد أردوغان علي كبح جماح المؤسسة العسكرية ومنعها من التدخل في الشأن السياسي من جديد. مهما كان الأمر، فقد شهدت سياسة أردوغان الخارجية خلال السنوات القليلة الماضية متغيرات جوهرية، من الدور النشط في شمال العراق وانتقاد السياسة الأمريكية في الأنبار إلي ما يكاد يشبه الانسحاب الكامل من الساحة العراقية، ومن الاحتجاج علي السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين (ولفلسطين مكانة كبري لدي الشعب التركي)، إلي زيارة الدولة العبرية والاجتماع بأرييل شارون، ثم لعب دور المضيف لأول اتصال باكستاني ـ إسرائيلي علني.القرار بإرسال وحدات عسكرية تركية للمشاركة في القوة الدولية في جنوب لبنان ليس القرار الأول من نوعه؛ فالجيش التركي يشارك في قوة حفظ السلام الدولية في البلقان وأفغانستان. وهذه مناطق إسلامية، وجد الجيش التركي فيها ترحيباً ملموساً من السكان المسلمين. ولكن لبنان مختلف قليلاً. فلسبب أو لآخر، ثمة معني أعمق للتواجد التركي العسكري، حتي تحت راية الأمم المتحدة، في منطقة عربية. كما ان الانتشار الدولي في لبنان يرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود الدولة العبرية والصراع علي فلسطين. السياسة الموجهة لهذه الخطوة يمكن بالفعل وصفها بالسياسة العثمانية، سياسة يقودها رئيس وزراء لا يتوقف عن استدعاء ميراث المجد والتفاني العثماني. وحتي في توجهه إلي الشبان المسلمين في حديقة دلما بهجة لم يستطع أردوغان منع نفسه من الإشارة إلي أمثلة العمل والالتزام التي أسست لإمبراطورية القرون الستة، التي امتدت يوماً من وسط أوروبا إلي شمالي أفريقيا ومن شبه جزيرة القرم إلي القرن الإفريقي. ولكني لم أتمالك نفسي وأنا استمع لخطاب أردوغان في حديقة دلما بهجة من رؤية المشترك الرمزي بين سياسة العدالة والتنمية الخارجية والقصر البديع علي شاطئ البوسفور الغربي.هذا قصر عثماني بني لسلطان عثماني، ولا يزال يقف شاهداً علي ميراث السلطنة الإمبراطوري في قلب المدينة التي كانت حاضرة السلطنة ورمز اجتماعها. ولكنه قصر لم يستلهم المعمار العثماني، بل المعمار الأوروبي، بني في حقبة كانت السلطنة تلهث فيها لإعادة تقديم نفسها في صورة أوروبية حديثة. دلمة بهجة ليس السليمانية ولا مسجد السلطان أحمد، ولا يرقي إلي عظمتهما ولا أصالتهما بأي حال من الأحوال. دلمة بهجة هو في الحقيقة شاهد العثمانية الجديدة، عثمانية القرن التاسع عشر، عندما بدت السلطنة وشعوبها وكأنهما قد علقا في نهاية خيط رقيق من الاحتمالات. ولا تخرج سياسة أردوغان الخارجية من دائرة التناقضات ذاتها التي أقيم دلما بهجة علي أساسها. فمن ناحية، لا يمكن لسياسة تركية نشطة تجاه الجوارين الأوروبي والأسيوي (بما في ذلك الجوار العربي) إلا ان تكون سياسة عثمانية. بدون توجه عثماني، علي تركيا ان تركن إلي عزلة قاهرة لا تعكس طموحات الشعب ولا الحجم ولا الموقع ولا التاريخ. ولكن سياسة عثمانية أصيلة هي سياسة باهظة التكاليف، داخلياً وخارجياً. تركيا الداخل، مهما بلغت نسبة الأصوات التي حصل عليها العدالة والتنمية، هي تركيا منقسمة علي ذاتها، ستحتاج ربما لعقود طوال قبل ان تعيد بناء إجماعها الوطني. وفي الخارج، لا تجرؤ الطبقة السياسية التركية، مهما كانت حقيقة عواطف هذا القطاع من رجالاتها، علي مواجهة السياسات الغربية. فالارتباطات التركية بالمعسكر الأطلسي ليست وليدة الأمس، ولا هي بالارتباطات التي يسهل قطعها أو التخلي عنها. الحل إذن هو في سياسة عثمانية جديدة، سياسة تستجيب لمتطلبات الحلفاء الغربيين وتحمل الصبغة العثمانية في الآن نفسه.إن أحداً لا يمكن ان يغفل دوافع أردوغان في دفع الجيش التركي إلي مزيد من الاحتكاك بالشعوب الإسلامية التي طال انقطاعه عنها، ولا حتي في لعب دور نشط في الجوار الإسلامي. وكان من الملفت ان رئيس الوزراء قد تعهد للبرلمان بسحب الجيش من لبنان في حال تغيرت مهمة القوة الدولية من حفظ السلام إلي نزع سلاح حزب الله. ولكن أحداً، في المقابل، لا يمكن ان يغفل الرغبة الأورو ـ أمريكية في مساهمة تركيا في القوة الدولية؛ فأمام تزايد النزعة الغربية للتدخل في الشأن العالمي أصبح توفير الأعداد الضرورية لمهمات التدخل أمراً بالغ الصعوبة، في حين ان الجيش التركي يعتبر واحداً من أكبر جيوش حلف الناتو. من ناحية أخري، وفي ضوء الزيارة الأولي التي يقوم بها ملك سعودي للعاصمة التركية، قبل فترة قصيرة من اندلاع الحرب الإسرائيلية علي لبنان، يبدو واضحاً ان هناك رغبة عربية متزايدة لأن تقوم تركيا بدور المعادل الاستراتيجي لإيران. ثمة قلق عربي متفاقم من النفوذ الإيراني في العراق ولبنان وفلسطين، وما يواكب هذا النفوذ من تصاعد التوجه التسليحي الاستراتيجي في إيران، وتبدو تركيا طرفاً مناسباً لتعزيز معسكر من يرون إيران من زاوية الخطر والتهديد.سياسة أنقرة العدالة والتنمية سياسة عثمانية، نعم، ولكنها عثمانية جديدة؛ وقادة حكومة العدالــــة والتنمية عثمانيو الهوي، نعم، ولكنهم عثمانيون جدد. إلي أين ستنتهي هذه السياسة، وأي أثر ستتركه علي مستقبل تركيا؟ ليس ثمة من إجابة ممكنة في الوقت الحاضر.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية