العراقيون ينشغلون في إحصاء ضحايا انتفاضة أكتوبر

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”:مرت ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول/ديسمبر الحالي، بالتزامن مع أسوأ مراحل حقوق الإنسان في تاريخ العراق وسط انهيار شامل في أوضاع البلد وغياب حقوق أبناءه الأساسية، في ظل استمرار تظاهرات المحتجين المطالبين بالإصلاحات والخدمات والحرية المفقودة في البلاد.

وفي مثل هذا اليوم من عام 1948 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وهي وثيقة تاريخية أعلنت حقوقا غير قابلة للتصرف، يحق لكل شخص أن يتمتع بها في كل مكان وزمان من دون تفريق أو تمييز. وبدل أن يحتفل العراقيون بهذه الذكرى أسوة بشعوب الأرض المتحررة، فقد انشغلوا بإحصاء أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين والمفقودين من ضحايا انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر في شهرها الثالث، التي تطالب بإصلاحات جوهرية، جراء افتقاد البلاد للخدمات الأساسية وفرص العمل وهدر ثرواته من قبل مافيات الفساد السياسي التي تهيمن على السلطة.

وبالتزامن مع هذه المناسبة، أصدرت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي” تقريرها الثالث عن التظاهرات الشعبية الجارية في البلاد، الذي أشار إلى استمرار التظاهرات والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين، وسط غياب محاسبة المسؤولين عن الاعتقال والاحتجاز والاختطاف والقتل بحق المتظاهرين ونشطاء المجتمع المدنيين والتي أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 480 شخصا وإصابة أكثر من 20 ألفا بجروح، عدا آلاف المعتقلين.

وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت: “إن القتل المتعمد للمتظاهرين العزل على يد عناصر مسلحة ليس سوى عمل وحشي ضد شعب العراق” كما حثت الجيش العراقي “على ألا يدخر جهداً لحماية المتظاهرين السلميين من العنف الذي تقوم به عناصر مسلحة تعمل خارج سيطرة الدولة”.

وقد اثار الاستخدام المفرط للعنف ضد المتظاهرين وانتهاك حرية التعبير، استنكار ورفض المنظمات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، مثل العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، إضافة إلى مفوضية حقوق الإنسان في العراق التي أكدت إن استهداف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي “يرقى إلى مستوى الجرائم الإرهابية” محذرة من أن هذه المجازر تضع العراق تحت طائلة القانون الدولي، فيما قررت منظمة “اليونيسف” في العراق، إلغاء الاحتفال بيوم الطفل العالمي (20/11) بسبب “قتل وجرح الأطفال والمراهقين في العراق منذ بدء الاحتجاجات مطلع تشرين الأول/اكتوبر الماضي”.

وحتى رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، دعا السلطات إلى احترام التظاهر السلمي، مؤكداً أن التعبير عن الرأي حق مكفول بموجب الدستور. فيما أعلن المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى أن “الهيئات التحقيقية المكلفة بالنظر في قضايا التظاهرات أعلنت إطلاق 2626 موقوفاً من المتظاهرين السلميين لغاية يوم 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري مع استمرار وجود معتقلين آخرين للسبب نفسه، رغم أن التظاهر والتعبير عن الرأي حق دستوري.

وجاء طرد العراق من مجلس حقوق الإنسان في جنيف عندما خسر عضويته في المجلس التابع للأمم المتحدة، مع توقعات القانونيين والسياسيين، بوقوع العراق تحت طائلة الفصل السابع من قرارات مجلس الأمن الدولي، كنتيجة طبيعية لرفض المجتمع الدولي قتل المتظاهرين وقمع الاحتجاجات وتنفيذ الاعتقالات من دون أوامر قضائية.

وكانت الانتهاكات ضد حرية الإعلام والتعبير، واضحة خلال التظاهرات، حيث سجل “بيت الإعلام العراقي” ظاهرة فرار العشرات من الصحافيين من بغداد ومحافظات الجنوب خلال التظاهرات التي تشهدها البلاد “نتيجة حملة تضييق وملاحقة غير مسبوقة (قتل وخطف واعتقال) من قبل السلطات الرسمية وقوى مسلحة على وسائل الإعلام” مع إيقاف السلطات عدة قنوات فضائية وخدمة الإنترنت مرارا.

وليس بعيدا عن تداعيات التظاهرات، تجثم على المشهد العراقي الحالي، سلسلة من المآسي والصور التي تعبر عن انهيار شامل في أوضاع حقوق الإنسان ونقص الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، نتيجة للعملية السياسية الفاشلة والفاسدة منذ 2003.

ففي قطاع التعليم، الذي أصبح خارج مقاييس التعليم الدولية، شهد العام الدراسي الحالي، ارتباكا واضحا نتيجة احجام أغلب الطلبة والكثير من المدرسين عن الدوام لاشتراكهم في التظاهرات.

وعن الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية، تشير الإحصائيات الرسمية إلى أوضاع كارثية. وحسب وزارة التخطيط، فإن نسبة الفقر المعتمدة محلياً، وفي البنك الدولي، هي 22.5 في المئة، أي أن نحو ربع العراقيين فقراء. بينما أعلنت لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، عن تجاوز نسبة البطالة والعاطلين عن العمل أكثر من 42 في المئة في عموم محافظات البلاد، بما يتركه ذلك من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية كبيرة على المجتمع.

وفي الوقت الذي برزت مشاكل اجتماعية جديدة مثل الإتجار بالبشر وتفشي واسع للمخدرات الآتية من إيران، وتزايد حالات الطلاق بنسب غير مسبوقة، فقد صنف مؤشر الجريمة العالمي “نامبيو” لعام 2019 “العراق في قائمة أخطر دول العالم في جرائم قتل وتعذيب واغتصاب الأطفال والقتل العمد والسرقة إضافة إلى الجرائم الأسرية والانتحار”.

أما أزمة النازحين عن محافظاتهم، وبقاء أكثر من مليون نازح في المخيمات عاجزين عن العودة إلى مناطقهم الأصلية، لأسباب سياسية وأمنية وخدمية (كونها مناطق مدمرة) مثل جرف الصخر ومناطق في صلاح الدين والموصل وديالى، فإنها صورة واضحة للظلم الذي يستبيح حقوق الإنسان.

والمؤكد ان خروج العراقيين في تظاهرات مليونية منذ ثلاثة أشهر تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد والتبعية، مع ما تطلبه ذلك من تقديم تضحيات غالية وإصابة الحياة العامة بالشلل، لم يكن بلا مبرر، بل هي تعكس رفض العراقيين لاستمرار هدر حقوقهم الإنسانية الأساسية وحرياتهم وكرامتهم التي انتهكتها الأحزاب السياسية الفاسدة، في بلد يعج بموارد اقتصادية وطبيعية وبشرية هائلة يفترض ان يكون للإنسان فيه، حياة كريمة تتوفر فيها الاحتياجات الأساسية من خدمات وحقوق وحرية وكرامة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية