العراق: ارتفاع أعداد المهجرين من المقدادية… ومرصد حقوقي يكشف عن «تطهير طائفي»

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: دعا زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الثلاثاء، قوات الأمن العراقية إلى «إعادة الانتشار السريع» في محافظة ديالى، التي تشهد توتراً أمنياً متصاعداً، يحمّل بوادر صراعٍ طائفي، خصوصاً في قضاء المقدادية، كما حذّر من خطورة «الفتّنة والطائفية» وفي وقت كشف فيه مرصد حقوقي عما وصفها بـ«جرائم تطهير طائفي» في ديالى، منتقداً صمّت الحكومة العراقية، ارتفع عدد العائلات التي نزحت من المقدادية.
وعلق الصدر في «تدوينة» له أمس، على الأحداث الأمنية التي تشهدها محافظة ديالى قائلاً: «الخطر محدق على هذه المحافظة الحبيبة».
وأضاف أن «نار الفتنة والطائفية يؤججها البعض، فهي أسيرة التهريب والمليشيات والتبعية والإرهاب» داعياً، القوات الأمنية، إلى «العمل الجاد والسريع لحماية الحدود من أجل درء المخاطر».
وتستعمل القوى المسلحة في محافظة ديالى، شرقي العراق، جرعات جديدة من العنف الطائفي بحق السكان المحليين في عدد من قرى شمال شرق المحافظة مرة أخرى، تحت أنظار السلطات الحكومية في بغداد والقوات الأمنية النظامية، في واحدة من أحدث صفحات العنف الممنهج في المحافظة، حسب بيان لمرصد «أفاد» الحقوقي.

المطالبة بتحقيق

وأضاف المرصد، في بيان، أمس الثلاثاء، أن «على مدار الساعات الأخيرة سجل (مرصد أفاد) مشاهدات ميدانية في عدد من القرى المنكوبة تستدعي أولاً، مطالبة الحكومة العراقية، ومجلس القضاء الأعلى، والإدعاء العام، بفتح تحقيق موسع لثبوت حصول جرائم إعدام ميدانية على الهوية، وعمليات تطهير واسعة يحمل قسم منها شبهات التواطؤ لعدد من أفراد الشرطة في المنطقة بأخذ دور المتفرج ليلة الثلاثاء الماضي على فجر الأربعاء 27 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، نفذتها جماعات مسلحة تستعمل شاحنات رباعية الدفع يحمل بعضها شعار (هيئة الحشد الشعبي)».
وفي إفادات متطابقة لثلاثة من أفراد فوج المغاوير التاسع السرية الأولى، وضابط برتبة نقيب في اللواء الأول بالجيش العراقي، يتواجدون حاليا بمحيط القرى المنكوبة شرقي ديالى، أعربوا عن اعتقادهم أن ثمة جثثاً ما تزال في بساتين قرية «نهر الإمام» وداخل عدد من المنازل لغاية الآن تعود لمدنيين تم إعدامهم.
وقال أحدهم، شريطة عدم ذكر اسمه، إن «القرية مغلقة حاليا ولا يسمح لأحد بالدخول بأوامر وصفها عليا، لكنه أكد وجود جثث لمدنيين بعضهم من عائلة واحدة، ما تزال في بساتين تتبع أحد أفراد عشيرة المهداوية شرقي القرية، ومنزلين كبيرين في القرية. ولدى عرض هذه الشهادة على أحد أفراد الشرطة أجاب بالقول: احتمال كبير» مبينا أنهم «يتواجدون خارج القرية ولا يسمح لهم دخولها إلا بأوامر عليا لوقوع عمليات سرقة أيضا في اليومين الأولين من الهجوم عليها تزامنت مع عمليات الحرق والتدمير».
وأكد، أنهم نقلوا إلى مستشفى المقدادية العام وعبر سيارات أمنية، جثثا لأربعة مدنيين مرة واحدة، بينهم رجل مسن معروف في القرية ويبلغ زهاء السبعين عاما تم إعدامه في باحة منزله عقب الهجوم على قرية نهر الإمام.
وتظهر بيوت تَصاعَدَت منها ألسنة الدخان الأسود من النوافذ والأبواب وطبع على جدران إسمنت غير مطلية بالدهان على غرار بيوت الريف العراقي، كما تظهر بشكل واضح مشاهد من على طريق ترابي غير معبد يربط قرية نهر الإمام مع قرى مجاورة آثار حرق المركز الصحي الوحيد، وبساتين حمضيات ونخيل محترقة، بينما تظهر في مشارف قريتي العامرية والميثاق، آثار عمليات قصف بقذائف المورتر وهو ما أضطر أهلها إلى مغادرتها، حسب المرصد.
كما تظهر المواشي هائمة بلا رعاية، وعلّق أحد أفراد الأمن بشكل مقتضب لدى سؤاله بالقول إنها «تعود لأهل القرية وخرجت تبحث عن الطعام» وكان من بينها أبقار وخراف بأعداد ليست كثيرة، كما تظهر سيارات محترقة على الطريق الفرعي الذي يربط القرى المنكوبة بالطريق «القديم» الذي تتوزع اتجاهاته لعدد من مدن جنوب وغرب ديالى، تعرضت للتخريب خلال فرار الأهالي من قبل المسلحين، أحدها من طراز كيا صالون، وأخرى نوع نيسان وتظهر سيارة أخرى حديثة من طراز تويوتا «لاندكروز» تم سرقة أجزاء عدة منها وتركها بمكان قريب قال عنصر أمن أن المهاجمين أعطبوا إطارات كثير من سيارات النازحين الفارين لإجبار النساء والأطفال على المشي عدة كيلو مترات وقاموا بعدها بحرق سياراتهم، لكنه أشار بإصبع يده إلى السيارة المعطوبة مشككا بسبب عدم حرقها مثل السيارات الأخرى بالقول «إنها حديثة» في إشارة إلى أن المهاجمين أخذوا أجزاءً مهمة منها.
ولغاية الآن أحصى المرصد، مقتل 12 عراقيا بينهم طفل وصبي قتلوا بشكل مباشر في قرية نهر الإمام، لكن جميع الإفادات أيدت معلومات وجود ضحايا آخرين في القرية قتلوا أيضا بطريقة الإعدام على يد «الميليشيا» التي اقتحمت القرية في ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء الماضي، ومما يعزز ذلك هو استمرار بعض العائلات الفارة البحث عن أشخاص كانوا متواجدين بينهم لحظة اقتحام المسلحين منازلهم وهم نيام وخاصة المربع القريب من المستوصف الصحي ومسجد الرحمن إذ تركزت الجرائم عليهم أكثر من غيرهم في القرية.
وحسب المرصد، يظهر اسم شخص يدعى أبو سجاد، وهو عضو بارز في منظمة «بدر» بزعامة هادي العامري، في نهاية العقد الثالث من العمر، كأحد الشخصيات الرئيسية في تنفيذ الهجوم على قرية نهر الإمام من بينها عمليات إعدام وحرق منازل وتوجيه شبان يحملون أسلحة إلى قتل من يرونه في القرية بدوافع الثأر والانتقام. وقام أبو سجاد بعد ساعات من الهجوم الأول بأخذ دفعة مسلحين آخرين إلى القرية ذاتها وقتل اثنين أحدهم موظف بصفة عقد في وزارة الكهرباء ضمن دائرة سد حمرين.
كما يتصدر اسم آخر ويدعي أبو حسن التميمي، اسمه الحقيقي سلام التميمي، ويعمل شرطيا في ديوان محافظة ديالى، في المشاركة بالهجمات التي انتهت بتنفيذ إعدامات بحق مدنيين بدون محاكمات وداخل منازلهم، تبعا للمرصد.

الصدر يدعو الأمن إلى الانتشار السريع… ويحذّر من الفتنّة

ووصف مسؤول محلي في المقدادية، سلام التميمي، أنه كان عضوا في جماعة «جيش المهدي» الذراع المسلحة للتيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، قبل انشقاقه منذ سنوات عديدة.
كما تم رصد عمليات طرد لأسر في مناطق أخرى يفترض أنها آمنة داخل مدينة المقدادية قام بها أشخاص تحت غطاء منظمة «بدر» وقال أحدهم للمرصد، في اتصال جرى تأمينه عبر تطبيق «واتساب» إنه ذهب للشرطة ونصحوه بالمغادرة مؤقتا بعد ما طلب منهم حمايته والتحقيق في الجهات التي أرسلت التهديد.

مهجرون

وحتى الآن بلغ عدد الأسر النازحة من قرى، نهر الإمام، الميثاق الأولى، الميثاق الثانية، العامرية، قرابة 480 عائلة توزعت على عدة مناطق أبرزها خانقين والكاطون وبعقوبة وحمرين وشهربان، بينما سجل وصول عائلات إلى العاصمة بغداد أيضا، لكن التركيز الأكبر حاليا للأسر الفارة من هجمات المليشيات كانت وما تزال في منطقة الكاطون توزع أغلبهم على مسجد ومنازل مواطنين في مبادرات إنسانية كريمة شهدتها ديالى بهذا الإطار.
كما سجل تهجير الكثير من العائلات الموجودة أساسا في قرية الرشاد والمعروفة بـ«الهواشة» لأسباب طائفية وتقتنع الأوساط السياسية في محافظة ديالى بينهم مرشح فاز في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أجريت بالبلاد في العاشر من الشهر الماضي، بأن غالبية المتورطين بالهجمات على القرى ينتمون لفصيل «بدر» المسلح وشارك آخرون معهم يعملون ضمن فصيل «سرايا السلام».
ودعا المرصد لـ«إطلاق سراح عدد من الناشطين الذين تم اعتقالهم بأمر من محافظ ديالى مثنى التميمي، على خليفة توجيه انتقادات للحكومة المحلية بشأن سوء تعاملها مع الأزمة واتخاذها دور المتفرج على الانتهاكات المروعة بحق المدنيين العزل ومنهم إمام وخطيب جامع الزيتوني أحمد المهداوي الذي اعتقل الخميس الماضي بشكل غير قانوني».
واعتبر المرصد، ومن خلال المشاهدات الميدانية والاستماع لشهود عيان وأفراد الأمن وعائلات الضحايا، بأن «ما جرى هو عملية تطهير طائفية نفذت من قبل فصائل محمية ومرعية حكوميا وبسلاح وسيارات الدولة، وتحمل بالوقت ذاته دوافع تغيير ديموغرافي مبيتة إذ أن التدمير الذي طال القرى لا يمكن إصلاحه في أشهر حيث أحرقت عشرات المنازل وجرفت مزارع وأتلفت البنى التحتية الرئيسة للحياة فيها منها المركز الصحي ومحطة المياه الوحيدتين في القرية».

مسؤولية الحكومة

كما حمّل الحكومة العراقية الحالية، «مسؤولية إضافة مناطق جديدة لخارطة المناطق منزوعة السكان في العراق، إلى جانب جرف الصخر، ويثرب والعوجة والعويسات وذراع دجلة وعزيز بلد وقرى السعدية وغيرها، بعد اتخاذ الحكومة والقوات الأمنية دورا متفرجا على عمليات التنكيل والقتل الطائفي والتهجير القسري دون أداء مهامها الدستورية والأخلاقية بحماية المدنيين».
ودعا، المنظمات المحلية والدولية إلى «مساعدة العائلات الفارّة من هذه القرى بأسرع وقت ممكن حيث تم تسجيل حالات مرضية عديدة بينهم» وقالت سيدة إن الجميع خرجوا فقط بملابسهم دون حمل أي شيء آخر، في إشارة إلى حاجة النساء إلى مستلزمات خاصة وملابس وأدوية فضلا عن الغذاء.
في السياق، دعا رئيس تحالف «تقدم» في محافظة ديالى، رعد الدهلكي، القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي، إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الوطني في محافظة ديالى، لمناقشة التراجع المخيف في الوضع الأمني في المحافظة.
وقال، في بيان صحافي، إن «ما حصل من خروقات أمنية في قريتي الرشاد ونهر الإمام والقرى المجاورة في قضاء المقدادية والتي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء بين شهيد وجريح، وعمليات حرق وتهجير ونزوح جماعي لأهالي قرى القضاء إلى المناطق المجاورة، وما نجم عنه من اوضاع انسانية صعبة لتلك العوائل، جميعها في حاجة إلى وقفة جادة وسريعة لتدارك الأمر وعدم الاكتفاء بالإجراءات الروتينية من استبدال قيادات أمنية أو فرض حظر للتجوال لساعات معينة».
وأضاف السياسي العراقي الذي ينتمي للتحالف الذي يتزعمه رئيس البرلمان المنتهية ولايته محمد الحلبوسي، أن «الوضع في ديالى في انحدار خطير وإن ديالى مسروقة من قبل الدواعش وسلاح الميلشيات المنفلت ويجب عودتها إلى حضن العراق، وعلى القائد العام للقوات المسلحة أن يكون حاضرا بقوة في المحافظة لمسك القرار والسيطرة على الأوضاع فيها وأخذ الدور الحقيقي وزمام الأمور قبل خروجها عن السيطرة وحصول تداعيات قد تحرق الأخضر واليابس في حال التماهل عنها» مشددا على «أهمية أن يكون رد الفعل، على حجم الكارثة، بالتالي، فإن تواجد مجلس الأمن الوطني في ديالى ووضع الخطط والقرارات الأنية والسريعة هو الخيار الاسلم لتفادي التداعيات الخطيرة وإيجاد الحلول الواقعية للازمة».
وأكد أهمية أن «يكون الحل عقلانيا من جميع النواحي الأمنية والمجتمعية وان يحاسب المجرم مهما كان فلا يوجد من هو فوق القانون في حال أردنا بناء دولة حقيقية، وعلى جميع الأطراف أن تبتعد عن سياسة التهديد والوعيد لأن وضع البلد لا يحتمل المزيد من المزايدات والصراعات التي استفادت منها الزمر الإرهابية والميليشياوية ودفع ثمنها المواطن البسيط».
في الأثناء، أعلن ديوان الوقف السني، تشكيل لجنة لإعادة إعمار وتأهيل دور المواطنين بقرية نهر الإمام في ديالى، بتوجيه من الكاظمي.
وقال الوقف في بيان، إنه «تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، تقرر تشكيل لجنة عليا من ديوان الوقف السني بإشراف رئيس الديوان سعد كمبش ورئاسة مدير عام دائرة الأضرحة والمقامات والمراقد السنية العامة فارس العبيدي وعضوية مدير عام الدائرة القانونية أحمد مزبان تتولى مهام إعادة بناء وترميم دور المواطنين النازحين في قرية نهر الإمام في محافظة ديالى».
وأضاف البيان، أنه «التقى أعضاء اللجنة بالمواطنين النازحين، مستمعين إلى مطالبهم واحتياجاتهم الأساسية واعدين بالأسراع في تلبيتها وبناء الدور والمساجد والمدارس التي هُدمت تمهيداً لعودتهم إليها».
وأعلنت وزارة الهجرة والمهجرين، ارتفاع عدد العائلات النازحة من قضاء المقدادية، إلى 300، عائلة. وقال مدير عام دائرة الفروع في الوزارة، علي عباس، إن «41 عائلة تم تأجير منازل لهم داخل مدينة بعقوبة من قبل ديوان الوقف السني، والمبالغ التي خصصها دولة رئيس الوزراء، وهي 10 ملايين للشهداء، ومليون للعائلات النازحة، صرفت لـ 227 عائلة، قسم منها في بعقوبة، وقسم آخر، في المقدادية«. وأضاف، أنه «لدينا طلبات للتدقيق، 35 في خانقين، 75 طلباً في المقدادية، وخلال اليومين المقبلين سيتم صرف المنحة، ما يعني أن العدد ارتفع إلى 300 عائلة، والمستلمين للمنحة 227 عائلة».

ملاحقة الإرهابيين

إلى ذلك، أكد المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة، اللواء تحسين الخفاجي، مواصلة الجهد الاستخباراتي لملاحقة منفذي جريمة المقدادية، مؤكداً أن تنظيم «الدولة الإسلامية» اختار المقدادية لخلق أزمة.
وذكر الخفاجي، للإعلام الحكومي، أن «داعش يعتمد على صنع الأزمات لرفع معنويات مقاتليه، واختار المقدادية بناءً على دراسة لخلق خلاف بين السكان وصنع أزمة لكن إمكانيات داعش محدودة». وأضاف: «لدينا جهد استخباري يعمل ليل نهار، وصباح اليوم بناءً على جهد استخباري، قتلنا ثلاثة وألقينا القبض على رابع أدلى باعترافات مهمة».
وأكد أن «لدينا القدرة على متابعة الأسلحة التي يستخدمها داعش، وجهاز المخابرات يعمل على متابعة التمويل المالي للخلايا» مبيناً أنه «تم مؤخراً اعتقال أخطر إرهابي وهو المسؤول المالي لداعش واعترف عن مصادر التمويل، لكن لا نستطيع الكشف عن تلك الاعترافات».
وبين أن «الدول متعاونة مع العراق في ملاحقة داعش وتقدم لنا المعلومات».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية