العراقيون يشربون مياها ملوثة بالنفط والصرف الصحي

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: المياه في العراق «ملوثة بشكل كبير» حسب ما أكد «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» في تقرير أصدره الأربعاء، موضحا أن النفط ومياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية، ترمى جميعها في الأنهر.
وطبقاً لتقرير المرصد، فإن العراقيين يشربون منذ سنوات «مياها ملوثة بالنفط والصرف الصحي» مبيناً أن «جميع الحكومات (فشلت) في إيجاد معالجة لمشكلة تلوث المياه التي باتت مصدراً أساسياً لأمراض عدد كبير من العراقيين، رغم الموازنات المالية الانفجارية التي أقرها مجلس النواب العراقي على مدى عقدين ماضيين».
وأضاف: «ترتفع نسبة تلوث المياه في العراق كل عام، مع ازدياد النسمة السكانية وتراجع خدمة شبكات تصفية المياه وازدياد المخلفات النفطية والطبية التي ترمى في الأنهر بشكل مستمر».

سبب لمرض السرطان

ونقل، عن طبيب عراقي، لم يذكر اسمه خشية تعرضه لعقوبات وظيفية، يعمل في إحدى المستشفيات الحكومية قوله، إن «مياه نهري دجلة والفرات غير صالحة للشرب، وسبب رئيسي لمرض السرطان، خاصة في محافظة البصرة» في أقصى جنوب العراق،
وتابع: «أطلعت على عدد كبير من حالات مرضى السرطان، ووجدت أن المياه، سبب أساسي في ذلك. مياهنا ملوثة بنسبة كبيرة».
وتبدأ مشكلة تلوث المياه في العراق، وفقاً لخبير الاستراتيجيات والسياسات المائية، رمضان حمزة، من كون المياه الداخلة إلى البلاد من دولتي المنبع، تركيا وإيران «ملوّثة بالأساس».
وقال إن «المياه الواردة إلى العراق من هاتين الدولتين قليلة وتحمل مخرجات الصرف الصحي، وكذلك الأسمدة الكيميائية المستخدمة في مشاريع الزراعة والري في المدن التركية والإيرانية، وعندما تدخل العراق تكون غير صالحة للشرب».
وسبق أن تحدث مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، عيسى الفياض، للتلفزيون الرسمي، موضحاً أن «السبب الرئيسي وراء تلوث المياه، هو أن معظم مياه الصرف الصحي تصرف في الأنهر من دون معالجة. طاقة محطات الصرف الصحي في بغداد مصممة لثلاثة ملايين نسمة فقط، لكن هناك 8 ملايين نسمة في العاصمة الآن».
ويلاحظ المارة من مواطنين ومسؤولين حكوميين ورقابيين، ما يحدث لنهر دجلة في العاصمة بغداد، إذ تحول إلى «مكان لمكب نفايات مستشفيات ومراكز طبية بالإضافة إلى محطات طاقة ومصافٍ نفطية».
سجاد الأسدي (28 عاماً) يشتري مرةً في الأسبوع شاحنة مياه حوضية من معامل تنقية خاصة لملء خزان منزل العائلة. ويسكن هذا الشاب، في حي المهندسين في محافظة البصرة أقصى جنوبي العراق، ويتسع خزان منزله لطن من المياه يساوي ألف لتر، يشتريه بمبلغ يصل إلى 10 آلاف دينار عراقي (7دولارات تقريباً).
تستهلك عائلة الأسدي المكونة من خمسة أفراد في البصرة، طناً من المياه كل ستة أو سبعة أيام، فالمياه الواصلة إليهم من شبكات الإسالة ملوّثة منذ سنوات ويتسمّم آلاف الأشخاص كل عام من جراء شربها أو استخدامها في الطبخ.
ونتيجة لذلك، فإن السكان في البصرة لا يجرؤون على استخدام هذه المياه إلاّ للغسيل والسقي وغيرها من الاستخدامات غير البشرية، وعندما يريد الأسدي الاستحمام، فإن الخطوة الأولى التي يقوم بها «هي شمّ المياه وتذوقها قبل كل شيء».
وزاد: «أجدها أحياناً مالحة أو تنبعث منها رائحة كريهة، فأتركها» مشيراً إلى نتائج فحص مختبري لمياه إسالة أخذت من الحي السكني الذي يعيش فيه، قائلاً: «أطلعت عليها، وأثبتت نسبة تلوّث عالية. قبل أيام قليلة حصلت المئات من حالات التسمّم بفعل المياه الملوّثة وامتلأت المستشفيات بالمرضى».
في عام 2018، شهدت البصرة احتجاجات شعبية إثر حالات تسمم جماعي شاع على نطاق واسع حينها أن سببها المياه، نقل على إثرها 118 ألف شخص إلى المستشفيات المتهالكة في المدينة. ولا تزال مثل هذه الحالات تسجّل بشكل فردي أو جماعي، كما يخبرنا الأسدي.
قال حسن صباح وهو ناشط بارز في البصرة، إن «المشكلة تتركّز في مناطق وسط وجنوب وشرق المحافظة. لا تصلح مياه الإسالة في هذه الأحياء للاستخدام البشري أو الحيواني ولا للزراعة ولا حتى لغسيل الملابس».
وبين أن «الأمراض الناجمة عن تلوث المياه في البصرة متعددة وأكثرها شيوعاً هي الأمراض الجلدية».

«رائحة كريهة»

وفي العاصمة الاتحادية، يشق نهر دجلة بغداد، ويبدو تلوّثه واضحاً للعيان خاصةً عندما تقل مناسيبه. عند شارع أبي نواس، على ضفة النهر المقابلة للمنطقة «الخضراء» الحكومية، تُشمّ في بعض الليالي رائحة كريهة، والسبب هو تصريف مياه الصرف الصحي من منطقة الكرادة في النهر.
قال الناطق باسم وزارة الموارد المائية، علي راضي، في تصريحات صحافية إن «سبب تلوث المياه هو رمي المخلفات داخل الأنهر وعدم تصفية المياه العائدة إليها من قبل أمانة بغداد ودوائر البلدية بسبب تهالك محطات معالجة مياه المجاري».
في عام 2020، قالت جمعية حماة دجلة المعنية في البيئة (غير حكومية) إن «مدينة الطب (مجمع طبي حكومي) الواقعة على ضفاف دجلة وسط بغداد تسرّب مخلفات 1000 مريض يومياً إلى النهر».
وأضافت أن «من أبرز المواد المتسربة عن نشاط المستشفيات قرب النهر هي: (الفورمالدهايد، كيميائيات تحليل وإظهار الصور، المذيبات الميثانول والأسيتون، الزئبق، والهرمون الانثوي، الاستروجين) بالإضافة لكميات كبيرة من المضادات الحيوية والأدوية المستعملة لعلاج الأورام السرطانية».
هذه الأسباب يضاف إليها استخدام السموم والمبيدات الكيميائية لصيد الأسماك، جعلت مياه نهري دجلة والفرات «مستنقعاً لكل ما هو ضار» على حد وصف أحمد حمدان الجشعمي، وهو ناشط في الدفاع عن البيئة.
وأضاف: «هذه المشكلة تلقي بظلالها على سكان المدن المتاخمة للأنهار، بشكل أساسي. زادت الأمراض السرطانية والبلهارزيا والملاريا وجدري الماء والأمراض الجلدية والهضمية، ما أدى لأرقام وفيات قياسية خاصة».
ولم يعد العراقيون يعتمدون على مياه الإسالة للشرب، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال انتشار معامل التعبئة وتنقية المياه في عموم البلاد.
واللافت، أن هذه المعامل تعمل بشكل عشوائي ولا تخضع لرقابة حكومية يعتد بها دون أن يتطلب فتحها تخصص مهني للعاملين فيها أو لمؤسسيها.
ووفق فاضل محمد، الذي تدير عائلته معامل من هذا النوع في محافظة بابل، «لا تحتاج سوى إلى ماء إسالة ومواد تعقيم رخيصة، ومساحة تصرّف بها زوائد عملية التنقية».
وتحدث المرصد عن محاولته الاتصال مع وزارة الصحة للحصول على تعليق، لكن متحدثاً باسمها رفض الحديث، وقال إن «الموضوع يخص وزارة البيئة». ولم يتمكن من الحصول على تعليق من وزارة البيئة أيضاً.
من الناحية القانونية، يمكن للمتضررين إقامة دعاوى ضدّ الدوائر الحكومية التي يثبت تسببها بتلوّث المياه، وكذلك ضد محطات تنقية المياه التي لا تخضع لأي رقابة حكومية.

إمكانية إقامة دعاوى

قال الخبير القانوني، علي التميمي: «يمكن إقامة مثل هذه الدعاوى أمام محكمة البداءة وقولها الفصل في الموضوع إما بالحكم بالتعويض أو رد الدعوى». أما خبير السياسات والاستراتيجيات المائية، رمضان حمزة، فيقول إن «الخطوة الأولى تبدأ من تخصيص الحكومة ميزانية مالية لمعالجة المشكلة مع نشر الوعي البيئي» مشدداً على ضرورة أن «تتوقف المنشآت الصحية وغيرها عن تصريف المياه التي تستخدمها في عملها نحو الأنهر مباشرة والقيام بتدويرها ومعالجتها قبل ذلك».
ولابد أيضاً، كما قال، من تفعيل قانون تغريم الأشخاص والجهات التي تسهم في تلوث المياه، لأن ما تتكبده ميزانية الدولة من أموال تصرف لشراء أدوية تعالج الأمراض الناجمة عن هذه الظاهرة، كبير جداً.
أما أحمد حمدان الجشعمي، وهو ناشط في الدفاع عن البيئة، فيطالب بتطبيق لوائح قوانين البيئة وأن يفسح المجال أمام المتخصصين كي «تستعيد الأنهار سلامتها أسوة بدول العالم المتحضرة».
وقال إن «هذا ليس صعباً ومستحيلاً، وعلى الحكومة أن تبدي الجدية قبل فوات الأوان».
ودعا المرصد في بيانه إلى «إبداء جدية أكبر وبذل أقصى ما يمكن من الجهود لحل مشكلة تلوّث المياه في العراق، ويحثها على الاستماع للخبراء والمختصين في هذا المجال واتخاذ إجراءات وخطوات أكثر فاعلية توازي حجم الخطر الذي يتهدد الجميع وخاصة الفقراء والذين لا يمكنهم شراء المياه النقية المعبئة من محطات خاصة».
ولفت إلى أن «فئات المجتمع كافة معرّضة لهذا الخطر، إن لم يكن من المياه الملوّثة فمن المزروعات المسقية بها» مؤكداً ضرورة «إيجاد حل بديل لتصريف مياه الصرف الصحي في الأنهر وأن تتأكد السلطات دائماً من توافق آلية تخلّص المعامل والمصانع والمستشفيات من مخلّفات عملها».
في الموازاة، دعت السفيرة الأمريكية في العراق، إلينا رومانوسكي، للحفاظ على المياه في نهري دجلة والفرات.
وكتبت في «تدوينة» لها أمس، «نحتفل اليوم باليوم العالمي للمياه» مضيفة: «منذ آلاف السنين، غذى نهرا دجلة والفرات المجتمعات في المنطقة ومنحنا واحدة من أعظم حضارات العالم».
وحثّت «جميع المستفيدين من هذه المياه اتخاذ إجراء عاجل للحفاظ على مصادر المياه في هذه الأوقات الصعبة».
يأتي ذلك بعد يوم واحد من تصريح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، اردوغان خلال مؤتمر صحافي عقده في أنقرة مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أن ملف المياه «ليس صراعا بل تعاون يخدم الجانبين، ونعرف نقص المياه الذي يعاني منه العراق، لكننا أيضاً نواجه حالة جفاف بسبب التغير المناخي، ورغم ذلك قررنا زيادة كمية الإطلاقات المائية صوب نهر دجلة لمدة شهر».
كما تعهد رئيس الوزراء العراقي بتعزيز الخزين المائي وتقليل هدر المياه. وذكر في «تدوينة» له، إنه «في اليوم العالمي للمياه، نؤكد مساعينا لتنظيم استهلاك المياه واستخدامها بالشكل الصحيح لحماية هذا المورد الثمين، ونعمل على تأمين حصص العراق من حقّه في المياه عبر الحوارات وعقد الاتفاقيات، وما تحقق في زيارتنا إلى الجارة تركيا وإعلان زيادة تدفقّات مياه دجلة مثالٌ على نجاح توجهات الحكومة».
وأكد أن حكومته «ماضية في تنفيذ أولويات خططها بتعزيز خزين المياه وتقليل الهدر».
ويعاني العراق من أزمة شحّ المياه تهدد بموسم «جاف» على الأبواب، خصوصاً إن البلاد تعدّ من بين البلدان الخمّسة عالمياً، الأكثر تضرراً بالتغيّر المناخي، وفقاً لتقارير أممية.

«ملف سيادي»

في السياق ذاته، دعا رئيس تحالف «قوى الدولة الوطنية» عمار الحكيم، إلى التعامل مع ملف المياه «كملف سيادي».
وذكر في بيان صحافي أصدره في مناسبة اليوم العالمي للمياه، قائلاً: «مؤشرات الخطر في تصاعد مستمر فيما يخص الخزين المائي في العراق وفقاً لتقارير الجهات والشخصيات المختصة، مع استمرار السياسات التي تنتهجها دول المنبع، ما يتطلب المزيد من أساليب الضغط والتفاهم مع تلك الدول وبشكل عاجل».
وفيما دعا إلى «اعتماد هذا الملف كملف سيادي والتعامل معه بمقتضى ذلك» شدد على وجوب «اعتماد استراتيجية تحقيق الاكتفاء الذاتي للعراق من الموارد المائية المتاحة والمحافظة عليها وتطويرها واعتماد السياسات والآليات الحديثة التي تهدف إلى الترشيد».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية