العراق: اربع سنوات من القتل
عبد الباري عطوانالعراق: اربع سنوات من القتلمن المفترض ان يكون العراق اليوم، وبعد مرور اربع سنوات علي غزوه واحتلاله، اكثر البلدان استقرارا وازدهارا وأمنا في المنطقة العربية، بل والعالم بأسره، هكذا وعدنا الرئيس جورج دبليو بوش، وهكذا بشرنا حليفه وتابعه توني بلير، ولكن الصورة مغايرة تماما، بل قاتمة بكل المعايير.لا يوجد صدام حسين الآن لكي يحوله البعض الي كبش فداء، ومشجب لتبرير كل اخطائهم، وجرائمهم، في حق العراق وشعبه، بل وفي حق العالم الاسلامي برمته، ولن نفاجأ اذا ما تحول هؤلاء في المستقبل القريب الي ادوات لتغيير النظام الايراني حليفهم وولي نعمتهم، مثلما قبلوا ان يكونوا ادوات لتمزيق العراق وتشريد شعبه، وتشويه حاضره، وتدمير مستقبله تحت ذريعة الديمقراطية وحقوق الانسان.فمن قبل ان يكون اداة في يد الاستعمار ضد بلده وشعبه، لن يتردد في اكمال المهمة ضد الآخرين، فمن يرتكب المعصية مرة، لا يتورع مطلقا عن تكرارها، ومن يهن عليه بلده، تهن عليه بلدان الآخرين.اربع سنوات من الاحتلال كلفت العراقيين 665 الف قتيل، واكثر من ثلاثة ملايين جريح، واربعة ملايين لاجئ، نصفهم ذهبوا الي دول الجوار طلبا للأمان، وهروبا من الحرب الاهلية الطائفية التي تحصد ارواح المئات يوميا، دون اي تفرقة بين المذاهب او الاعراق.آخر استطلاعات الرأي كشف ان واحدا من كل اربعة عراقيين فقد احد افراد اسرته قتلا، وواحدا من كل خمسة تعرض قريب له للخطف، وواحدا من كل ثلاثة هرب احد اشقائه الي الخارج طلبا للأمان.هذا هو العراق الجديد الذي ناضل الكثير من العراقيين في صفوف الاجهزة الاستخباراتية الامريكية من اجل بنائه، ليكون نموذجا في المنطقة بأسرها، يصدر الديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان والعدالة والمساواة. كوبونات النفط باتت نكتة سمجة امام عشرات المليارات من الدولارات التي ينهبها الحكام الجدد وابناؤهم واحفادهم والملتفون حولهم. بحيث اصبح هذا البلد يحتل المرتبة الثانية علي قائمة الدول الاكثر فسادا في العالم حسب تقويمات منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة غربية ليست لها علاقة بالبعث وتنظيم القاعدة او تنظيمات الاسلاميين، السياسي او غير السياسي.والاخطر من ذلك ان النفط العراقي الذي كان دائما ملك الشعب العراقي، ويوظف في قطع دابر الأمية، وانشاء اهم الجامعات ومراكز البحث العلمي، واقامة المستشفيات الحديثة، هذا النفط، اصبح مرهونا لعشرات السنوات المقبلة بفضل القانون الجديد الذي اقرته الحكومة وسيعرض قريبا علي مجلس النواب لاعتماده.فالذين كانوا يتباكون علي ثروات البلاد المهدورة من قبل النظام السابق، ويتحدثون عن ارصدة بالمليارات في بنوك خارجية، لم يعثروا حتي الآن ولن يعثروا علي اي منهــــا، كافأوا الاحتلال ببــــيع ثروة العراق النفطيــــة لشركاته العملاقة. فبمقتــضي القانون الجديد ستسيطر هذه الشركات علي 62 بئرا من آبار النفط العراقية، بينما سينكمش نصيب شركة النفط الوطنية الي اقل من 18 بئرا، فقط، وستصبح جميع اراضي العراق حلالا زلالا للشركات الغربية للتنقيب واستخراج النفط وتصديره دون حسيب او رقيب، ودون اي تدخل من الشركة الوطنية.تأميم النفط العراقي الذي كان اعظم انجاز في تاريخ هذا البلد العربي المسلم، يتم الغاؤه في الوقت الراهن من قبل حلفاء الاحتلال، تقديرا له (أي الاحتلال) علي قتل مئات الآلاف من ابنائه وتقسيمه الي كانتونات طائفية متناحرة متباغضة.رجالات النظام السابق الذين اتهموا بسرقة المليارات، يعيشون في دول الجوار علي الصدقات، وكذلك حال زوجة الرئيس العراقي وبناته واحفاده واقاربه، بينما يعيش ابناء حكام ووزراء العراق الجديد وأسرهم في العواصم الغربية كأباطرة، يتنقل بعضهم بطائرات خاصة، وينعمون بالامان والاطمئنان في منافيهم الفاخرة بينما يواجه ابناء العراق الجوع والموت والتطهير العرقي، والقتل الطائفي.من المفروض ان يقوم العراق الجديد علي التسامح والتعايش، وتقديم امثلة مغايرة في هذا الصدد، ولكن ما شاهدناه في الاربع سنوات الماضية يتناقض مع هذه المفاهيم كليا. فالرئيس العراقي السابق حوكم وجري تنفيذ حكم الاعدام فيه شنقا بسبب دوره في حادثة الدجيل التي اعدم فيها 148 شخصا، تري من سيحاكم الذين تورطوا في قتل مئات الآلاف من العراقيين، وانتهكوا اعراض النساء والاطفال، ومارسوا التعذيب في اقبية وزارة الداخلية، ناهيك عن سجن ابو غريب؟لنكن اكثر تحديدا ونسأل: من سيحاكم الذين اصدروا الأوامر، ونفذوا مجزرة النجف التي راح ضحيتها اكثر من خمسمئة شخص علي الاقل من جند السماء الذين يمثلون فكرا سياسيا ودينيا يختلف عن فكر الحكام الجدد وميليشياتهم. اليست هذه المجزرة اكبر بكثير من مجزرة الدجيل، ودون ان يقدم اصحابها علي اي جريمة في حق النظام؟لم نسمع عراقيا واحدا من الذين كانوا يتباكون علي الديمقراطية وحقوق الانسان ويؤلفون كتبا في القتل والتعذيب في مرحلة ما قبل الاحتلال يصرخ محتجا، ويدافع عن بلده ويدين اجرام العهد الجديد في حق ابنائه، فهل يحق للامريكان ومن جاءوا معهم ان يقتلوا ويعذبوا ما شاء لهم القتل والتعذيب دون اي محاسبة او مقاضاة؟الرئيس بوش يتخبط، ويعدل في استراتيجياته العسكرية، ويضع خططا امنية لانهاء العنف والقتل في بغداد، ويرسل قوات اضافية لتطبيقها، ولكن النتائج بائسة، فالسيارات المفخخة لم تتوقف عن قتل المئات من الابرياء، والجثث المجهولة ما زالت تطفو بالعشرات علي مياه نهر دجلة، او في شوارع العاصمة والمدن الرئيسية.التقسيم علي اسس طائفية وعرقية بات امرا واقعا، والحكومة المركزية تبدو عاجزة تماما عن حماية ابنائها، ومستقبل العراق اكثر قتامة من حاضره. والديمقراطية التي جاءت الانجاز الوحيد باتت بلا قاعدة، فالطبقة الوسطي التي هي ضمانتها انهارت بالكامل وهاجر معظم ابنائها وكان آخــــرهم رؤوف عـــبد الرحمـــن القاضي الذي اصدر حكما باعدام الرئيس صدام الذي طلـــب اللجــوء في بريطــانيا خوفا علي حياته.