العدوان الإسرائيلي المتواصل يهدّد حياة صيادي الأسماك وعائلاتهم في بلدة الناقورة قرب الحدود جنوبي لبنان

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: فاقم تصاعد العدوان الإسرائيلي منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبرمن العام الماضي، من معاناة صيادي الأسماك في بلدة الناقورة قرب الحدود مع فلسطين المحتلة.
ودفع العدوان والقصف الإسرائيليّ المستمرّ والمتصاعد، أهالي عشرات البلدات الجنوبيّة الواقعة على خطّ المواجهة، ومنهم أبناء بلدة الناقورة التي سقط فيها ضحايا، إلى النزوح نحو مناطق ومدن أكثر أمنا، حيث تجاوز عدد النازحين ثمانين ألفًا، وفق تقرير المنظّمة الدوليّة للهجرة(IOM).
وإلى جانب الخوف والقلق الذي سيطر على الصيادين خوفا من عمليات القصف والاستهداف الإسرائيلي، فقد توقف ميناء الناقورة عن العمل كليا منذ أكثر من خمسة أشهر بسبب الاعتداءات التي طالت هذه البلدة والقرى الحدودية المجاورة، وجعلت وصول الصيادين إلى مراكبهم أمرا مستحيلا، وأفقدت أكثر من 100 عائلة مصدر رزقها الوحيد.
ويصرخ أحد الصيادين ممن هجروا من الناقورة إلى مدينة صور قائلا: «مراكبنا مازالت في الميناء وتتعرض للقصف والتدمير والغرق» متسائلا:»من يعوض علينا هذه الخسارة، فسعر مركب الصيد بلغ أكثر من أربعة آلاف دولار».
والناقورة بلدة لبنانية ساحلية تقع ضمن قضاء صور في محافظة جنوب لبنان، وتضم مركز القيادة لقوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل». وكانت البلدة كسائر قرى الشريط الحدودي خاضعة للاحتلال الإسرائيلي حتى تم تحريرها في أيار/مايو من العام 2000.
تبعد البلدة عن العاصمة بيروت 103 كلم، وبذلك تقع في أقصى الجنوب اللبناني على الحدود مع فلسطين المحتلة ويحدها شمالاً بلدة المنصوري ومن الشرق بلدتا علما الشعب وطير حرفا ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط.
وتشتهر بشاطئها الصخري الممتد في البحر ويسمى رأس الناقورة. وأقيمت على الجانب الإسرائيلي بعض المعالم السياحية لوجود الأنفاق المائية الطبيعية، ويعتبر الصيد بالإضافة إلى الزراعة من أهم المصادر الاقتصادية في البلدة. وفي الأيّام الطبيعيّة، تمخر نحو 45 مركبا عباب بحر الناقورة، عشرون منها لهواة الصيد، بينما ينطلق أصحاب المراكب الباقية وهم من الصيّادين، يوميّا لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم. يحمل كلّ قارب عادةً ما بين ثلاثة إلى خمسة صيّادين، يتوزّعون بين أصحاب العمل والمساعدين، ما يعني أنّ عدد العائلات التي تعتمد على الصيد لتأمين رزقها في الناقورة قد يصل إلى أكثر من 150 عائلة (حسب مصادر الصيّادين) جميعهم يعانون اليوم من ظروف معيشيّة خانقة.
وتعرضت بلدة الناقورة خلال الأشهر الخمسة الماضية إلى غارات وعمليات قصف عنيفة من الطائرات والمدفعية الإسرائيلية، ما أدى إلى تهجير سكانها، وترك مراكب الصيد التي يعتاشون منها وأيضا حقولهم وبساتينهم، ما فاقم من معاناة الصيادين الذين كانوا يعانون أيضا من حالات الفقر والاهمال.
في هذا السياق، يشدّد رئيس تعاونيّة الصيّادين في بلدة الناقورة رياض عطايا، على «أهمّيّة دعم الصيّادين ممّن يواجهون أوضاعا صعبة تمتدّ إلى ما قبل بداية الحرب جنوبا، إذ أنّ قطاع الصيد بات مُرهَقًا بالفعل، والثروة السمكيّة كانت في تراجع بالأساس».
ومنذ أكثر من خمسة أشهر، تكاد تكون حركة صيّادي الأسماك في بحر الناقورة المجاور لفلسطين المحتلة شبه معدومة، أيّ منذ بدء الحرب في غزّة وفي جنوبي لبنان. وقبلها، كان البحر يعجّ بالصيّادين يوميّا، لكنّه أضحى اليوم فارغا، حيث منع القصف الإسرائيليّ المتواصل غالبيّة الصيّادين من الخروج وخوض عباب البحر لكسب رزقهم من السمك، وتأمين قوت عيالهم. جزءٌ من الصيّادين اختار النزوح خوفا من تعرّض حياتهم للخطر أثناء الصيد، لكن جزءا آخر منهم صمد هناك، ويغامر ولو لساعة واحدة يوميًّا، عسى أن يحصل على القليل ممّا يحتاجه لإطعام عائلته، لكن في كلا الحالتين فإن أكثر من 150 عائلة تعاني اليوم من أزمة معيشيّة صعبة وحقيقية.
و يؤكد رضا البواب ـ نائب نقيب صيادي الأسماك في ساحل لبنان الجنوبي أن»حركة الصيد متوقفة هنا في الناقورة» مضيفًا: «صيادو الناقورة منذ أكثر من خمسة أشهر، أي بعد أيام قليلة من بدء الاعتداءات الإسرائيليّة جنوبًا، لم يخرجوا إلى البحر، فحياتهم باتت في خطر، ورزقهم توقّف بطبيعة الحال».
ويلفت إلى أنّه في ميناء الناقورة هناك 45 مركبًا معظم أصحابها يعتاشون من الصيد فقط فضلا عن عشرات الصيادين الذين يأتون من مدينة صور وبلدة الصرفند. ويوضح أنّه عادة ما يوجد على المركب الواحد أكثر من صيّاد ما يعني أنّ أكثر من مئة صيّاد متوقّفون عن العمل حاليًا بسبب تصاعد العدوان الإسرائيلي، «ولا يملك الصياد هنا أي مصدر رزق آخر». وبالتالي هناك أكثر من 100 عائلة فقدت مصدر رزقها الوحيد. «كان يخرج يوميًا من ميناء الناقورة 20 مركبا، اليوم بالكاد يخرج مركب أو اثنان، أصحابها يخاطرون بحياتهم طلبًا للرزق».
مخاوف الصيّادين تكمن في الوصول إلى البحر: «معظم الصيادين هنا يعيشون في قرى حدوديّة قريبة من الناقورة، 90٪ منهم يعملون ليلًا، وتنقّلهم في القرى الحدوديّة يعني التعرض لخطر شديد، ولاسيّما أنّ معظمهم يتنقّل بسيارات من نوع «رابيد» أو درّاجة ناريّة، فمن بقي في منزله في القرى القريبة من الناقورة لا يستطيع الوصول بسبب الطائرات المسيرة الإسرائيلية التي تغطي أجواء جنوب لبنان».
الصيّاد أحمد فايز سليم الذي اعتاد أن يذهب من بلدة الصرفند إلى الناقورة بهدف الصيد، وهو من عائلة تتوارث الصيد أبًا عن جد قال: «نحن ومنذ اليوم التالي لبدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بدأ يصعب علينا العمل، الطريق محفوفة بالمخاطر. بعد الاعتداءات الإسرائيلية طلب منّا الجيش اللبناني ألا نبتعد أكثر من 3 كيلومترات عن الشاطئ، وهذا يعني قلّة الرزق، فجنب الحدود هناك الرزق الأكبر، هذا طبعا إذا استطعنا الخروج، أنا مثلا لم أخرج للصيد منذ شهر تقريبًا».
ليس صيادو ميناء بلدة الناقورة وحدهم الذين يعانون حاليا بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وإن كانت معاناتهم أكبر، إذ أنّ التأثير طاول أيضا ميناء صور تماما كما طال صيادي بلدة الصرفند (يصطاد معظمهم في الناقورة). ففي حين توقّف العمل كليًا في مرفأ الناقورة، يعمل في ميناء صور400 صيّاد بقدرة تشغيليّة أقلّ قد تصل إلى النصف. صحيح أنّ وصول صيادي صور إلى الميناء آمن كون المدينة بعيدة نسبيًّا عن مرمى الاستهداف الإسرائيلي إلّا أنّ هذه الاعتداءات التي يُسمع صداها في صور، شلّت الحركة.
وكان يخرج سابقا من ميناء صور يوميًا أكثر من 200 مركب، أمّا حاليًا فالمراكب التي تخرج هي أقل بكثير نظرا لوجود الطائرات الإسرائيلية المسيرة بشكل دائم في الأجواء.
يقول أحد الصيادين في ميناء صور:»كنت أخرج من الرابعة صباحا حتى العاشرة وأبحر بعيدًا، أمّا اليوم فبتّ أخرج أقل ولا أبتعد… أعرف أنّ القذائف الإسرائيلية بعيدة، ولكنّني لا أشعر بالأمان، لذا أعود عندما يبدأ القصف على القرى الحدوديّة ».
ويضيف أنّ مشاهدة النيران المتصاعدة من بعض القرى تشعر الصياد بالخوف وهو وسط البحر، فضلا عن مُسيّرات الاستطلاع التي تحلّق في السماء طوال الوقت ما يزيد شعور عدم الطمأنينة. عدم الشعور بالأمان ليس السبب الوحيد الذي يؤثّر على صيادي صور، إذ إنّ تراجع الطلب على السمك هو العامل الأهم، فالمسامك والمطاعم لا تأخذ السمك وإن أخذته فبأسعار متدنّية.
ويقول صياد آخر: « عند بداية العدوان الإسرائيلي ،أقفلت المسامك كلّها في صور لمدة 15 يوما تقريبا، وبعدها عادت لتأخذ السمك بنصف القيمة أو أكثر بقليل بحجّة أنّها غير قادرة على تصريفه، ولا يوجد مزاد للبيع في صور إذ حالت السياسة والمصالح دون إكمال العمل على إنجازه، كما أن الاعتداءات الإسرائيليّة تسبّبت في تراجع حركة روّاد المدينة». ويشرح أنّ الحياة بالنسبة لأهل مدينة صور وجوارها شبه طبيعيّة و«لكن حركة الزوار من خارج المنطقة تراجعت، فحتى في نهاية العام والشهر الأوّل منه أي موسم الأعياد لم تكن حركة المطاعم والمسامك كما كانت في السابق، فالحركة من خارج المدينة شبه منعدمة، المغتربون والسياح لم يقصدوا صور، وبعض الفنادق مثلا مقفلة، والاعتداءات الإسرائيلية شلّت البلد فكيف بمدينة جنوبيّة». ويعبّر صيادون الأسماك عن قلقهم إزاء تصاعد العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، وعدم وجود بديل اقتصاديّ يعينهم على تأمين لقمة عيشهم، لذلك يعتبرون هذا العدوان المتصاعد من التحدّيات الحقيقيّة التي تهدّد حياتهم وحياة عائلاتهم التي تعلّق آمالها على رزقهم من البحر، لذلك يتجرعون الصبر ويبنون الآمال على حصول فرج قريب، ويعبرون عن أملهم بدعم الصيّادين الذين لا يملكون بديلايعيلهم في هذه الفترة الصعبة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية