العراقي عبد الهادي سعدون: ما تزال فكرة «الأندلس المفقود» مسيطرة وتخلق تساؤلاتها العقيمة

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: برز الكاتب والمترجم عبد الهادي سعدون منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي كشاعر وقاص تفرَّد بأسلوب خاص له بصمته الواضحة. غير أن انتقاله لإسبانيا وتشكيله مع الكاتب محسن الرملي ثنائياً أدارا دار ألواح في مدريد وأصدر من خلال مجلة ألواح التي اشتهرت في تسعينيات القرن الماضي وكانت ملاذاَ للكتاب العراقيين في أيام الحصار الاقتصادي، فضلاً عن إصدارهم لمئات الكتب الثقافية العراقية والعربية بتمويل ذلك وبمجهود فردي.
سعدون أصدر خلال السنوات الماضي عدداً من المجموعات القصصية والشعرية، منها: اليوم يرتدي بدلة ملطخة بالأحمر، تأطير الضحك، ليس سوى ريح، انتحالات عائلة، عصفور الفم، فضلاً عن رواية وحيدة في العام 2012 بعنوان «مذكرات كلب عراقي». غير أنَّ تعلمه اللغة الإسبانية وحياته في مدريد أضاف له الكثير، فترجم العديد من الأعمال الإسبانية إلى اللغة العربية، منها مجموعات قصصية من أميركا اللاتينية، وأعمال للويس رفائيل، روفائل ألبرتي، بيثنته أليكساندره، خوان رامون خمينث، بيلا ماتاس، أنطونيو ماتشادو، خوليا بييّرا، لويس مونيوث وغيرها الكثير.
عن الأدب المكتوب باللغة الإسبانية وأثر التاريخ والحضارة الإسلامية في هذه الأعمال، كان لنا معه هذا الحوار:

* بعد اشتغالك وترجماتك من الأدب الإسباني، إلى أي مدى يمكن قراءة العلائق التاريخية فيه؟ وما الترسبات التي يمكن أن نقرأها في متن الحضارة اﻷندلسية؟
– ذكرت في أكثر من مناسبة أن فكرة (الأندلس المفقود) ليست إلا بدعة قد خلقتها ذهنيتنا العربية النقدية ولأعوام طويلة، للأسف ما تزال مسيطرة وتخلق تساؤلاتها العقيمة. ولا بد من كشفها والحديث عنها بشكل وبآخر، فالآداب الإسبانية تتخذ من الموضوعة تساؤلاً وتعمقاً فيها كونها جزء من حقيقة تاريخية، مرتبطة بشخصية وتكوين الإسباني عموماً والمثقف على وجه الخصوص. هم لا ينظرون للمسألة وكأنها واقعة مؤثرة، بل بكونها واقعة مؤثرة مثلها مثل غيرها من العلائق والمواضيع والمسببات، عليه يدركون فرادتها وتميزها في نسيج الشخصية والأمة الإسبانية ويتناولونها على هذا الأساس مثل تناولهم للحضارات الرومانية والبيزنطية أو للديانات الإسلامية واليهودية والمسيحية وغيرها من تلك التي تركت آثارها في الرقعة المكتظة لما تسمى اليوم بإسبانيا أو شبه الجزيرة الإيبيرية. في هذا وغيره من المسببات والمتعلقات التاريخية والحياتية اليوم ما يجعل الأديب منهم من يتناولها بشكل عميق ومحايد، أو آخر يتناولها بشكل عاطفي ومغرض، وفي كلا الحالتين هناك سبب وغاية وحتمية معينة.
أما نحن كعرب وكجزء من حضارة إسلامية تركت آثاراً واضحة في إسبانيا لأكثر من ثماني قرون علينا إدراك أهمية هذه الأرض والثقافة الإسبانية ولكن علينا أن نتعامل معها كوحدة معاصرة و ألا ننظر لها كجزء من موروثنا الأندلسي، لأنه من غير الواقعي أن ننظر لدولة وأدب حديث وكأنه جزء من أدب وحضارة مرت عبر أراضيها، وإلا فعلينا التفكير بكل أرث الحضارات الأخرى التي مرت على مناطقنا العربية ونناقشها وفق النظرة نفسها. غير ذلك وبحكم الترجمات المتعددة التي نظرنا بها وشاركنا بها، نرى أن الإسبان قد كتبوا وتناولوا الموضوعة الأندلسية بكل جوانبها المعروفة والمخفية بشكل يفوق تعاملنا وتناولنا لها في آدابنا ونقدنا العربي. الرواية عموماً تناولته بشكل موسع سواء في نمط الروايات التاريخية لتلك الفترة، عبر شخصية متفردة أو حدث متميز، أو حتى في الروايات المعاصرة التي تنبني على حدث تاريخي أو واقعة صغيرة كحجر ارتكاز لسرد معاصر، والنماذج والأسماء عديدة في هذا المجال ولعل اسم الروائي المعروف خوان غويتسولو من أكثر الكتاب تناولاً لتلك الفترة وفق نظرة وسرد حداثوي ورؤية مغايرة جديرة بالقراءة والتمعن، تكاد تختلف عن نماذج مجايليه والأسماء التي تبعته، ولذكر أعمال روائية له مثل مطالبات الكونت خوليان أو فضائل الطائر المتوحد خير نموذج للتناول الواقعي المحايد. أما في الشعر فالأسماء كثيرة، لعل ذكر أسم لوركا دليلاً كافياً على ذلك. وفي النقد والتحليل التاريخي لا بد من قراءة ونقل كل أعمال أميركو كاسترو عن العرب والإسلام في إسبانيا. هذه عينة بسيطة والقائمة طويلة جداً. قبل أن أنتهي من الإجابة عن هذا السؤال بودي التذكير أيضاً بآداب العرب في إسبانيا وما تركوه من مؤثرات وكتب ونصوص عديدة ساهمت بتطور الآداب الإسبانية عبر العصور بدءاً من نماذج قصائد الخرجات التي تعتبر كأول نموذج أدبي مكتوب بالإسبانية القديمة ومروراً بآداب المسلمين المتأخرين لما يعرف بالآداب الألخيميادية (المكتوبة باللغة الإسبانية وبحروف عربية) والتي لم نلتفت لها كثيراً ولم نعرف بها إلا لماماً وفيها الحكايات والأساطير والأشعار والرحلات وما إلى ذلك وهي جديرة بالتعريف والقراءة والترجمة للعربية، وهو ما فعلته شخصياً بنقل كتاب (ابتهالات الحاج) عن آخر الرحلات الموريسيكية إلى مكة، وهو نص يتداخل فيه الأدب والدين والرحلة في تمازج وتباين عن آداب أخرى في نفس الفترة.

* في ترجماتك العديدة.. كيف يمكن نقل الثقافة الإسبانية الى العربية وبالعكس؟ وهل يمكن أن تتحكم في النص المترجم بحيث يوافق الثقافة المنقول إليها حتى لو اضطررت للتغير في النص الأصلي؟
– الترجمة عملية شاقة، متعبة ولكنها مغرية بنفس الوقت وضرورية، عليه فإن أية محاولة في ذلك هي جديرة بالتقدير والمتابعة والمعاينة الجادة، فالشعوب والثقافات تطورت وتتطور اليوم بفضل التواصل والتقابل الثقافي، والترجمة واحدة من أهم الأدوات قبل قرون مثلما عليه اليوم. أقول هذا لأؤكد تواطؤ المترجم في العملية كاملة وفي تدخله الكلي في النصوص المنقولة من قبله من لغة معينة إلى لغته الأم. وهذا التواطؤ والمشاركة الحميمة مثلما لها دوافعها في نقل نمط معين دون غيره، له تدخله المباشر في صيغة النقل وطرقها الممكنة. المترجم- على الأقل في حالتي- أعتبره شريك في عملية إعادة الكتابة للنص المنقول، وهو ما يجعلني مشاركاً دقيقاً في التغيير والمقابلة و في حرفية إيجاد بدائل عن المعضلات التي تتقابل وإياها في كل نص مترجم. لست مع الترجمة الحرفية الجامدة ولا أعتقد أن مترجماً واعياً يقبل بها، بل أنا مع النص المترجم الحي والذي تبحث له عن صيغ بديلة ولغة خاصة وكيان يضمه في بدلة جديدة عليه هي اللغة المنقول لها. عليه أذكر أيضاً بأن المترجم مسؤول عن إيجاد بدائل وحلول للنص المترجم ولا أقول إن عليه إنشاء نص آخر بعيد عن النص الأصلي. الترجمة الحقيقية الوافية بالنسبة لي هي تلك التي تستفيد من كل الإمكانيات المتاحة كي لا تخل بروحية النص وخصوصيته السرية المكتوبة بلغته الأصل.

* لنتحدث عن أدب عبد الهادي سعدون.. اشتغلت في الشعر والقصة والرواية.. كيف يمكن لكاتب ما أن يبدع في أكثر من جنس أدبي؟ ولماذا يهتم بجنس دون آخر؟
– الحقيقة هي أنني كثيراً ما تساءلت شخصياً عن أسباب ذلك، ولم أجد جواباً مقنعاً بالمرة، ولعل الجواب الوافي والحقيقي لكل ذلك هو في صيغة تساؤل أطرحه ولا أجيب عليه وهو (ولم لا؟).. هل هناك مانع معين لعدم الخوض بكل الأجناس الأدبية أم هناك حدود تحد من ذلك أو مسببات تحول دون ذلك. أنا لا أعرفها ولا أجد لها مكاناً عندي حتى الآن. لو أقررنا بذلك، فإذا كيف نقرأ اليوم كتب العرب القدامى وكل واحد منهم كتب في أجناس وأصناف أدبية وفنية وعلمية مختلفة، وكلها جائزة وتروق لنا قراءتها، كما أننا لا ننظر لها بكونها خارجة عن حد معين. لا أدعي أنني أسير في هذا النهج، فالواقع أنني لم أخطط لذلك في حياتي ولم أسع لذلك بقصدية، كل ما في الأمر أنني أجد نفسي معرضة للخوض في أجناس أدبية وفنية مختلفة، وأرى نفسي فيها وإجادتي لها وإن كانت بدرجات متفاوتة وهذا متروك للقارئ والناقد. أصدقك القول إنني عندما بدأت الكتابة في سن مبكرة كنت أجرب كتابة الشعر والقصة في آن واحد، كما كنت أعشق النقد الأدبي والدراسات خاصة في السينما والفنون، كما واكبت كل تلك المحاولات الترجمات الأولى التي قمت بها ما أن أدركت قدرتي على ذلك. هناك من يستوعب منا كل تلك الميزات ويضعها في جنس أدبي واحد، وهناك من يحاول التجريب في أنماط مختلفة وأنا واحد منهم. الشعر بدأته ولم أتركه يوماً واحداً وإن كنت مقلاً فيه، على الأقل نشراً، والرواية جربتها منذ سنين التعلق الأدبي الأولى وقد كتبت وجربت فيها الكثير خاصة في العشر سنين الأخيرة وإن لم أنشر إلا روايتين واحدة منهما للأطفال، والأخرى (مذكرات كلب عراقي) التي حظيت بالنقد والتقريض الكثير. أما القصة فهي معشوقتي الأولى والأخيرة، أهيم بهذا الجنس الأدبي وأتحيز له بشدة وقد كتبت ونشرت فيه الكثير وما يزال بحوزتي كتباً ومشاريع أخرى.إذا هل من الإنصاف أن أقول إنني متحيز للقصة التي أكتب وأركن جانباً كل ما أكتبه شعراً ورواية ودراسات؟ من العدل القول إنني أجد نفسي في كل ما كتبت، حتى تلك النصوص الأولى السيئة الكتابة، وأنني مجموع ما أكتب وما أعيش وأجرب، ولعل من الضروري القول إنني كاتب أستمتع بكتابة النص المجدي دون النظر لجنسه وفنه الأدبيين، ولعل هذه الميزة هي ما تجعلني أسير بالكتابة في كل الأجناس دون موانع معينة أو تحذيرات ممكنة.

* ما التغيرات التي طرأت على كتاباتك بعد الانتقال لإسبانيا وكتابتك بلغتهم؟
– التغيرات طرأت أصلاً حتى في كتاباتي الأولى باللغة العربية وأنا في إسبانيا وليس فقط الكتابات باللغة الإسبانية. التغير تكتشفه عندما تعاود النظر بنصوصك الأولى التي كتبتها في العراق عن تلك التي كتبتها بعد مرور سنين على إقامتك في إسبانيا. ولا أعني المكان والمجتمع المختلفين عن العراق فقط، بل أقصد التناول واللغة وطريقة الكتابة نفسها وكيفية النظر للكتابة والنص عموماً. غير ذلك لعلي نموذج هجين من العراق وإسبانيا، من العربية والإسبانية، مني (هناك) ومني (هنا)، ولكنها كلها تتقابل وتتنافر في داخلي عبر شخصيتي وعبر كتاباتي، وكل من يعرفني يدرك تلك السمة والوقائع ربما أكثر مني، ولا أعتقد أنني الوحيد بذلك، فأغلبية الكتاب المهاجرين والمستوطنين في بلدان ولغات أخرى يشتركون بذلك وإن بدرجات متفاوتة خاصة أولئك الذين وجدوا لهم مكاناً ثابتاً عن قناعة ودراية في بلد توطنهم الجديد مثلي. حقيقة أخرى وهي أنني أكتب النص بالعربية بنظرة أخرى ووسائل لا أجدني ألجأ لها وأنا أكتب النص بالإسبانية وهذا لغز لا أفهمه أنا نفسي، ولعل لكل لغة حاضنتها السردية والكتابية المختلفة كما عليه قدرتها اللغوية عن أخرى حتى وإن جاءت في نص الكاتب نفسه الذي يكتب بهاتين اللغتين.
صدقني لا أنشغل باللغة أيهما أنجع من الأخرى أو أيهما الأنسب لهذا النص عن غيره، بقدر انشغالي بكيفية طرح الموضوع في نصي المكتوب ومدى تمكني من السيطرة عليه والتوسع والخوض فيه. ومع ذلك لا بد من الإقرار بأن التمكن من لغة أخرى تتيح للواحد منا آفاقاً جديدة بعد ضيق الأفق الواحد في لغة وحيدة، سواء من خلال القراءة والتوسع ومعرفة الآخر كيف يكتب وعما يكتب وكيف يكتب وهذه بحد ذاته ميزة كبيرة لا سيما وأنك تعيش بينهم وتتناول ما يتناولونه وتراقب ما يراقبونه وتشاركهم المجتمع والهواء والمتغيرات التي تطرأ عليهم مثلك مثلهم كجزء من هذا المجتمع وهذه الثقافة وهذه اللغة. وبعد ذلك تستطيع مثله أن تكتب بلغته عن أفكار وعوالم ومجتمعات أخرى أنت أيضاً جزء مهم فيها قبل ذلك بسنين مثلما عليه اليوم.
أدرك رغم أنني أكتب أحياناً بالإسبانية، أن الواحد منا يولد مع لغته الأم ويكتب بها ويفكر بها حتى لو لجأ للغة أخرى، ولعلي أقع في هذا المتن من البشر. لا أدعي التميز ولا أخضع نصي لضرورة كتابته بلغة دون أخرى، بل أترك للنص فرصة تواجده بهذه اللغة أو بتلك وإن كنت متحيزاً للأصل واجد الإسبانية أداة إعانة بين حين وآخر، والكثير من المرات أفضل الكتابة بالعربية على أن أصيغها في مناسبة أخرى بالإسبانية ما أن تتاح لها فرصة النشر بالإسبانية، وهذا ما يجعلني شريكاً بكتابة نصين مختلفين ومتجاورين بآن واحد عن الأصل نفسه… السؤال في النهاية وهو ما لا أجد له إجابة مقنعة، هي كيف يمكن التوفيق بالنوم في فراش واحد مع كائنين، الحلم والتفكير والكتابة معهما وبهما دون أن تعزل أحدهما عن الآخر أو تستجيب لأحدهما دون الآخر. الكتابة بلغة أخرى يمثل النظر للنفس من خلال مرآة لصيقة بك، أنت هو نفسك وإن جئت عبر وسيلة أخرى.

* إلى أي مدى تمكنت من المحافظة على موروثاتك العراقية في ظل الحياة الجديدة.. وكيف نقلتها للمجتمع الإسباني؟
– لا يمكن فصل الواحد منا عن ذاته ومجتمعه بسهولة حتى لو نقلته وأجبرته على ذلك، فإن له ركيزة أساسية في تكوينه الأول من الصعب مفارقتها وإغماض العينين عنها. كل ما عشته وتعلمته وتداخل فيك وفي تكوين شخصيتك ورؤيتك عن العالم يلحق بك حتى لو مضيت إلى كوكب آخر، وهو ما أشعر به وبالتأكيد يشعر به أغلب من هم بمثل ظرفي وواقعي. الواحد منا يحمل موروثه معه كحمل ذراعين وقلب ورأس، لا يمكن التنصل منه بسهولة ولا قطعه والتخلص منه وكأنه قطعة بالية من الملابس. ثم أنني لا أعتقد بأن موروث الواحد منا يشكل عبئاً إضافياً علينا، بل العكس أجده يغنيني ويضيف لي مثلما يضيف لي ما أكتسبه اليوم من إسبانيا بعد إقامتي الطويلة فيها، وهذا بحد ذاته كسب كبير لا يمكن تغافله.في كل نصوصي التي كتبتها حتى اليوم هناك حضور أساسي لموروثي العراقي، مجتمع ناسي وجذور تكوني، وهو يطفر كأساس في كل ما أتناول دون أن أفكر كيف ولماذا، فالجواب بديهي، والحضور طبيعي، ولو كان العكس لكان من الطبيعي أن يكون هناك أكثر من تساؤل عن هذا الإلغاء. أنا لم أغادر العراق طفلاً بل وصلته في أولى سني شبابي وكل ما عشته وتعلمته في العراق، فهو لصيق بي ولا يمكن تركه جانباً والخوض في مواضيع سيجدها القارئ غريبة وأجدها أنا نفسي أكثر غرابة وبعداً عني. ما حاولته في كتاباتي هو الاستفادة من تواجدي في إسبانيا كمجتمع وبشر وطباع مختلفة عنا وهو أن أشركهم معي في همي وفي مناخاتي، ومن هنا أغلب نصوصي الأخيرة تتخذ من إسبانيا ومدريد خاصة، مكان إقامتي، حيزاً لتواجد أبطال قصصي ورواياتي وهذا بحد ذاته أراه صائباً ومقنعاً لي أولاً خاصة في تناولي لشخصيات مغتربة أو مماثلة لي. العراق يطفر في كل النصوص لأن أغلب أبطال نصوصي مغتربين مثل حالتي أو آخرين يفهمون ويدركون ويشاركون شخوصي همومهم ومشاغلهم، وينقلون ذلك بصيغة وبأخرى للمتلقي الإسباني، وهو الطرف المشارك واللصيق والمدرك لحالتك ولتواجدك، وبالتالي هو عنصر أساسي. أنا لا أشرك إسبانيا والإسبان كديكور لشخصيات كتاباتي، بل هم في داخل نسيج الحكي كمدون ومراقب وممتحن مثلي بشخوصي. لست مع الأعمال الورقية التي لو مسحت إسم البلد التي تدور فيه الرواية لوجدتها لا تختلف عن روايات أبناء بلدك الآخرين.. إذاً ما فائدة التواجد في حاضنة أخرى وما نفع الأخر المتعايش معه فيما لو كان كل شيء كائناً في (الهناك) لا غير. الهنا والهناك مكتملان ببعضهما أو هذا ما أراه لنفسي ولكتاباتي ولشخوصي وإلا فمعناه سقوطي في شرك السذاجة الكبرى؛ وهي التغاضي عن جزء مهم مني ومن تراثي وإن جاء من مجتمع جديد ويتسمى بمسمى آخر.

* ما الجديد الذي تشتغل عليه اﻵن بعد نتاجات متعددة؟ وهل هناك أجناس وفنون ستقتحم عالمها مستقبلاً؟
– الكثير من أصدقائي المقربين يعرفون أنني كتبت وأكتب في أغلب الأجناس الأدبية والفنية إن لم أقل كلها، وإن لم أنشر إلا في البعض منها. كما أنني لا أعرض كل ما أمارسه ويشغلني أمام الجميع. عليه لن يتفاجأ الكثير لو أقمت يوماً ما معرضاً لرسوماتي المتكاثرة والتي يكتظ بها بيتي المدريدي منذ سنين طوال، وإن لم أكن حريصاً بالمرة على عرضها في صالة، فهي ما أعتبره من ضمن التحركات السرية لروحي القلقة في ممارسة اللون والخطوط عندما لا أستطيع التعبير عنها كتابة. ولكن لندع هذا لمناسبة أخرى. جديدي الكتابي الذي ينتظر الصدور وهو في المطبعة الآن وسيصدر عن دار سنابل في القاهرة مجموعة قصصية جديدة بعنوان (توستالا) في تناول لأحداث وشخوص ووقائع عن الكتابة والكتاب وتأثير الحكواتي الموجود في كل واحد منا وهو يسرد للريح ما ستجنيه الأسماع في يوم ما، وهي مجموعة من عشر قصص نشرت بعضها والأخرى غير منشورة بالمرة، والعراق بالطبع والغربة والتعلم اليومي من الكتابة هي محور أغلب القصص.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية