عمان- “القدس العربي”: لا يوجد رابط مباشر يمكن الاستناد إليه لتحليل أعمق، بين الدعوات التي صدرت الأسبوع الماضي في برلمان العراق لكي يمتد أنبوب النفط الناقل إلى شواطئ البحر الأحمر المصرية بعد العقبة الأردنية، وبين القمة الثلاثية المباغتة التي عقدت مساء الأحد في القاهرة على مستوى الزعماء.
عملياً، قد يكون اللقاء الأول من نوعه بين صديق وحليف الأردن رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحضور الملك عبد الله الثاني، لا بل بترتيب مباشر منه شخصياً.
بكل حال، تهتم الرافعة الأردنية بتنمية علاقاتها بوضوح شديد مع عبد المهدي لتقويته داخلياً وإقليمياً، بالرغم من أن طاقمه الوزاري لم يكتمل بعدما علقت مناصب سيادية في سياق التجاذب الطائفي.
العلاقة تتطور بشكل كبير بين الأردن ورئيس الوزراء العراقي الجديد، وكذلك بين الأخير والخبير الاقتصادي الأردني البارز الذي يتولى سفارة بلاده في بغداد الدكتور منتصر العقلة الذي يعمل بدوره بصمت شديد.
بكل حال، يبدو المشهد أن الأردن، وهو يحاول إزالة أي عقبات أمام استراتيجيته في التفعيل التجاري والاقتصادي شرقاً باتجاه العراق، يبدو مستعداً لبناء علاقة متميزة بين حكومة العراق الجديدة والنظام المصري.
لا يمكن معرفة خلفية النوايا الأردنية بنسختها السياسية هنا عبر التشبيك بين حكومة عراقية تتطلع لعلاقات جوار فعالة في الإقليم وبين الزعيم المصري، الذي ينقل عنه سفيره في عمان عتبه الشديد على الأردن بسبب عدم حضور الملك عبد الله الثاني لقمة شرم الشيخ الأخيرة.
ويزور عاهل الأردن القاهرة بعد أسابيع وأشهر من الغياب عنها. لكنه يصطحب بمعيته هذه المرة رئيس وزراء العراق الذي يحاول بدوره الصمود وسط تجاذبات الداخل بعدما شبك يديه ثلاث مرات على الأقل في الأشهر الثلاثة الماضية، بيدي نظيره الأردني الدكتور عمر الرزاز، ووقع معه 15 اتفاقية للتعاون دفعة واحدة.
تلك ورقة يمكن أن يستفيد منها السيسي ويعرضها الأردن بطريقة توحي بأن تشبيك العلاقات بين المملكة الهاشمية والعراق الجديد ومصر ممكن بدون الاحتياج لعباءة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، رغم أن سفير الأخير في عمان الأمير خالد بن فيصل بالغ مؤخراً وهو يتحدث عن وحدة المصير بين الشعبين السعودي والأردني.
ولاحظ وزراء أردنيون، بأن السعودية أرسلت مؤخراً فقط وديعة مالية تمثل حصتها لدعم احتياطات البنك المركزي الأردني، وهي الحصة المقررة في اتفاق مكة الذي لم تلتزم به الرياض.
رغم ذلك، يحاول الأردني التشبيك بين العراقي والمصري ولكن على أساس مصالح اقتصادية هذه المرة وبعد سلسلة تقارير عميقة وناصحة أوصى بها السفير الأردني النشط في بغداد.
بدا لافتاً في ترتيبات مشهد قمة القاهرة الثلاثية مسألتان. الأولى أن مركز القرار الأردني وجه وزير الخارجية أيمن الصفدي، ومدير المخابرات عدنان الجندي، وأرسلهما إلى القاهرة برفقة نظيريهما العراقيين لاجتماع بطاقم مصري مماثل ترتيباً لقمة الأحد الثلاثية.
الرسالة الأردنية على الأقل هنا واضحة وتقول بأن النظام الأمني في الدول الثلاث أصبح معنياً بإنجاح الخطة الاقتصادية التي تفرضها وقائع الإقليم.
عملياً، لا يتجه الأردن لهذه البوصلة بدون رسائل سياسية أعمق في بطن المشهد قد تكشف عنها الأيام القليلة المقبلة.
والمسألة الأخرى تتضح معالمها عبر التأشير فعلياً على أن مصر والأردن يستطيعان التحرك باتجاه العراق بدون المظلة السعودية ووجود الشريك الإماراتي، وفي إطار يسبق زمنياً وبوضوح قمة تونس العربية والانتخابات الإسرائيلية وصفقة القرن.
وسبق-وهذا الأهم-ما يعتبره المفكر السياسي عدنان تابو عودة مؤشرات حيوية على إحياء وتنشيط مشروع السلام الاقتصادي في المنطقة، حيث سكة حديد إقليمية تصل بين ميناء حيفا والبصرة وتمر بشرق الأردن. وحيث ميناء بري في منطقة الأغوار، وأفكار عن مطارات لشحن البضائع بتمويل ياباني.
بكل حال، التحرك ديناميكياً من الأردن باتجاه العراق لا يقف عند حدود تأهيل الرئيس عادل عبد المهدي نحو قفزات أكبر بين دول الجوار لتعزيز وضعه الداخلي.
لكنه يحاور ويناور في إظهار عدم وجود رفض أردني لأية مشاريع تحاول إعاقة مشروع أنبوب النفط الناقل بين البلدين عبر اقتراح توسيعه وتمديده عبر البحر الأحمر إلى ما بعد العقبة وباتجاه الأراضي المصرية.
يؤسس الأردنيون هنا بوضوح لاستراتيجية شراكة تجارية ثلاثية لها علاقة بالغاز والنفط والتبادل التجاري وقطاع الشحن والنقل البري والبحري، لكن بغطاء أمني وسياسي ومرجعي هذه المرة أهم ما فيه، باختصار شديد، أنه يتجاوز البرود بين القاهرة وعمان بعد تعيين وزراء في الأردن ناقدين بشدة لنظام السيسي.
ويتجاوز البرود الذي حصل مع مصر بعد عدم حضور ملك الأردن لقمة شرم الشيخ الإسلامية.
ويمكن القول بأن أهم ما في رسالة القمة الثلاثية هي إظهار نظام السيسي لمرونة عندما يتعلق الأمر بالعمل على مصالح مصر الاقتصادية بدون حضور ولي النعمة السعودي.