بغداد-«القدس العربي» : في ضربة قوية لآمال الإصلاح والتغيير في العراق، وبعد مخاض عسير من المساومات والصفقات المشبوهة، اختار مجلس النواب العراقي الجديد، محمد الحلبوسي رئيسا له، لتنتقل بعدها القوى السياسية إلى المرحلة الأصعب في مفاوضات اختيار رئيسي الجمهورية والوزراء، وسط غياب كامل للتوافقات الوطنية وطغيان الصراع على كعكة السلطة، مما يثير التشاؤم حول قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع التحديات والأزمات والإصلاح في العراق.
وبعد ماراثون للتنافس على منصب رئيس مجلس النواب بين ثمانية من المرشحين السنة خلال جلسة أمس السبت، فاز برئاسة المجلس محافظ الأنبار السابق النائب محمد الحلبوسي الذي اتهمته قوى سياسية بانه مدعوم من كتلة نوري المالكي وهادي العامري، والمثارة ضده اتهامات بالتورط بقضايا فساد أثناء إدارته محافظة الأنبار.
تحالفات تشكيل الحكومة
وقبيل انعقاد جلسة البرلمان بدورته الرابعة، لاختيار رئيس البرلمان، وجهت مرجعية النجف في خطبة الجمعة الماضية أعنف هجوم على الطبقة السياسية عندما حذرت من استمرار وجود الفاسدين في الحكم، بل وحرضت الشعب على وجوب مواجهة وتغيير الحاكم الفاسد، بينما حذر المرجع الديني جواد الخالصي من ان صفقات المتاجرة بالمناصب الجارية حاليا ستأتي بحكومة أسوأ من سابقاتها.
وضمن استحقاقات المرحلة التالية، تتواصل تحركات القوى السياسية عموما، وخاصة الشيعية منها، لعقد التحالفات اللازمة لجمع العدد الاكبر من نواب البرلمان، والتي تتغير باستمرار نتيجة حملة المساومات والصفقات بين الكتل على المناصب والمواقع. وتبدو كتلة سائرون المدعومة من التيار الصدري هي الأقرب في عقد التحالفات بعد مساع لضم كتلة الفتح بقيادة هادي العامري إليها، إلا ان تهدّيد مقتدى الصدر، باللجوء إلى المعارضة، في حال استمرار السياسيين رفض فكرة اختيار مرشح تكنوقراط مستقل بعيد عن المحاصصة لتولي منصب رئاسة الوزراء، عكس الصعوبات التي يواجهها الصدر في إقناع حلفائه بعدم الجري وراء الوزارات والمنافع.
وكان النائب الشيعي صباح الساعدي، قد كشف ان المبعوث الإيراني المعني بتشكيل الحكومة، الذي زار النجف مؤخرا، تم ابلاغه ان المرجعية لا تؤيد تولي منصب رئيس الوزراء من قبل سياسيين كانوا في الحكومات السابقة، وهو ما يعني استبعاد قادة شيعة مرشحين أبرزهم حيدر العبادي ونوري المالكي وفالح الفياض وطارق نجم وهم من قيادات حزب الدعوة اضافة إلى هادي العامري قائد منظمة بدر.
وإضافة إلى ذلك، فان الانتقادات التي وجهتها كتلة سائرون التي يدعمها السيد مقتدى الصدر، إلى العبادي على خلفية سوء تعامل إدارته مع أزمة البصرة، وإعلانها انها لا تدعم ترشيح العبادي لولاية ثانية، قد أنهى طموحات الأخير بتجديد ولايته، وهو الأمر الذي جعله يعلن في مؤتمره الصحافي الأسبوعي «لم أكن أريد الترشح لولاية ثانية ولم أطمح لها ولكن البعض نصحني بذلك باعتبار أننا حققنا انتصارات أمنية واقتصادية لكن ليتني لم أمضِ مع هذا الرأي لما وجدته من صراع سياسي على المنصب».
وفي المعسكر السني، تتعمق الخلافات والتنافس نتيجة اصرار بعض الشخصيات على الاستئثار بالمناصب المهمة خاصة مع انتشار أنباء عقد صفقات بملايين الدولارات مقابل انسحاب بعض المرشحين، ما دفع القيادي في سائرون رائد فهمي لدعوة الادعاء العام للتحقيق ببيع منصب رئيس البرلمان.
وبالنسب للعراقيين فان أسماء الرئاسات الثلاث، التي ترسخ المحاصصة الطائفية، ليست هي المهمة بل الأهم هو البرنامج الحكومي وانسجام الكابينة الوزارية التي ستتصدى لحل مشاكل البلد المستعصية وتوقف انهيار أوضاعه، وهو ما لا يبدو انه قابل للتحقق حاليا.
الخلافات الشيعية
ويؤشر المطلعون على أوضاع البيت الشيعي، ان صراع الأحزاب الشيعية على السلطة ومراكز القوة والامتيازات فيها، إضافة إلى تصاعد النقمة الواسعة في القاعدة الجماهيرية الشيعية على تدهور الخدمات الأساسية في مناطقهم وتفشي الفساد ونهب المال العام كما حصل في تظاهرات البصرة، وازدياد النفوذ الإيراني على القيادات الشيعية، كل ذلك أدى إلى تعمق الخلافات بين القوى الشيعية التي عمدت بعضها إلى محاولة النأي بنفسها عن الارتباط بمسيرة الفشل والفساد، عبر تحميل الآخرين المسؤولية، وخاصة خلال حراك التحالفات الحالية عقب الانتخابات لتشكيل الحكومة الجديدة. وفي أعقاب تظاهرات البصرة وقيام الجموع الغاضبة بحرق مقرات بعض الأحزاب، حيث تبادلت القيادات الشيعية الاتهامات بالمسؤولية عن استهداف مقراتها.
وكشف العبادي عن عمق الخلافات الشيعية الشيعية، عندما أعلن أثناء وجوده في البصرة ان ما جرى في المحافظة من عمليات حرق وتخريب للدوائر الحكومية قامت به جماعات سياسية لديها أجنحة عسكرية، لتحقيق أهداف سياسية. علما بانه لا توجد ميليشيات مسلحة غير شيعية في المنطقة الجنوبية. وبدورها، أعلنت تنسيقيات التظاهرات في البصرة، عن تجميد التظاهرات مؤقتا لعدم اتاحة المجال لاستغلالها من قبل جهات سياسية. وبذا تؤكد بعض القوى السياسية الشيعية استعدادها لخلق الأزمات والاضطرابات في البلد إذا كانت تحقق لها مصالحها وأهدافها السياسية.
وضمن السياق، ومع وجود توجه شيعي لاستبعاد قيادات حزب الدعوة من رئاسة الوزراء بعد أربع تجارب فاشلة، فان الحزب يمر حاليا بمرحلة مخاض عسير نتيجة تصاعد الانتقادات له في مسؤوليته عن تدهور أوضاع العراق ونتيجة انقسامات قيادات الحزب وتشتتها بين تحالفات القوى السياسية ودخولها الانتخابات بقائمتين أحداهما بقيادة حيدر العبادي والأخرى بقيادة نوري المالكي، إلا ان كلاهما لم يحققا نتائج حاسمة. كما يحاول الحزب التنصل من مسؤوليته عن تردي أوضاع البلد، حيث أعلن عدم تحمله المسؤولية عما يحصل في محافظة البصرة.
وفي شأن لافت، تابع العراقيون بقلق مؤشرات تمرد بعض الفصائل الشيعية المسلحة ضد الدولة، عندما هدد نائب رئيس الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس بنزول قوات الحشد الشعبي إلى شوارع البصرة وبغداد إذا لم تتمكن الأجهزة الأمنية من السيطرة على التظاهرات، محذرا من «وجود مندسين ينفذون مؤامرة». وقد أحيت تهديدات الحشد الشعبي وبعض الميليشيات بالنزول إلى الشارع، المخاوف من مساعي محمومة لتكرار ظاهرة حزب الله اللبناني في العراق.
أزمة البصرة
وفي ظل الهدوء النسبي للتظاهرات المطالبة بالخدمات بعد أسبوع دام احترقت فيه البصرة وسقط فيها عشرات القتلى والجرحى، وضمن محاولة الرد على الانتقادات التي تعرض لها أثناء استضافته في البرلمان قبل أيام، وصل رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي وفريق وزاري إلى محافظة البصرة لغرض ايجاد حلول عاجلة للمشاكل القائمة وخاصة مشكلة نقص الماء والكهرباء.
وقد أقر العبادي إن «محافظة البصرة لم تحظ بإدارة مناسبة تنهض بواقعها، وان سوء الإدارة والفساد وصراع الأحزاب، حرم البصرة من الخدمات رغم الأموال الطائلة المخصصة لها متوعدا بإحالة الفاسدين للقضاء، كاشفا ان أعمال العنف في تظاهرات البصرة مسيسة.
وبالتزامن مع زيارة العبادي، أعلنت هيئة حقوق الإنسان ان عدد حالات التسمم بسبب تلوث مياه الشرب في البصرة قد وصل إلى 60 ألف حالة، وان الإصابات ما زالت تتوالى على المستشفيات، مما يشير إلى بطء إجراءات الحكومة في حل مشاكل المحافظة.
التصعيد الإيراني
وفي شأن ذو صلة بتداعيات المشهد العراقي، تصاعدت التهديدات والعمليات العسكرية الإيرانية ضد العراق مؤخرا، وسط جرأة علنية غير مسبوقة لوسائل الإعلام وسياسيين عراقيين في انتقاد التدخل الواسع لإيران في الشؤون العراقية.
فبعد قيام المدفعية الإيرانية بقصف عدة قرى في منطقة حاجي عمران التابعة لأربيل، في ثاني قصف للمنطقة خلال أسبوع، وبعد أيام من قيام الحرس الثوري الإيراني، بقصف مقرات الحزبين الكرديين الإيرانيين المعارضين في شمال العراق، بثمانية صواريخ أدت إلى مقتل وجرح 60 شخصا، فان بغداد وأربيل رفضتا القصف الإيراني للأراضي العراقية، إلا ان إيران لم تهتم بهذا الرفض لمعرفتها بعجز الحكومة العراقية عن اتخاذ إجراءات جدية بهذا الصدد، بل ان رئيس أركان القوات المسلحة الإيراني محمد باقري، طالب السلطات في بغداد، بتسليم المعارضين الأكراد الذين يتمركزون في العراق منذ سنوات وإغلاق قواعدهم، كما هدد قائد فيلق القدس قاسم سليماني بإمكانية تكرار الهجمات الإيرانية على الأراضي العراقية مستقبلا، في إجراءات عدها المراقبون، بانها تندرج ضمن ضغوط طهران على القوى السياسية العراقية لتشكيل حكومة عراقية تراعي مصالح إيران وخاصة بخصوص نزاعها الحالي مع الولايات المتحدة، كما انه يأتي ردا على قيام متظاهرين في البصرة بإحراق قنصليتها لاتهامها بالتدخل في شؤون المحافظة ودعم الأحزاب الفاسدة. ومع تهديد الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات للحد من الاعتداءات الإيرانية على العراق، يبدو ان الاستقرار في العراق بعيد المنال.