بدأ التونسي محمد نجيب بوجناح مغامرته مع المسرح عام 1981 بنص يحمل عنوان «من الميت» وكان عبارة عن ديالوغ غير مسرحي لرؤية مسرحية غير تقليدية، تدور فيها الشخصيات حول فكرة، أو تصور غامض ومبهم عن شخص موجود لكنه جثة هامدة لا حراك فيها.
وإذا لجأ للتعمية والإبهام في هذا النص فقد اختار لشخصياته أن تكون واضحة، لكنه اختار في نصه التالي، وهو «الأمريكيون» شخصيات مبهمة تلعب دورها باستعمال الأقنعة، مقابل مضمون واضح ومباشر، وهو هجاء السياسة الإمبريالية لأمريكا. ويتابع بوجناح مع هذه الرؤية في عدة أعمال متتالية جمعها في كتابه «حالات مسرحية» وهو باقة من 10 مسرحيات، تتكون من مشاهد ولوحات، أو مواقف مسرحية، باستثناء نص نموذجي بعنوان «الأشياء الضائعة» حيث يدور فيه الحوار بين شخصيات طبيعية مشغولة بهموم الطبقة المتوسطة.
وفي كل نصوص كتابه يؤكد بوجناح على تجريم الغرب وأمريكا، في ما يخص الشأن الفلسطيني، مع إلحاح على عفوية المقاومة. وهكذا تبدو شخصياته وكأنها تتعامل مع همٍّ إنساني ووجودي ولذلك يقدمها دون اسم علم، ويختار لها اسم صفة مثل رجل، كهل، متسول، وهكذا.. ويمكنك القول إن محور هذه المسرحيات الناضجة والمتطورة: هو شرط الحرية. وقد حاول أن يقرأه من أكثر من جانب،
أولا التاريخي، وفيه بذل ما بوسعه ليتحرر من ألعاب الحداثة الغربية، دون أن يتخلى عن همّ التحديث، فأحيا عدة شخصيات من خزانة التراث الشرقي الشفوي مثل «ألف ليلة وليلة» بالإضافة لرموز النهضة العربية الثانية (وفي مقدمتهم العقاد وتوفيق الحكيم) أو شعراء العصر الذهبي كالمتنبي والأحنف وسواهما (كما فعل في مسرحية «غربة») وقد وظفها بأسلوب سريالي جردها من حمولتها البلاغية وأبقى على دورها الرائد في إعادة تركيب الموروث، وليس إعادة تعليله وتغليفه فقط.
ثانيا من الجانب الفني، ويبتعد فيه عن الحيل التي قدمها لنا المسرح الإغريقي (وبالتحديد الجوقة التي كانت مفضلة عند سعد الله ونوس) مع مزيد من الاهتمام بالحيل والتقنيات الحديثة (ومنها استعمال ديكور ميكانيكي يتحكم به الريموت كونترول والشرائح الإلكترونية وهو الحل المفضل عند مسرحي طليعي ومجدد هو صباح الأنباري) لكنه لا يضحي بلغة الدراما الكلاسيكية، ويلجأ لمونولوجات تشبه تعازيم الكهنة في معابد الشرق القديم، أو إلى حوارات طويلة تستند إلى تراث الأساطير الشرقية وبالأخص «ملحمة جلجامش» و»لآلئ إيلي ميلكو» المعروفة باسم التوراة الكنعانية، حتى أن مسرحية «عودة عشتروت» تبدو وكأنها إعادة إحياء للغة كهنوتية موجهة للرب وبقية آلهة العالم السفلي. وهذا يساعده على تشكيل رؤية مسرحية وليس بناء مسرح أخلاق وحوادث فقط.
ثالثا من الجانب الموضوعي، ويركز فيه على تعويم أزمة الهوية، ويحاول أن يكون المضمون إنسانيا وكونيا شاملا، لكن أيضا دون أي حيرة أو تردد. إما أن تكون الشخصية ضحية (وفي هذه الحالة يختار لضحاياه ملابس داكنة، أو وجوها مسودة – انظر مسرحية «رملة») أو أن تكون جلادا (جنرال على صدره أوسمة مصبوغة بالدم – كما في مسرحية «الأمريكيون»). ولا يغيب عن بوجناح في هذا المضمار أن يعزو للفتوحات الإمبريالية اتجاها اقتصاديا (مثل فتح حساب في مصرف أجنبي أو فتح حقيبة مزدحمة بأوراق البنكنوت).
رابعا وأخيرا، أزمة الخطاب، ويفرد فيه بندا خاصا لتحرير المرأة، ويعتقد أن الإلهة المعبودة هي اختراع شرقي لأن المرأة كانت في الشرق رمزا للطبيعة والأرض. وكانت تعمل في الحقول مع الرجل، دون أن تنسى وظيفتها في المخادع وهي إنجاب الأولاد (ويسميهم ثمار الحياة). بتعبير آخر هي امرأة عاملة في المكان الكلوستروفوبي وفي الفضاء المفتوح.
وبهذا المعنى تقول المرأة (التي تحمل اسم جنس دون اسم علم لمزيد من التعميم والإطلاق): إن الأرض لا يمكن أن تهملنا ما دمنا نحرثها بأيدينا، ثم تقول: كل أطفال العالم أطفالي.
ومن المؤكد أن بوجناح يكتب عن تمثيلات المرأة في ذهن تاريخي، ويضع بين يديها سلطة مطلقة على المبدأ المذكر، وليس على المعنى الاجتماعي للرجولة، ولذلك يتناوب بين أحضانها الابن والأب، وكلاهما يتنافسان عليه بسيناريو أوديبي مبسط، لكن يستمر حق الحضانة وتبادل المنفعة بين المرأة والابن (ولا تكون النساء هنا أمهات. ويتلخص دور المؤنث بالحضانة المادية والمعنوية لإغناء وجدان الابن والاهتمام براحته البدنية. ضمنا الغذاء والنوم في السرير). بالمقابل تكون علاقة الأب مؤقتة لعدة أسباب أهمها دوره العسكري أو شرط المغالبة. وكان خطاب بوجناح منذ البداية مهموما بمشكلة الموت، ويعتقد أنه عالم ذكوري بامتياز، ويسلطه على رأس الأب مثل رهاب مزمن بالخصاء. ويبدو له موت الذكور وكأنه حقيقة وحيدة على الأرض (يقول: الموت هو الحقيقة الكبرى) حتى أن النساء في مسرحية «عودة عشتروت» يحملن من النهر جثث رجال ماتوا في بيروت وإسطنبول وبيونس آيرس، وعلى هذا الأساس يعتقد بوجناح أن بمقدور الرجل وحده أن يموت، وأن يقتل أيضا، وكان في «عودة عشتروت» يشك بزوجته وبأبناء جنسه (الذكور على وجه الإطلاق). ويحدوه حلم واحد فقط: أن يقتل امرأته وأن يصلب أصدقاءه الرجال، وأن يبقى هو المخلوق الوحيد الحي على وجه الأرض، ويقول في هذا المعنى: إنه كلما سقط رجل تهشمت ضلوع امرأة. وهذا التعميم لرغبة القتل والتدمير والحرق، عند الرجل، لا يوازيه غير تعميم مشابه لحب الحياة عند المرأة (فهي تخاطب عشتار قائلة: تنبع مني الحياة).
وعموما أعتقد أن مفهوم الأب المتأله أو الطاغية في مسرح بوجناح قريب جدا من صورة البطريرك الضعيف في أعمال ماركيز. وليعرفنا به لا يبالغ بتصوير نقائصه وسقطاته، لكنه يكتفي بالإشارة لسيرته شبه المحرمة (والتعبير الأخير للصافي سعيد). وفي مسرحية «الأمريكيون» يسلط هذا الأب سيفه على عدة أعراق أو شعوب، لكن تبدو حربه عليهم مفضوحة. أما في مسرحية «حجر حجر .. الحرب هناك» يرجم الأبناء أباهم الطاغية دون أن يهابوا من بطشه.
وتدب الحماسة بمريم فتقول: ربما حققنا بعض النتائج هذه المرة.
فيرد عليها زوجها علي: بالحجر؟
تقول له: ولم لا؟
وكما هو واضح تقف المرأة في صف أبنائها الصغار، في حين يشك الأب في إمكانياتهم، وبكل تأكيد لا توجد عائلة أوديبية سعيدة، لكن إذا آمنت الأم برسالة أبنائها سوف تنعكس نبوءة سوفوكليس فيصيب العمى الأب، عوضا عن الابن الآثم، ويموت الأبناء في الشوارع أو يقوم الجلاد بوأدهم (إيداعهم في ظلمات السجون) وكأن بوجناح يحاول إعادة ترتيب أوراق النهضة: الماضي الأبوي يفشل بقراءة المستجدات، والحاضر يذهب في اتجاه عاجز ومحبط، ولا يبقى غير قلب الأم الطيبة بانتظار ولادة أبنائها مرة ثانية، وتحريرهم من الظلام.
صدرت المجموعة عام 2021 في تونس عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع بـ355 صفحة.
كاتب سوري