العراق: اتساع هوة الخلافات بين مطالب المتظاهرين وطروحات الحكومة

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: يوما بعد آخر تقترب ساعة حسم صراع الإرادات بين التيار الشعبي الجارف الساعي نحو الإصلاح الجذري لإنقاذ العراق، وبين مساع محمومة لأحزاب السلطة في امتصاص النقمة عبر سياسة العصا والجزرة للبقاء في السلطة ونهبها المتواصل لثروات الشعب.

وكلما سقط شهداء جدد في الانتفاضة، ارتفع سقف مطالب المتظاهرين نحو التغيير الشامل لكافة أدوات وأسس العملية السياسية الفاسدة والفاشلة، حيث يتقدم المحتجون بإصرار نحو مراحل تصعيدية، لإفشال محاولات الحكومة في اطالة عمرها عبر حلول ترقيعية لم تقنع المتظاهرين.

وشهد الأسبوع الماضي تصعيدا مهما في الحراك الجماهيري في العاصمة العراقية، تمثل في تنفيذ عمليات قطع مؤقت أو دائمي لعدد من الطرق والجسور الرئيسية والحيوية في بغداد، بهدف إيقاف الحركة والتنقل وتعطيل الدوام الرسمي في الدوائر والمدارس والجامعات. وفي إجراء يعكس الفشل في الحد من فعاليات المتظاهرين وتحركاتهم، فقد ألغت “عمليات بغداد” حظر التجوال الليلي بعد أيام من فرضه، وذلك لثبوت عدم امكانية تنفيذه وتحدي المتظاهرين له.

وفيما قام المتظاهرون بالسيطرة بشكل شبه كامل على ميناء أم قصر في البصرة جنوب العراق وعرقلة الحركة فيه رغم تصدي القوات الأمنية ووقوع اشتباكات سقطت فيها نحو 13 شهيدا وعشرات الجرحى، فإن ثوار كربلاء حاصروا القنصلية الإيرانية في كربلاء في محاولة لإحراقها، إلا ان لجوء القوات الأمنية إلى العنف وسقوط شهداء جعل المتظاهرين يكتفون بانزال العلم الإيراني من البناية ووضع العلم العراقي بدلا عنه وسط هتافات وشعارات تدين التدخل الإيراني في شؤون العراق.

ووسط هذه المعمعة، تواصلت محاولات رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، التشبث بالسلطة وامتصاص الغضب الشعبي، عبر توجيه خطب أكد فيها “أن الحياة توقفت” جراء توسيع فعاليات المتظاهرين وشل الشوارع وقطع الجسور وتعطيل الدوام الرسمي ومحاصرة بعض حقول النفط والموانئ، محذرا بأن ذلك يتسبب بخسائر اقتصادية كبيرة للبلاد، ومتهما جهات باستغلال التظاهرات، مع وعود مكررة بتنفيذ جملة إصلاحات لم يلمس الشارع منها حتى الآن سوى النزر اليسير.

ومع استمرار سقوط مئات الشهداء والجرحى بنيران القوات الحكومية وحملات الملاحقة للناشطين والإعلاميين، قوبل باستغرب إعلان رئيس الحكومة، بأن “التعليمات مشددة بعدم استخدام الرصاص الحي أو أية أسلحة قاتلة ضد المتظاهرين، وأن القوات الأمنية لا تقوم بأي أعمال تعرضية أو هجومية!” داعيا المتظاهرين للعودة إلى بيوتهم.

وقد جاء رد المعتصمين في ساحة التحرير، سريعا على دعوات عبد المهدي، عبر بيان أشار إلى أن “السياسيين يراهنون على نفاد صبرنا وعدم استمرارنا في الاعتصام السلمي، فعليه نؤكد للشعب العراقي استمرارنا بالاعتصامات والتظاهرات المليونية حتى تحقيق مطالبنا العادلة، المتمثلة بإقالة الحكومة التي تلطخت أيديها بدماء المتظاهرين، وحل البرلمان، وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة جديدة لإجراء انتخابات بإشراف القضاء والأمم المتحدة”.

وعزز صمود المتظاهرين، الدعم المتصاعد الذي حضي به حراكهم ومطالبهم المشروعة وانتقاد استخدام العنف ضدهم، كمواقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى توجيهات المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في خطبة الجمعة الماضية التي أكد فيها على “حق المتظاهرين في التعبير عن مطالبهم وعدم الزج بالقوات القتالية ضد المحتجين”.

أما الحراك السياسي للحكومة والبرلمان، فقد شمل تشكيل لجان لتعديل الدستور وإصدار وعود بتعيين بعض العاطلين من حملة الشهادات العليا، إضافة إلى حملة واسعة في وسائل الإعلام للتحذير من عواقب استقالة الحكومة وحدوث فراغ دستوري إذا استقالت من دون إيجاد البديل، وهي إجراءات لم ترض الشارع، حيث أكد سياسيون وقانونيون وجود بدائل لتسيير الأمور لحين اجراء انتخابات سريعة وتشكيل حكومة جديدة، مع تشديدهم بأن استقالة الحكومة ستهدئ الشارع الغاضب. وفي الوقت الذي أعلن نواب التيار الصدري، عزمهم على استدعاء عادل عبد المهدي إلى البرلمان لاستجوابه عن سياسة حكومته تجاه التظاهرات ومطالبها، فإن أغلب الكتل السياسية الشيعية والكردية وبعض الساسة السنة، لا يرغبون في استقالة الحكومة للحفاظ على مكاسبهم.

وبالتأكيد لم يكن الطرف الخارجي بعيدا عن الأحداث، وخاصة إيران، التي تعتبر الخاسر الأكبر من انتفاضة اكتوبر، حيث أدانت استهداف قنصليتها في كربلاء ومحاولات وصول المتظاهرين إلى سفارتها في بغداد، في وقت واصل سفيرها ومساعدوه، إجراء اللقاءات مع القوى السياسية والشعبية الموالية، لامتصاص النقمة ضدها التي وصلت حدا غير مسبوق في الشارع العراقي، وذلك بالتزامن مع انطلاق حملة عبر شبكة التواصل الاجتماعي لمقاطعة البضائع الإيرانية. وما زاد من غضب الشارع العراقي تجاه إيران، تصريحات بعض المسؤولين فيها، ومنها ادعاء خطيب جمعة طهران، محمد علي كرماني، إن “بعض الجماعات المنحرفة التي وصفها بـ(شيعة الإنكليز) تسللت إلى صفوف الشعب العراقي” بينما أكد رئيس الأركان الإيراني اللواء محمد باقري أن “أعداء الشعبين العراقي واللبناني حاولوا ركوب موجة المطالبات الشعبية المشروعة واستغلال الظروف السائدة على هذين البلدين من أجل الاتيان بحكومة عميلة لهم إلى سدة الحكم”.

كما وصل وفد من مجلس النواب الأمريكي، برئاسة رئيس لجنة القوات المسلحة آدم سميث، إلى بغداد لبحث تدهور الأوضاع مع رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان، إضافة إلى تأكيد رئيسة البعثة الأممية في بغداد بلاسخارت إن “إحباط الشعب العراقي لا ينبغي الاستهانة به أو قراءته بشكل خطأ” واصفة استمرار سفك الدماء في العراق بـ”المروّع”.

ولا شك أن العراقيين يعيشون هذه الأيام إحدى الحالات التاريخية النادرة التي يتفقون فيها جميعا على التغيير الشامل والجذري لانقاذ الوطن وإبعاد أحزاب الفساد والتبعية عنه وايقاف تدهور الأوضاع فيه، وفي المقابل تستميت أحزاب السلطة وقوى إقليمية، لإجهاض الانتفاضة الشعبية بكل وسائل الترهيب والترغيب المتاحة لديها، بينما تبدو الأمور متجهة نحو فرض الشعب إرادته بإنقاذ وطنه ومستقبله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية