العراقي قاسم الساعدي شارك فيه وقدم اعماله ذات الكثافة الرمزية معرض لندن للفنون الجميلة: 103 غاليرهات و 1800 فنان يرسمون تاريخ الفن المعاصر في بريطانيا

حجم الخط
0

العراقي قاسم الساعدي شارك فيه وقدم اعماله ذات الكثافة الرمزية معرض لندن للفنون الجميلة: 103 غاليرهات و 1800 فنان يرسمون تاريخ الفن المعاصر في بريطانيا

ابراهيم درويشالعراقي قاسم الساعدي شارك فيه وقدم اعماله ذات الكثافة الرمزية معرض لندن للفنون الجميلة: 103 غاليرهات و 1800 فنان يرسمون تاريخ الفن المعاصر في بريطانيافي العادة يقوم الفنانون بعرض اعمالهم في معارض شخصية وجماعية، في غاليرهات او قاعات المتاحف ولكن ان تجتمع كل الغاليرهات التي تقوم برعاية الفن والفنانين وترويج اعمالهم تحت سقف واحد فان هذا الامر يكون مدعاة للاهتمام وحدثا ثقافيا جديرا بالاهتمام لان الامر لن يقتصر في هذا السياق علي فكرة الاستمتاع البصري وقراءة الاعمال الفنية لفنان واحد ولكن قراءة تاريخ الفن في حقبة او قرن من الزمن حيث تتداخل الاسماء والمدارس الفنية وتتجاور في القاعات الخاصة لكل غاليري. وقد شهدت لندن الاسبوع الماضي التظاهرة السنوية المعروفة بمعرض او سوق لندن للفن حيث عقد في مركز لندن للتصميم في ازلينغتون شمال شرق لندن، وضم المعرض اعمالا للفن البريطاني الحديث والمعاصر لاكثر من 1800 فنان ونحات وبمشاركة 103 غاليرهات، والمناسبة هي بالضرورة لتسويق لوحات واعمال الفنانين، اسعار بعض اللوحات خيالية وهو ما استدعي الناقد الفني المعروف روبرت هيوز، وصاحب كتاب الشاطئ القاتل للحديث مستغربا عن الاسعار الخيالية التي وضعت علي بعض اللوحات، والحقيقة ان المعرض هو يحاول ان يقدم خدمة لجامعي اللوحات او اصحاب المقتنيات الفنية، او الراغبين في اقتنائها، وتظهر الغاليرهات وروادها صورة عن المرتادين من علية القوم لكنه، اي المعرض ليس كله عن الفن وعلاقته بالثروة، فهو يقدم بانوراما عن التطورات والاشكال والمدارس الفنية التي يختبرها او يلتزم بها الفنانون في بريطانيا ويحاولون تجريبها. والاعمال المعروضة في الغاليرهات تؤشر للمدي الذي وصل اليه التجريب ليس في مجال الموضوع، او التقنية، الاساليب المتنوعة، فالانطباعية المباشرة لا تزال حاضرة ولكنها تحمل روحا معاصرة، كما ان التجريد والتجريب والتعامل مع الميديا الجديدة والالوان والحفر، والتصميم يتداخل في اطارات متنوعة، فالعمل الفني لم يعد ينتمي الي هذه المدرسة او تلك بقدر ما يعبر عن تداخل في الهويات والملامح، التي تجمع بين فن البوب والفنتازيا، والايقاع الفني السريع، والاعمال الفنية المشغولة باليومي ومقتنيات المكتب، وتلك المشغولة باستحضار الفضاء العام الهاديء او المعقد وتلك المشغولة باضفاء جماليات علي التشوهات الانسانية الداخلية، كما في اعمال الفنان المعروف لوسيان فرويد، او التجريب المعاصر البارز في اعمال لوسيان فرويد، وانيش كابور، القائم علي التركيب وبناء فضاء بصري من خلال بناء الاشكال، او التصاميم الانطباعية واللوحات لمناظر ثابتة كما في اعمال ديفيد هوكني، او تلك التي تمزج بين فضاء المدينة المعقد، وتعاريج خارطتها، هناك وجوه كثيرة تطل عليك من الاعمال، وجوه سعيدة وساهية، ووجوه مشوهة واخري تحمل ملامح الفاجعة، ويبدو المعرض الذي يقدم اسماء كثيرة صورة عن انشغالات الفنان المعاصر في بريطانيا خلال قرن، اذا يصاب المشاهد والزائر له بنوع من الدوار اللوني من كل ما يواجه من الوان وتصاميم، ففي داخل كل معرض، او زاوية متاحة للغاليري يعثر المشاهد علي طاقة لونية جديدة، وهذه الطاقة تتساوق من الحارة او الدافئة للباردة، واللوحات كبيرة وصغيرة لا تكاد تري بالعين. وما يميز معرض العام الجديد هو تخصيصه مساحة واسعة لما اسماه فوتو50 بين مرايا ونوافذ الذي ينوع علي فكرة قام بها قيم متحف نيويورك للفن الحديث جون جاروكسكي عام 1978 عندما حاول تقديم اعمال المصورين الامريكيين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وقام بالتفريق بين نوعين من التصوير، تلك التي اسماها مرايا التي تمثل فيها الصورة وسيلة للتعبير عن النفس، و نوافذ حيث يتم النظر للصورة وتجربة المصور علي انها وسيلة للاستكشاف ذات قدرة علي تقديم وجهة النظر والواقع. ويقدم المعرض الجديد صورة عن التطور في اساليب الفنانين المصورين الذين استخدموا او استفادوا من التقاليد المعروفة للتصوير حول التركيز والاطار العام للصورة فيما قام اخرون بأخذ الفكرة خارج نطاق الاطار وممارسة التجريب، والبحث في فضاءات غامضة وقد قدم التطور التكنولوجي ووسائل التعبير الفني الحديثة للفنان والمصور الآلية والارضية للتجريب والبحث في الممكن واللاممكن في الفضاء الفني. وما يميز الفن المعروض في هذه التظاهرة هو ان الفنان لم يعد مهووسا بفكرة واحدة او معني واحد للوحة، فالعمل الفني احيانا يحتوي علي طبقات واساليب متفرقة تتعايش بنوع من السلام او التوتر علي فضاء اللوحة. ليس بين الفنانين الذين عرضوا في معرض لندن للفن فنانون عرب باستثناء الفنان العراقي قاسم الساعدي الذي عرض اعماله غاليري ولزلي للفن الجميل، حيث قدم عددا من الاعمال منها بوابة مراكش (2006)، والتي تمثل حفريات لونية علي الذاكرة وتستعيد طقس وطرواة الذاكرة في مدينة مغربية معروفة، ويقدم الساعدي هنا طقوسا ورموزا وتعويذات المدنية مازجا بين الحفر الذي يبدو كخربشة والرمز الصوفي الطارد للارواح الشريرة عن المدينة التي تحاط بألغاز من التاريخ والحكايات. وتختزل لوحات الساعدي الكثير من التواريخ، ولكنها تحاول كما تشي عناوين لوحاته اذابة الاشياء والتأكيد علي فكرة الزوال والذوبان في فصوص من الملح وتراكماته، حيث يتحد الملح في لونه الطقسي والصحراء فاتحا عبر اذابة الملح والحدود، مكانا لولادة ابواب جديدة، فالساعدي مشغول بتأكيد السر او البحث عن ذلك الكامن خلف الابواب، هناك قدر عال من التنويع علي فكرة الحنين عند الساعدي اذ ان لوحاته تمثل قراءة في سيرة الفنان وبحثا في تاريخه الفني، وتلقي الالوان ضوءا علي هذه الذاكرة من الازرق الفاتح او بلون البحر، للبني الفاتح، والابيض، والاصفر، وسيرة الفنان التي تختفي وراء عدد من الموضوعات والاشكال مثل الرقم والاشكال البدائية تحاول استحضار حضارة بلاده وتاريخها، فهذه الرقم تشبه الرقم المسمارية او السومرية او اللوحات البابلية وتشريعات حمورابي تدعو المشاهد لتفكيكها والتعرف علي تاريخ الفنان، والاتكاء علي الرموز وتشكيلها في اطار اللوحة يمنح الفنان الحرية للتعبير بصريا ولونيا وبناء مفردات لغوية جديدة تعبر عما يجول في خاطره، وتفتح حوارا بينه وبين المشاهد.بين التشكيل والتلوين يقدم الساعدي لغة فنية وتشكيلات تبدو عفوية ولكنها خارجة من رحم الزمن القديم وتثير تساؤلات عن زمن الفنان واهتماماته، وتقدم تجربة الساعدي اطارا مختلفا عن تجربة الفنانين العراقيين، اذ فيها نزوع للرمز مع اهتمام بالتجريد والبحث خلف المعني، ودعوة المشاهد للحوار والتساؤل ايضا.ولد قاسم الساعدي عام 1949 في بغداد وأكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة ـ بغداد 1974 وأقام العديد من المعارض منذ عام 1974 في العراق وخارجه، وعرضت اعماله في سورية وليبيا وهولندا .زيارة معرض لندن للفن هي متعة بصرية، فكثافة اللون والصور والاشكال تغمر المشاهد وتصيبه احيانا بالتعب، ولكنها رحلة فيها درجة من الامتاع البصري، ومعرفة القدرات الانسانية علي التعبير بالفن عن انفسهم وما يحيط بهم، وخلق بحار من الالوان تسهم في تحديد الشرط الانساني حيث لا يبدو الاسم مهما في سياق ما يعرض الا للباحث عن لوحة او جامع لوحات. بين الفضاء المفعم بالالوان والمساحات الفارغة، والفضاءات المحملة بالدفء او التهديد ولزوجة التراب يقدم الفنان المعاصر تنويعا علي ايقاع الحياة، ليكشف عن جمالياتها البسيطة وعبثية التعبير الفني الجديد وسوريالية اللحظة والبعد التجريدي والتراجيدي في الانسان ومحيطه واهتماماته.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية